on
Archived: سوريا كومنت: لماذا فشلت مبررات الأمم المتحدة بخصوص برنامج مساعداتها في سوريا، بإقناع أي أحد؟!
سوريا كومنت: ترجمة محمد غيث قعدوني- السوري الجديد
انطلاقاً من تعليقات الأمم المتحدة على عمل هيئات الإغاثة الأممية في سوريا، فإن علاقة المتاجرة بين الطرفين ستمضي كالمعتاد، لا بل ستكون في بالغ السوء إذا ما رمت بحبل نجاة للنظام السوري. وكان متحدثَان أُمميان أحدهما باسم الأمين العام “بان كي مون” والآخر باسمِ مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، بموضعٍ لا يُحسدا عليه حيث توجب عليهما الرد على المقالات المتعلقة بهذا الموضوع في صحيفة “الغارديان” التي شاركت فيها وكتبت تعليقاً مرافقاً حول عشرات الملايين من الدولارات الأمريكية قيمة عقود منحت لشخصيات مقربة من النظام السوري.
ومن خلال تَتَبُعِ المال، اكتشفنا أن عشرات الشركات التي يملكها -أو ترتبط بشكل وثيق بمسئولين سابقين في النظام السوري من أولئك الذين ارتكبوا فظائع لا توصف- قد استفادت بصورة مباشرة من عمليات الشراء المحلية للمواد الإغاثية التي قامت بها الهيئات الأممية، كما احتضنت هيئات الإغاثة الأممية، المنظمات السورية الغير حكومية التي يديرها أمثال “رامي مخلوف” وآخرون على علاقة بميليشيات النظام البغيضة، وأسمتها ” شركاء التنفيذ”. ما يعني سوريا هو المدى الذي يمكن أن نصل إليه عندما يتعلق الأمر بالمبادئ الإنسانية للأمم المتحدة المتمثلة بـ “الإنسانية، الحياد، النزاهة والاستقلال” في الوقت الذي تستمر فيه جهود الإغاثة الأممية بالفشل المتسارع في تلبية احتياجات السوريين لا سيما أولئك القاطنين في مناطق سيطرة الثوار. وفي محاولتهما المشتركة لتفسير قرب وخضوع الأمم المتحدة الغير مرفوض للنظام السوري، قدم المتحدثان سجلاً بارعاً من المبررات. ومما يثير الاهتمام أكثر هو حديثهما عن أن “الرجال الغير مختصين” أمثالنا لا يمكنهم تقييم مدى تعقُد الوضع الذي تضطر هيئات الأمم المتحدة للعمل فيه. ويصف المتحدثان كيف أنه يتعين على هيئات الأمم المتحدة المناورة في إطار عمل ووضعٍ سياسي خطير وخارج عن إرادتها ولهذا فإن خياراتها في سوريا هي محدودة وبذلك يفرض النظام السوري على الأمم المتحدة شركائه المفضلين من المنظمات الغير حكومية، بينما يقدم قطاع الأعمال في سوريا قِلة من الداعمين للأمم المتحدة للقيام بواجباتها. وهنا تفشل الأمم المتحدة بتقييم هذا الفارق البسيط. قدم النظام السوري قائمة تضم 120 منظمة محلية وغير حكومية معتمدة للعمل مع هيئات الأمم المتحدة، ولكن لا يزال باستطاعة الأخيرة انتقاء المناسب من بين هذه المنظمات أو تكون لها الكلمة الفصل في كون هذه المنظمات غير مؤهلة، ومن ثم توزع هذه الهيئات المساعدات بنفسها.
بعض هذه الجمعيات الخيرية تعمل بعيداً عن السياسة وتوزع المساعدات بصورة عادلة. انطلاقاً من هذا المنظور، ليس هناك من سبب يدعو للتشارك مع منظمة غير حكومية كمؤسسة “البستان” التي يديرها ابن خال الرئيس الأسد، سيء السمعة، ناهيك عن مؤسسة أخرى تمول فرق الموت التابعة للنظام . لن ترتقي زوجة الأسد إلى منزلة المتبرع الكريم عن طريق التعاون مع منظمة “الأمانة السورية” التي تُديرها كما ولن تتكلم عن المنظمات الأخرى التي تمدح النظام علناً أو تقدم نفسها “راعية” لشهداء الجيش العربي السوري. عندما يتعلق الأمر بالعقود التجارية، فإن منطق الأمم المتحدة هنا معيب. من خلال سيطرته على الدولة، يتمتع النظام السوري باحتكار بعض القطاعات كالاتصالات الخلوية التي يملكها ابن خال الأسد “مخلوف” أيضاً. وهنا سيكون من الصعب فعلاً إيجاد داعمين أقل بغضاً ولكن بالنسبة لغالبية العقود التي أبرمتها الأمم المتحدة مع مسئولي النظام ، فإنه كن هناك بدائل مُسبقة من الموردين، فمثلاً يمكن استيراد الصابون وحفاضات الأطفال والمعدات الطبية بسهولة وليس هناك حاجة للطلب من أزلام النظام ترتيب عملية استيراد بضائع كهذه، لكن هذا ما حدث فعلاً. وتظهر تقارير “الغارديان” أن العديد من الجهات المستفيدة من سياسات الأمم المتحدة تم إدراجها على القائمة السوداء وتخضع لعقوبات فرضها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
وجاء رد الأمم المتحدة أنها ليست معنية قانونياً بالالتزام بهذه العقوبات طالما أنها مرتبطة بأشخاص محددين وكيانات ممن يخضعون لعقوبات فرضها مجلس الأمن الدولي الجهة الوحيدة التي تميز “الجهاديين الإرهابيين” عن باقي المعارضة. رغم أن هذا التقرير يسلط الضوء على تواطؤ كبار الجهات المانحة، فإنه يفشل بفهم هذه النقط كُلياً. لقد تم انتقاء الأفراد والكيانات تلك بسبب مساهمتهم المباشرة بفظائع ووحشية النظام السوري، وإن التعامل معهم بغض النظر يطرح قضايا هي أخلاقية في طبيعتها وليست بالضرورة قانونية. إن التسمية العامة لهؤلاء الأفراد يعني أنه لا يمكن للأمم المتحدة الإدعاء بأنها لم تدرِ بهذا الأمر، ويحتاج المانحين الأوروبيين والحكومة الأمريكية لتفسير كيف أنهم وبدون تمحيص قد ضخوا مليارات الدولارات في هيئات الإغاثة الأممية والتي بدورها حولت قسماً كبيراً من هذا التمويل إلى كياناتٍ مدرجة على القائمة السوداء رسمياً. وما يخشاه المتحدثان باسم الأمم المتحدة هو أننا ينبغي أن نكون سعداء” بالشفافية” المنقطعة النظير التي تتمتع بها هيئات الإغاثة في عملها. فبدون هذه الشفافية لن نكون قادرين على طرح ما توصلنا إليه بخصوص عقود الأمم المتحدة كما فعلنا. وبالفعل فقد كانت بعض النتائج ترتكز على وثائق يمكن إيجادها على الانترنت إذا ما عرفت أين تبحث عنها. ولكن إذا ما أردنا أن نقدم هذا كدليل على استحقاقات الأمم المتحدة في سوريا أو ما وراءها فهو أمر سخيف. إن معلومات الأمم المتحدة الخاصة بالمشتريات مخبأة في تقارير ضخمة من مئات الصفحات ، ولقيود كثيرة فإنه يتم ولأسباب أمنية حجب هويات الشركات الداعمة حتى عندما يتعلق العقد بتوريد مواد غير خطرة من قبيل مواد الاستحمام والعناية بالجسم. ولأسباب مجهولة، لم يتم إدراج منظمة الصحة العالمية وبرنامج الغذاء العالمي وهما من أكبر الجهات التي تضخ أموالاً في سوريا كما أن وثائق الأمم المتحدة لا تقدم أسماء ملكية الشركات التي فازت بالعقود، بل يتطلب الأمر مجهوداً لاكتشاف هذا ورغم ذلك وفي حال كانت الأمم المتحدة بكامل الشفافية حول صفقاتها في سوريا فإن هذا لن يعفيها من المساءلة هذا يحدث خاصة عندما تترافق ادعاءات الأمم المتحدة بالشفافية التامة مع النفي القاطع لأي مخالفات ورفض تام لبحث مُفَصَل وموثق كما هو الحال في رد “ستيفن أوبراين” وكيل الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية. لقد أساءت الأمم المتحدة طرح انتقاداتي وانتقادات “الغارديان” على أنها دعوة لفك الارتباط مع النظام السوري.
بالنسبة لـ” أوبراين” فإننا نفترض ضمنا وبشكل غير واقعي أن الأمم المتحدة ينبغي أن توقف العمل مع النظام السوري كُلياً ومن شان هذا أن يكون اقتراحاً متهوراً وبكل تأكيد إذا ما نظرنا إلى الأعداد الكبيرة من المدنيين الذين يعتمدون على المساعدات الإنسانية. وعلى أية حال، لم يكن هذا موضع نقاشي أبداً وكم تمنيت لو أن “أوبراين” والمتحدثين باسم الأمم المتحدة كانوا قد ردوا على اقتراحي الذي تقدمت به. إن توفير المساعدات الإنسانية بحيادية يتطلب عملاً توازنياً مستمراً ، عملُ قد فسح المجال الآن أمام مواجهة بين النظام والأمم المتحدة المنقادة بشكل واضح عن طريق السماح للنظام بصياغة تقارير تقييم الاحتياجات ، و التهاون في عدد المناطق التي يحاصرها النظام وساكنيها ، و توظيف أقارب مسئولي النظام ، وبالاعتماد على مختبراته للكشف عن تفشي الأمراض المُعدِية كشلل الأطفال، وتسليمها عقوداً للمقربين من النظام وأزلامه. وإذا ما أرادت الأمم المتحدة اتخاذ خطوة للتوازن من أجل توفيرٍ أكثر فاعلية للمساعدات في ظروف هي شاقة بلا أدنى شك، فغنه يتعين عليها أولاً استعادة بعض التوازن رغم أنه ما يزال من المرجح أن يعوزه “الحياد” الإنساني الذي يدعي “أوبراين” أن هيئات الأمم المتحدة تهدف لتحقيقه في سوريا. إن إنشاء لجنة تحقيق لفحص دورها وأداءها في سوريا هو اقل ما يمكن أن تفعله الأمم المتحدة لا سيما في ضوء الأخطاء المتزايدة والفشل والتقرب من النظام التي تورطت فيها هيئاتها الإغاثية. إ ويتعين على الجهات الرئيسية المانحة للأمم المتحدة ومن بينها الولايات المتحدة والدول الأوروبية المطالبة بفتح تحقيق كهذا في سبيل تشجيع الشفافية والمحاسبة التامة والحقيقية من أجل السوريين الذين حُرِموا من المساعدات الإنسانية من جهة، ومن أجل المواطنين الذين يدفعون الضرائب في تلك الدول من جهة أخرى. سيكون من السذاجة تَوَقُعُ أن تحقيقاً كهذا سوف يغير من هيئات الإغاثة الأممية، إلا أن فتح تحقيق مستمر سوف يحسن من موقف مفاوضي الأمم المتحدة في دمشق ويمكنهم من مواجهة طلبات النظام الغير مقبولة حول كيفية إتمام جهود الإغاثة.إن الفحص الدقيق سيساعد على استعادة قوة الأمم المتحدة وتأثيرها في مواجهة النظام التي كانت قد فشلت باستخدامها في الجهود للوصول إلى ملايين المحتاجين في سوريا.
اقرأ:
التايمز: خطة خبيثة جديدة أعدتها روسيا وإيران بسوريا