Archived: البعث الشيعي في سورية 1919-2007

السورية نت-

يقرأ كتاب “البعث الشيعي في سورية 1919-2007″، وجود الطائفة الشيعية في سورية كأقلية ضمن الأكثرية السنية قراءة تاريخية منذ عام 1919 إلى عهد الأسدين الأب والابن، حيث كان الانحراف الديني/السياسي.

كما يبين الكتاب تفاصيل ومراحل الحملات التبشيرية ومشروع التشييع في سورية، منذ ثورة البعث في عام 1963 ولغاية عام 2007. الكتاب مؤلف من خمسة فصول متداخلة في التواريخ ومتسلسلة في الحوادث تبدأ بفصل  “المنبوذون” ثم فصل “موطئ قدم” ثم فصل “ظاهرة العمائم السود” ثم فصل “احتلال المركز” والأخير”تطورات مشروع التشييع في سورية”، وفي الخاتمة يدرج مجموعة من الإحصائيات، تزود القارئ بالأرقام التقريبية لنتائج مشروع التشييع حتى عام 2007.

*الوجود الشيعي في سورية حتى عام 1919:

حيث يقع اليوم ضريح مؤسس الدولة الأموية معاوية بن أبي سفيان، تأسست جذور الوعي السني المفارق للانشقاقات الأخرى في الجسد الإسلامي، والتي كانت قد بدأت في الظهور والتبلور شيئاً فشيئاً.

 قد يكون أول وجود لكيان شيعي في سورية في حقبة الدولة الحمدانية في حلب، وذلك في منتصف القرن الرابع الهجري، وقد وُصفوا بأنهم شيعة غير مغالين، وكان الصراع بينهم وبين الإخشيديين حكام مصر آنذاك، حول السيطرة على دمشق.

في نهاية القرن الرابع الهجري استطاع الفاطميون العبيديون في مصر احتلال أجزاء من بلاد الشام، منها الساحل السوري، وبقي الصراع مستمراً بعدها بين الفاطميين والمرداسيين في حلب ودمشق، إلى أن جاء السلاجقة الأتراك في منتصف القرن الخامس الهجري، ومن ثم كان ظهور صلاح الدين الأيوبي، الذي وحّد بلاد الشام ومصر، فعادت أرض الشام في العهد الأيوبي وبعده في العهد العثماني إلى وضعها السنّي الأصلي.

 لكنّ جيوباً للتشيع بقيت هنا وهناك، تمّت محاربتها، ودفعها إلى الجبال، فقد كانت بمنزلة جيوب معارضة سياسية تدين بالولاء للفاطميين؛ لهذا لم تكن المسألة تعصباً سنيّاً بقدر ما كانت توطيداً سياسيّاً لدولة أخرجت الصليبيين فيما بعد من القدس بعد أن سقطت في أيديهم في العهد الفاطمي.

حوّل الولاء الديني/السياسي للشيعة في بلاد الشام بعد انهيار الدولة الفاطمية إلى أقليات باطنية منغلقة، تغزوها الأفكار الوثنية للديانات الإحيائية. ثم تشكلت انشقاقات عن التشيع (الدروز، الإسماعيلية، والعلويون النصيريون)، ولم يبق من الشيعة الاثني عشرية إلا أقليّة منبوذة اجتماعياً وسياسياً، تقطن بعض القرى، والمنحلة في الجسم السني الكبير.

*الشيعة في الدولة الوطنية (1919 -1969):

في الحقيقة لا تتوفر إحصائيات دقيقة عن الوجود الشيعي، ولكن الوجود المؤكد لهم على أرض الشام تمثّل في حي الأمين، وحي الجورة على مقربة من الجامع الأموي، وعلى قاسيون في دمشق، حي زين العابدين في منطقة المهاجرين، يطلق عليهم اسم (المتأوّلة)، و (الأرفاض)، وهي ألقاب تدل على نبذ المجتمع الدمشقي لهم، كذلك في قرية عين ترما في الغوطة الشرقية، وقرية الراوية، وفي الدخّانية (وفيها مقام السيدة زينب الصغرى)، وفي حلب قرية نبّل، وفي إدلب قرية الفوعة، وفي حمص حي البياضة.

الطائفة الشيعية كانت قليلة جدّاً، ومنغلقة حتى الستينات، حين جاء الشيخ محسن الأمين من جبل عامل في لبنان، وأسس المدرسة المحسنية في حي الأمين.

وبحسب الإحصائيات الرسمية، فإن نسبة الشيعة إلى عدد السكان في سورية كانت في سنة 1953 قد وصلت إلى 0,4%، وهذا يؤكّد أن الطائفة الشيعية كانت قليلة جدّاً، ومنغلقة حتى الستينات، حين جاء الشيخ محسن الأمين من جبل عامل في لبنان، وأسس المدرسة المحسنية في حي الأمين، وهو الذي قال: “إننا مقبلون على تطور اجتماعي يعمّ أبناءنا شئنا أم أبينا، فلنقطع الطريق على ما يرافق التطورات عادة من انحراف وتهوّر وضياع، بإنشاء مدرسة تزودهم بما يقضي به هذا التطور من صنوف المعرفة، ونبقيهم في رعايتنا وضمن إشرافنا”، فكانت أول مدرسة دينية في سورية وهي قائمة إلى الآن في حي الأمين.

توفي الشيخ الأمين عام 1952، تاركاً وراءه طائفة بدأت تدبّ فيها الحياة، توّاقة للمشاركة. ففي الستينات، شارك الشيعة في حكومة البعث (شباط 1966 – تشرين الثاني 1970)، عبر حقيبة وزارية واحدة، ولم يسجّل قبل ذلك أية مشاركة سياسية للشيعة في سورية، بينما كان الدروز والمسيحيون والعلويون يسهمون بقوة في الحكومات والانقلابات، وحتى ذاك التاريخ، لم يسجل أي تبشير شيعي بالمعنى المنظّم ولا بالمعنى السياسي.

 كان التشيع مجرد قناعات شخصية نادرة، دينية ومذهبية صرفة.

*موطئ قدم:

–التحالف 1970 – 1990: (والمقصود التحالف العلوي –  الاثني عشري):

انشق العلويون الذين هم فرع من غلاة الشيعة عن الطائفة الإمامية، وينظر إليهم في النصوص الإمامية الاثني عشرية الفقهية على أنهم (كفار)، إلى أن جاءت فتوى الشيخ موسى الصدر التي قلبت العداوة إلى نوع من التحالف، وهي الفتوى التي أصدرها الشيخ بعد نشر مسودة الدستور 1973،

حيث واجه حافظ الأسد أزمة تتلخص في أن العلويين ليسوا مسلمين، لا عند السنة ولا عند الشيعة، بالتالي لا ينطبق عليه الشرط الدستوري للرئاسة، ما يعني أن عليه التنحي، فأصبحت هذه المسألة حديث الشارع، وأهم شواغله الرئيسية، عندها لجأ الأسد إلى صديقه الإمام موسى الصدر، فأصدر له في تموز 1973 فتوى تقول بأن العلويين مسلمون، وهم طائفة من الشيعة، فبرز لأول مرة مصطلح (شيعي)، في المجال السياسي السوري.

حمل الانتماء إلى أقلية دينية من هذا النوع أثراً عميقاً في شخصية حافظ الأسد، الذي كان يسارياً في حزب البعث اليساري، والذي شارك أبناء طائفته عواطفه في السخط على الماضي، فكان عليه أن يثبت للمشككين به بأنه قد خلّف وراء ظهره جميع عقد الأقلية.

عمل حافظ الأسد ورفاقه في اللجنة العسكرية على علونة حزب البعث والسلطة، بدأت عملية تطييف الجيش والبعث منذ انقلاب البعث في آذار 1963، وأُعيد بعثها مع تسلم الأسد وزارة الدفاع في عهد الأتاسي 1966 – 1970، وبلغت ذروتها بعد انقلاب الأسد واستيلائه على السلطة، ما أدى إلى استثارة السنّة، وتفجرت أسوأ أحداث عنف شهدتها سورية في أعوام 1978 – 1982، والتي بقي أثرها قائماً إلى اليوم.

–الطائفة العلوية أكبر الأقليات، والإمامية أصغرها:

 كان للشيخ العلوي عبد الرحمن الخيّر 1903 – 1982، الأثر الكبير في فك العزلة بين الفرع الشيعي وأصله، وذلك في محاولاته إكساء العقائد العلوية قدراً من الشرعية في المجتمع السني، عبر شرحها بمفاهيم ومصطلحات شيعية جعفرية.

في مطلع السبعينات، تعرّف الأسد على رئيس المجلس الأعلى الشيعي في لبنان موسى الصدر (الإيراني-اللبناني)، وانعقدت صداقة حميمة بينهما، كان الأسد يدعم الشيعة في لبنان لنيل نصيبهم من الكعكة السياسية، وفي الوقت نفسه لبناء علاقات مع الموارنة والفلسطينيين في لبنان، وقد استثمر ذلك كله في دخوله لبنان عام 1976 (بموافقة أمريكية وإسرائيلية).

*وفود العمائم السوداء:

لجأ العديد من العلماء الشيعة في العراق إلى سورية، هرباً من بطش البعث اليميني في العراق. من أهم هؤلاء العلماء كان حسن مهدي الحسيني الشيرازي 1976، والذي أسس أول حوزة علمية للتعليم الديني العالي للشيعة في سورية، في قرية سنيّة بجوار مقام السيدة زينب في ريف دمشق، كانت أولويته الطائفة العلوية في سورية، وقد مثلت هذه الحوزة فتحاً وانفتاحاً للعلماء الشيعة على العالم لممارسة التبشير الشيعي، حيث تم إنشاء حوزات في السعودية وأفريقيا ولبنان.

–الثورة الإسلامية في إيران والصدام مع إسلاميي سورية:

تمت دعوة الخميني من قبل حافظ الأسد إلى سورية بعد إخراجه من العراق 1978، لكنّ الخميني فضّل الذهاب إلى باريس، وكان الأسد قد بدأ في مواجهة معارضة مسلحة سنية عام 1979.

 بعد نجاح الثورة الخمينية، شرع الأسد في بناء علاقات قوية مع إيران، انتقاماً من الدول السنية التي دعمت الإسلاميين السنة في سورية ضده، وخوفاً من صدام حسين وطموحاته. كانت علاقة الأسد بالخميني ذات وظائف سياسية لا تتضمن بعداً دينياً، فالخميني كان أصولياً، فيما لم يكن حافظ متديناً في يوم من الأيام. كان الأسد يعي بأن الخمينيين يعتبرونه بعثياً (كافراً)، ولذلك لم يلتق حافظ الأسد بالخميني طيلة عشر سنوات من حكمه.

 لم يكن حافظ واثقاً من الإيرانيين، ففضيحة (إيران – كونترا 1986)، التي كشفت عن صفقة تسليح إسرائيلية- إيرانية، بقيمة مئة مليون دولار، والتي كشف الأسد بنفسه خيوطها، دفعته إلى اتخاذ قرار بمنع تصدير ثورتهم إلى دمشق. ولخوفه من انقضاض الملالي عليه كما انقضوا على الشاه العلماني، كان دقيقاً في إدارة العلاقة مع إيران الشيعية (محور سياسي خالص، يلعب دور توازن في القوى الإقليمية لمصلحته ومصلحة النظام الإيراني، لا أكثر).

-1981، أسس جميل الأسد شقيق حافظ الأسد جمعية المرتضى، ولم تحمل الجمعية أفكاراً شيعية صرفة، كانت تحاول توسيع نطاق النفوذ العلوي في سورية، وركزت في نشاطها على منطقة القبائل في درعا ومناطق الأكراد (القامشلي)، وفي اللاذقية وقرى العلويين.

 أعضاء الجمعية كانوا مسلحين ومحميين من قبل سرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد آنذاك، حيث لعبت دوراً استخباراتياً مهماً عبر اختراقها للوسط الديني السّنّي إبان الصراع مع الإخوان، وقد خلع جميل الأسد على نفسه لقب الإمام المرتضى، وكان حافظ الأسد يغض الطرف عن نشاطات الجمعية، مستفيداً منها في الشق الاستخباراتي.

-تشرين الثاني 1983، مرض حافظ الأسد وتشكلت اللجنة السداسية لإدارة البلد، طالبت الجمعية بتنصيب رفعت رئيساً خلفاً لأخيه، وما أن تعافى حافظ قليلاً، حتّى أعلن حلّ الجمعية في كانون الأول 1983. يعتبر نشاط الجمعية المذكورة، أول نشاط تبشيري شيعي/سياسي، ولكن لأغراض سياسية محلية، وليست إقليمية تتعلق بإيران وهلالها الشيعي.

-الشيعة كظاهرة في سورية:

في عام 1938، صدر البيان الجماعي الثاني الذي أعلن فيه زعماء دينيون علويون انتساب الطائفة العلوية النصيرية إلى الشيعة الجعفرية، وذلك عقب الإعلان الأول الذي صدر عام 1936، وكان يؤكد على شيعية وإسلامية العلوية. انتشرت دعوة الأصل الشيعي، والعودة للأصل، التي بلغت حدّاً دفع بالشيخ عبد الرحمن الخيّر إلى تأسيس الجمعية الخيرية الإسلامية الجعفرية في اللاذقية سنة 1950، والتي ستكون قاعدة فيما بعد للنشاط الشيعي الجديد في عهد حافظ الأسد.

عام 1952، صدر مرسوم تشريعي بتشكيل لجنة خاصة بالجعفريين، من علمائهم الذين يرتدون الزيّ الديني، حيث تولّوا مهمّة القضاء الشرعي للطائفة، وكان أول من زار جبال العلويين، والتقى بشيوخ الطائفة جواد مغنيّة عام 1961.

بعد ذلك تحولت الظاهرة الشيعية إلى تيار نشط، قاده الشيرازي بعد تأسيس الحوزة الزينبية 1976، وأسس حوزة في مسجد جعفر الصادق في اللاذقية، حيث يدرس الطالب فيها، ثم ينتقل إلى الحوزة الزينبية، ثم يتم إرسال عدد من الخريجين العلويين إلى قمّ ليختصوا هناك بالمذهب الجعفري، وفي المقابل، كان هناك عشرات الطلبة العلويين، قد تخرجوا من الأزهر، وكلية الشريعة بدمشق.

-المهلّب حسن، وهو طبيب من عائلة علوية عريقة متدينة، دعا لإنشاء مجلس ملّي أعلى للطائفة، يمنحها القدرة على الاستقلال عن قرار السياسيين، بل والتأثير فيهم، ويحرمهم من استغلالها، فقامت المخابرات العسكرية بتصفيته جسدياً.

 كل ذلك الصراع (بين تيار العودة للأصل الشيعي، والتيار المطالب باستقلالية الطائفة)، ظلّ في حدود القلّة القليلة المتدينة في الطائفة.

اقرأ:

أبرز أسباب مساندة الميليشيات الشيعية المدعومة إيرانياً لنظام الأسد