Archived: ورثة بليغ حمدي أمام محكمة أميركية

أحمد ندا: المدن يوم 23 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، ستعقد أولى جلسات محاكمة نجم الراب الأميركي “جاي زي” التي أقامها ضده ورثة الموسيقار الراحل بليغ حمدي بسبب استخدامه للحن أغنية “خسارة خسارة”، وذلك لما اعتبره الورثة تعدياً على “أهميتها الثقافية”.

وعليه، سيطيب للمشغولين بالثنائيات أن يجدوا ضالتهم في قضية “جاي زي” ولحن بليغ حمدي. أغنية “نحن وهم”، هنا، ستتجلى بكل حمولتها المعرفية في ردود أفعالهم تجاه “الأهمية الثقافية” للحن أغنية خسارة، ستداعب لديهم وتر “الخصوصية” بما فيه من عصاب شوفيني تجاه أي يد “خارجية” تطال عملها الفني.

مغنّي الـ”هيب هوب” الأميركي، إستمع إلى لحن “مجهول المصدر” العام 1999، وقرّر أن يستعمله في واحدة من أغنياته كلازمة موسيقية في الخلفية، ما انتبه إليه ورثة بليغ حمدي وقاضوه، وانتهت القضية عام 2001 بدفع جاي زي ووكيل أعماله مبلغ 100 ألف دولار نظير الاستفادة من اللحن.

غير أن أسامة فهمي، أحد اقرباء الموسيقار الراحل، قرر مقاضاته، معتبرا أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه في السابق لا يحمل أي قيمة بنظر القانون المصري.

واعتبر فهمي في نص الدعوى التي تقدم بها أن أغنية “خسارة خسارة” تحمل “أهمية ثقافية” في مصر، والقانون المصري لا يسمح بإجراء أي تعديل أو إضافات تمسّ بحقوق المؤلف. كما أكد أن مؤلف الأغنية يجب أن يعطي موافقته على أي تغيير يطال الأعمال الخاصة به، أيا كان النطاق الذي تنطبق فيه حقوق المؤلف.

لكن المؤلف “رحل”، ولم يبقَ إلا ورثته، ليكون قرار استخدام ألحان بليغ حمدي في أيديهم، مسلحين بالأهمية الثقافية للحن من آلاف ألحان قدمها بليغ حمدي.

وأخيراً، صرّح أسامة فهمي، ممثّل ورثة الموسيقار “إن هناك 4 جلسات عقدت حتى الآن، وهناك 4 جلسات أخرى خلال الأسبوع المقبل بداية من 23 أكتوبر المقبل”.

المفارقة حقاً، هي أن ألحان بليغ كانت وما زالت عرضة للانتهاك والاستفادة والتأثير من مختلف الملحنين والمطربين، ويمكن بقليل من المتابعة أن نجد “أثر” اللحن البليغي على أغان مثل “آه يا عيني يا ليل” للفنان لؤي وتشابهها مع لحن “سواح”، أو “خلينا نشوفك” لعمرو دياب وتأثره بلحن “على رمش عيونها”، والأمثلة في هذا الصدد كثيرة.

وهنالك أيضا الاقتباس المعلن، مثلما صرح الملحن عزيز الشافعي في عمله “يا بلادي” بجملتها الموسيقية الأساسية المأخوذة كما هي من لحن “يا حبيبتي يا مصر”.

لسنا بصدد الحديث عن أهمية بليغ حمدي الموسيقية، ولا المعيار الموسيقي المتعارف عليه في “عدد الموازير” الضابط لمفهومي السرقة والاقتباس والتأثر، خاصة وأن مسألة “السرقة الموسيقية” شائكة في حدودها الفنية والأخلاقية، وهي قديمة قدم ألحان محمد عبد الوهاب، أول من وُجّه إليه الاتهام “بالسرقة”، فيما رآه عبد الوهاب “اقتباسا” لخدمة مشروع تتجاور فيه النغمات من عدة ثقافات.

لكن السؤال، عن الاختلاف بين ما قدّمه جاي زي وعزيز الشافعي، وكلاهما استخدم جملة موسيقية من لحن لبليغ، بل يمكن القول إن ما قدمه جاي زي هو رؤية مختلفة وتأويل مغاير للحن بليغ حمدي؟

ربما لا يشغل بال ملك الهيب هوب الأميركي هذه “الثنائيات” الثقافية، وهو يتعامل مع الموسيقى خارج معناها الهوياتي، وربما لم يكن ليتخيل أن هناك من يتعامل مع الموسيقى بوصفها باب الأذن للهوية أو بتعبيراتهم “الأهمية الثقافية”.

على صعيد آخر، تتباين ردود الأفعال بين الرفض التام لاستخدام موسيقى بليغ في “أغان هابطة” مثل ما يقدّمه جاي زي، فيما يرونه “ابتذالاً” للحن الشرقي، وآخرون يرون في هذا الاستخدام طريق للعالمية وتأكيد على عبقرية بليغ حمدي المتجاوزة للزمان والمكان. ولا تخرج الفكرتين عن ملحمية “نحن وهم” سلبا وإيجابا، وإلا لارتفعت نفس الأصوات للاعتراض على أغنية عزيز الشافعي مثلما فعلوا مع جاي زي.

لن يكون من قبيل المبالغة إذا سلمنا بأن القضية لا تتعدى الطموح المادي بالنسبة لورثة بليغ، ربما لم يكتفوا بالمئة ألف دولار مع نجم ومنتج يساوي اسمه مئات الملايين، وكل الادعاءات بأهمية اللحن وخصوصيته هو من قبيل إعطاء المصداقية لهدفهم المادي. وفي كل الأحوال، تظلّ ألحان بليغ “التي تجاوزت الثلاثة آلاف” مادة خصبة للميديوكر والباحثين عن الشهرة من باب الموسيقى.