on
Archived: قراءة في كتاب : من (غورباتشيف) وصولاً الى (بوتين)
يونادم يونادم: كلنا شركاء
مع تفكك الاتحاد السوفييتي في عام 1991 اصبح المزاج السياسي في الدول الغربية أكثر تفاؤلاً وأكثر غطرسة في آن واحد، فقد تدفقت المقالات التي تريد ان تعلن حكم التاريخ وحكمته الأخلاقية للعصر الجديد بان وجه الأيديولوجية البشع لم يعد قادراً بعد الآن على تقسيم وتمزيق الأمم بعد هذا الانتصار الذي حققته الصيغة الليبرالية الديمقراطية.
ولكن سرعان ما تبددت نشوة هذا التوقع وتحولت الى اهتزاز مضطرب بين روسيا والغرب بعد قيام حلف (الناتو) بقصف (الصرب) عام 1999 حيث أخذت الخلافات تتضاعف بعد ذلك وتتضاعفت معها أعداد القتلى في (جورجيا) و (أوكرانيا) و (سوريا).
ان الملايين من الشعب الروسي اليوم يعانون من تدني مستوى معيشتهم بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا من قبل الولايات المتحدة والدول الأوروبية، في نفس الوقت الذي يبدو فيه (بوتين)
أكثر شعبية وغبطة ولا يبدي اهتماما بالعزوف عن السلطة. لقد انقضت تلك الأيام التي كانت تضج بالرقص والصخب الذي كان يدوي على قرع أقدام (بوريس يلستين) الثمل المخمور.
في كتابه (اختراع روسيا) لمسؤول مجلة (الايكونومست) البريطانية (أركادي اوستروفسكي) يحاول فيه ان يشرح كيف تم بلوغ هذه المرحلة التي بدأت بإصلاحات (غورباتشيف) الليبرالية وصولاً الى دولة (بوتين) البوليسية الأوتوقراطية، ورغم ما تتصف به مثل هذه المحاولة من تحد وطموح فان (اوستروفسكي) مؤهل للخوض في هذه المرحلة فهو روسي المولد والثقافة، ودرس المسرح في موسكو قبل ان ينتقل للعمل في مجال الاعلام والصحافة منذ بداية التسعينيات.
يناقش (اوستروفسكي) في بداية كتابه الأسس الفكرية لإصلاحات (غورباتشيف) فيضع (البيرسترويكا- أو إعادة البناء) و (غلاسنوست- أو الشفافية) في سياقهما الروسي ثم السوفييتي الذي كانت تكتنفه علاقات تشبه الأوضاع في دورالعبادة، فالشيوعيون الذين اندفعوا نحو لينين ونظروا اليه نظرة المؤمنين ساهموا في تقويض الاتحاد السوفييتي أكثر بكثير من المنشقين الذين كانوا ينتقدون النظام من الخارج، ثم ينتقل بعدها الكاتب الى تحليل يعتمد في تناوله على استخدام قوة الأفكار ونفوذها، بالإضافة الى استعمال الكلمات والصور المعبرة عن ثقافة كانت الدولة الروسية على مر التاريخ هي الطرف الذي يتحكم بشدة في انتقال المعلومات الى ان انهارت تلك الدولة في التسعينيات من القرن الماضي. ويكشف (اوستروفسكي) وبتفصيل دقيق كيف ان القلة الأوليغارشية المتنافسة، والمنشغلة بنهب البلاد، استخدمت وسائل الاعلام الجماهيرية لدعم حكومة (يلستين) أو حتى من أجل تقويضها. وهو يصف ويصور بدقة وانتقاد مواقف وسلوك هؤلاء الذين كانوا يحركون ويديرون الحرب الإعلامية، ولم يكن مفاجئاً اختتام هذه المرحلة حين وضع (بوتين) حداً لها في عام 2000 اثرعملية انتخابه مباشرة.
(اوستروفسكي) يفصح عن كراهية واضحة نحو (بوتين) ولكن ليس الى درجة مقارنته ب (هتلر) او (ستالين)، انه يستحضر (ستيرلتز) الجاسوس الذي نالت شخصيته شهرة واسعة اثناء عرض المسلسل التلفزيوني الذي يحكي قصته في الحقبة السوفييتية، وهو يشبه في جوانب أساسية شخصية (بوتين) الحالية والذي يحاول (اوستروفسكي) تقديمه للجمهور كشخص متمرس في لعبة الخداع، ويمتلك مقدرة عالية ليعكس في أقواله كل ما يرغب الجمهور في رؤيته وسماعه، ولا غرابة اذن في انه استطاع ان يخدع بنجاح كل هؤلاء الذين كانوا جزءاً من بنية السلطة في الدائرة المحيطة ب(يلستين) قبل التخلص منهم في أقرب فرصة سمحت له بذلك.
ان (بوتين) المهووس بالانطباعات الشخصية، أي تلك التي تتركها صورته الشخصية ومظهره في النفوس، وضع في أولياته منذ البداية السيطرة على المحطة التلفزيونية باعتبارها من أهم وسائط الاعلام في روسيا، ومنذ ذلك الحين انهمك الموالون والمتزلفون في بذل كل الجهود لابتكار حقائق ووقائع بديلة تتماشى مع مصالح النظام.
ان جهود (اوستروفسكي) في تحليل ووصف انحطاط الليبرالية الروسية وبروز الاستبداد (البوتيني) هي محاولة مثمرة تتصف بقابليتها على الاقناع رغم اتساع مجال الحقبة التاريخية التي يتناولها، مما جعلها تخفق أحياناً في الإحاطة بكل تفاصيل المادة التاريخية، فهو بالكاد يذكر دور هيجان التوترات القومية التي سادت داخل الجمهوريات وكيف ساهمت في سقوطه.