on
Archived: مفارقات ثقافية في المجتمع السوري… أغاني الثائر والخائف
نبيل سليمان: الحياة
في الدعوة إلى الوحدة الثقافية المجتمعية في سورية تشتبك الأصوات: الصوت الإسلامي، مثلاً، بالصوت القومي السوري، بالصوت المستقل، بالصوت القومي العربي… حتى ليصح وسم هذه الدعوة بـ «الثقافوية» التي تذهب إلى أن ثقافة المجتمع لا يخترقها الصراع، وهي بالتالي تتجاهل التعددية المجتمعية والثقافية.
في المقابل أجّجت التشظيةُ الاجتماعية أسئلةً جديدةً وموجعةً ومعقدة، سواء أصابت مثقف الأقلية أم مثقف الأكثرية. وهنا أشدد أنني لا أقول: مثقف سني أو مثقف علوي، مثلاً، بل أقول بمثقف من منبت علوي أو من منبت درزي أو من منبت سنّي… إلا لمن يصنف نفسه بوضوح. وفي ما عدا ذلك، لستُ، أولاً، عالماً بما في الصدور، ولستُ، أولاً أيضاً، ممن يأخذون الناس بما وجدوا عليه آباءهم أو أجدادهم.
الثقافة والأقلية
لم يكن للإثنية في الزلزلة السورية منذ 2011 شأن يذكر إلا ما يتصل بالكردية. ومن أسف أن القول هنا يظل ناقصاً ما دام يغيب عنه ما هو مكتوب بالكردية، أو مؤدى بها. أما ما كتبه كتّاب أكراد بالعربية، فأغلبه يتصدر ما في الفسيفساء السورية العتيدة من معارضة ونقدية، مثل كتابات مها حسن وإبراهيم محمود وإبراهيم اليوسف وحليم يوسف.
وبالانتقال، من الثقافوية إلى ثقافة الأقلية، تبدو الهوة كبيرةً بين المثقف المتقوقع في الجحر الأقلّي، وبين المثقف المتمرد على نسبه الأقلي الذي لم يصنعه، بل رفضه، لكن عتلاًّ زنيماً من المعارضات السياسية أو المسلحة يحشره في الجحر الأقلي، ويحكم عيله بمواطنة الدرجة الثانية أو الدنيا، إن لم يحكم عليه بالموت أو التهجير. وفي الهوة بين المتمرد والمتقوقع ينشب سؤال الهوية، وهو السؤال الذي يتشكل من جديد خارج الإهاب الديني، أي في الإهاب الإثني. وفي الحالة الكردية، يشتبك سؤال الهوية أيضاً بالعشائرية والقبلية، وبدرجة أدنى بكثير بالديني، كما في الحالة الإيزيدية. وفي سائر الأحوال، ليس لنا أن ننسى تفريق أحمد أبو زيد بين ما يسميه (الأقليات الوطنية) أي التي تنتمي منذ عصور إلى المجتمع نفسه، كمواطنين أصليين، وإن كانت تنفرد بخصائص لغوية أو دينية… وبين الأقليات الطارئة على المجتمع. وهنا ينبثق السؤال السوري عن الأقلية الأرمنية أو الأقلية الشركسية اللتين لم يمضِ على «سوريّتهما» أكثر من قرن.
ثقافة النزوح واللجوء
ثمة وليد ثقافي أنجبه تهجير ملايين السوريين ونزوحهم داخل البلاد وخارجها. وهذا الوليد يولد في مخيمات النزوح في الداخل وفي مخيمات اللجوء في الخارج، وفي لجّة البحر وعلى المعابر الحدودية وفي العراء. ولئن كانت وسائل التواصل الجماعي هي الفسحة التعبيرية الكبرى لهذا الوليد، ففي جيوب أو حقائب أو أدراج النزوح واللجــوء نصوص تتكاثر. وقد تفضل أصدقاء وصديقات ممن أتواصل معهم ومعهنّ بإطلاعي على ما يكنزون، مما يَعِدُ بتجــربة ثقافية إبداعية جديدة، حيث تبدو الهجرة تعبيراً عن التعددية الثقافية، كما هي مولــدة للعزلة والقلق، نتيجة الاقتلاع وتحطيم الروابط الاجتماعية، وزلزلة الروابط الروحية، ما يزلزل أيضاً الهوية.
وقد عبر عن بعض ذلك الفن الروائي الذي أخذ يشتغل على «التغريبة السورية» كما في رواية «نزوح مريم» لمحمود حسن الجاسم، ورواية «سماء قريبة من بيتنا» لشهلا العجيلي – وهما من الرقة – ورواية «خانات الريح» لسوسن جميل حسن، ورواية «رمش إيل» لفخر الدين فياض.
ثقافة الانحطاط
تميّزت التظاهرات السلمية باعتماد الغناء تعبيراً أكبر، وليس الهتاف فقط. وكما هو مألوف في مثل هذه الحال، يكون المؤلف و/ أو الملحن مجهولاً. وقد تجري الأغنية «الثورية» مجرى أغنية شعبية أو غير شعبية، مبدلةً بالكلمات. وقد يظهر صوت جديد، لا قِبَل له بالغناء من قبل، لكن كمونه الفني تفجر في التظاهرات. ومن أبرز أصوات الفترة المبكرة من الزلزلة السورية: إبراهيم القاشوش الشهير ليس فقط بما غنى، بل باقتلاع حنجرته. ولئن كانت السياسة قد أبهظت الأغنية كما أبهظت الثقافة بعامة في سنوات الزلزلة، فقد تميز آخرون عبر ذلك أيضاً، مثل يحيى حوّا في أغنية «طالع ع الموت يا أمي» وخاطر ضوا في أغنية «بيقربك حمزة» والمقصود الطفل حمزة الخطيب. أما الذروة الغنائية، فلعلها كانت وقفاً على سميح شقير، خصوصاً في أغنيته الشهيرة: «يا حيف آخ ويا حيف» وفي أغنية «رجع الخيّ يا عين لا تدمعيلو».
على النقيض من هذا المستوى الرفيع جاءت الأغنية «الرخيصة» والجنسية، كهذا الذي سجلته بنفسي في 20/7/2011: «حسّسني إني رخيصة واضربني». وجاءت عسكرة الأغنية الموالية والمعارضة، مما يقتضي وقفة أخرى. ذلك أن «حمّى» غنائية قد فشت على إيقاع الزلزال، وتصاعدت مع تصاعده قبل أن تتراجع في السنة الأخيرة على الأقل. وفي هذه الحمّى اشتبكت أصوات ذات تاريخ (وديع الصافي أو رفيق السبيعي مثلاً) مع الـ (فطريات) وما أكثرها، وما أفظعها.
واتسم هذا الطفح الغنائي غالباً جداً بتشابه الألحان، وبتسلقها على إبداعات موسيقية شتّى، وبمحدودية الآلات والأصوات، وبزعيق فرق أماسي المطاعم والأعراس. ومن الأمثلة اللافتة بحمولتها الكيماوية، أغنية وفيق حبيب: «اجرحْ لي قلبي ولاتداوي/ ورشّ عليّي كيماوي»، وهذه الأغنية ذات الحمولة الداعشية وأخواتها، من قطع اليد إلى الرصاص: «بتحدى كل الأعمار/ من السبعة حتى التسعين/ إنْ شافوكي وعقلن ما طار، أنا بقطعْ إيدي اليمين/ إنتِ منّك عادية/ هيك المنطق بيقلّي/ متل الطلقة الروسية/ إذا ما قتلتِ بتشلّي»، عدا عن أغاني العسكرة التي تحرض على التطوع في الجيش. ولم ينجُ هذا الغناء من لوثة الطائفية، وإن يكن منه ما صدح ضدّ الطائفية.
ومن الحمى الغنائية التي فشت على إيقاع الزلزال أيضاً، ما جادت به القريحة المعارضة الرافعة للرايات السود، كهذا الذي دوّى في الرقة: «يا سوريا ويا أحرارْ، غير الدين ما نختارْ/ نبغي الجنة والأنهار، وما لنا غيرك يا الله». أما الصوت الداعشي فقد دوى من حنجرة طفل: «أما تحزنكم صيحات أمٍ/ وأختٍ تستغيث من المرارة؟» وكذلك: «شباب الذل لا يرضى الدنيّة/ جموعٌ بايعوا دولتنا الأبية/ وعبوات بأيديهم ذكية/ ترى الجبناء أعينهم عمّية». ولأن الصوت الداعشي شقّ الفضاء ما بين الرقة السورية والموصل العراقية، فقد ترجّع في الفضاء الصوت العراقي الساخر مرحباً بداعش: «إبليس إجانا وحضرْ/ يلله نتلاقى القمر»، وباسم داعش غنّى المغني: «حرمنا شرب السيجارة/ وهجّرنا كل النصارى/ يا قاطع الراس وينك؟/ حرمنا كل شي إباحي/ إلا جهاد النكاح/ يا قاطع الراس وينك؟».
ثقافة الخوف أم ثقافة الموت أم…؟
في الكثير مما تقدم تقوم عناصر ثقافة الخوف: الخوف من الاعتقال، والسجن، والتعذيب، والملاحقة، والتحقيق، والمداهمة، والمنع من السفر، والنفي، والطرد من الوظيفة، والحرمان من الحقوق المدنية، والقتل، وغير ذلك مما في جعبة الديكتاتورية. وبالإضافة إلى ذلك مما هو احياناً أقسى وأكثر مكراً، ما في جعبة السلطان الاجتماعي الذي قد يكون متجلبباً بالدين أو بالقيم والأخلاق. بل من هذا السلطان ما يتجلبب بجلباب المعارضة، والذي بلغ حد القتل، وأقلّه حد التشهير أو القتل المعنوي والنفسي مما اشتهرت به الشيوعية.
من هذا الجلباب، وخلال سنوات الزلزلة، تكرس نمطان على الأقل، أولهما يشهر ساطور التكفير والتخوين والشريعة، ويقطع الرقاب، بجهارة داعش والنصرة، وبجهارة أخواتهما الموسومتين بالاعتدال من الذين طردوا من جنتهم الروافض والنصارى والعلمانية والديموقراطية وما أدراك، ليشيدوا الخلافة الإسلامية أو الدولة الإسلامية.
والنمط الثاني يشهر ساطور الوطنية والثورة، وينافق في تحالفه مع النمط الأول أو في مواجهته له، كما في تحالفاته الإقليمية والدولية، فإذا بالدعوى الديموقراطية أو العلمانية، إن وجدتا، جراب خاو ومثقوب.
وتعززت ثقافة الخوف في سنوات الزلزلة بالخوف من التهجير، والنزوح، والقوارب، والبراميل المتفجرة، والجزية، والحسبة، والسيارات المفخخة، ومصادرة حرية الاعتقاد والعبادة والتنقل، وبالخوف من الخطف، والفدية، والنهب، والاتجار بالأعضاء البشرية وبالأطفال وبالنساء، سواء في ميادين الصراع أم في مخيمات اللجوء.
ولئن كان لثقافة الموت قبل الزلزال حضور متواضع، فقد تضاعف هذا الحضور بعد الزلزال، بعدما تعددت أشكال الموت وحصد مئات آلاف السوريين. وحسبي الإشارة إلى تناقضات «الشهادة» في ثقافة الموت. فالمعارضات السياسية والمسلحة تسمي من يصرع في المعارك من معسكر النظام: قتلى، وكذلك من يسقط من المدنيين في المناطق الموالية للنظام أو التي هي تحت سيطرته. وهكذا يسمي النظام وحلفاؤه قتلى المعارضات. وكلٌّ يسمي من يسقط منه شهيداً!
ثقافات
بالإضافة إلى ثقافة الخوف وثقافة الموت، ثمة في الفسيفساء الثقافية السورية اليوم ما يمكن وصفه بالثقافة الأمنية، وبثقافة التشبيح، وبالثقافة الإعلامية أو التلفزيونية الديماغوجية، والسطحية، والغوغائية، والتحريضية…. وأغلب وأخطر هذا الذي تضيق به الفسيفساء الثقافية السورية يمكن عنونته بما سماه هايني «الثقافة الأخلاقية»، والتي يعدّد منها: الحرية والعدالة والجمال والحب، أي القيم الأخلاقية التي انهار منها الكثير خلال سنوات الزلزلة، ويتهددها انهيار أكبر وأكبر في الأفق المنظور. وبما أن الصراع في سورية وعليها ينادي سايكس وبيكو من مئة سنة خلت إلى سايكس وبيكو جديدة، أي إلى التقسيم أو الفيديرالية، فقد أخذت الثقافة الانعزالية التقسيمية تفشو في الفسيفساء الاجتماعية الثقافية، ولكن هل يكتمل أو يستقيم حديث الثقافة والمجتمع في غياب المواطنة والديموقراطية عن لوحة معجزة الفسيفساء الثقافية الاجتماعية السورية؟
وإذا كانت الثقافة كالمجتمع سيلاً لا يتوقف من المتغيرات، فهل من حق المرء بعد كل ما تقدم أن ينادي بمتغيرات أخرى وبتغيير آخر، لتعود الفسيفساء الثقافية الاجتماعية السورية فن الإنسانية البديع وإنجازها الحضاري الخالد الأكبر؟
اقرأ:
أغنية يا ابن البلد للفنان سميح شقير بمناسبة الذكرى الخامسة للثورة