on
Archived: 28 معلومة لا تعرفها عن (أسد الصحراء) عمر المختار
أحمد سامي: التقرير
“عندما وقف ليتهيأ للانصراف، كان جبينه وضاء كأنَّ هالة من نور تُحيط به، فارتعش قلبي من جلالة الموقف، أنا الذي خاض المعارك والحروب العالميَّة، والصحراويَّة، ولُقبت بأسد الصحراء، ورُغم هذا فقط كانت شفتاي ترتعشان ولم أستطع أن أنبس بحرفٍ واحد، فانتهت المُقابلة وأمرت بإرجاعه إلى السجن لتقديمه للمُحاكمة في المساء، وعند وقوفه حاول أن يمد يده لمُصافحتي ولكنَّه لم يتمكن لأن يديه كانت مُكبلة بالحديد. لقد خرج من مكتبي كما دخل عليّ وأنا أنظر إليه بكل إعجاب وتقدير”.
كلمات وصف بها رودولفو غراتسياني، المسؤول العسكري الإيطالي الذي قاد القوات الإيطالية في إفريقيا قبل وفي أثناء الحرب العالمية الثانية، في مذكراته، لقاءه مع المناضل الليبي عمر المختار، عقِب وقوعه في الأسر، وقبل إعدامه بيوم، أي في 15 سبتمبر 1931، وقال غراتسياني في مذكراته أيضًا:
“عندما حضر أمام مكتبي تهيَّأ لي أن أرى فيه شخصية آلاف المُرابطين الذين التقيت بهم في أثناء قيامي بالحروب الصحراويَّة. يداه مُكبلتان بالسلاسل، رغم الكسور والجروح التي أُصيب بها في أثناء المعركة، وكان وجهه مضغوطًا لأنه كان مُغطيًا رأسه بالَجَرِدْ ويجرّ نفسه بصعوبة نظرًا لتعبه في أثناء السفر بالبحر، وبالإجمال يُخيل لي أنَّ الذي يقف أمامي رجلٌ ليس كالرجال: له منظره وهيبته رغم أنَّه يشعر بمرارة الأسر، ها هو واقفٌ أمام مكتبي نسأله ويجيب بصوتٍ هادئ وواضح”.
عمر المختار.. شيخ المجاهدين وأسد الصحراء، كما أطلق عليه العرب، هو مُقاوم ليبي حارب قوات الغزو الإيطالية منذ دخولها أرض ليبيا حتى عام 1911، حارب الإيطاليين وهو يبلغ من العمر 53 عامًا لأكثر من 20 عامًا في عدد كبير من المعارك، إلى أن قُبض عليه من قِبل الجنود الإيطاليين.
أسد الصحراء
(1) عُمر بن مختار بن عُمر المنفي الهلالي ولد في 20 أغسطس 1858.
(2) وُلد عمر المختار في البطنان ببرقة في الجبل الأخضر، وكفله أبوه وعني بتربيته تربيةً إسلاميَّة حميدة مستمدة من تعاليم الحركة السنوسية القائمة على القرآن والسنَّة النبويَّة.
(3) ولم يُعايش عمر المختار والده طويلًا، إذ حدث أن توفي والده وهو في طريقه إلى مدينة مكَّة لأداء فريضة الحج، فعهد وهو في حالة المرض إلى رفيقه أحمد الغرياني “شقيق شيخ زاوية جنزور” بأن يُبلّغ شقيقه بأنَّه عهد إليه بتربية ولديه عمر ومحمد.
(4) ألحق الصبي اليتيم بالمعهد الجغبوبي، ومكث فيه ثمانية أعوام ينهل من العلوم الشرعية المتنوعة كالفقه والحديث والتفسير في الزوايا السنوسية.
(5) انضم كعادة أهل ليبيا إلى الحركة السنوسية -حركة صوفية حركية شديدة الشبه بالدعوى السلفية للشيخ محمد بن عبد الوهاب-، ولمح فيه زعيم الحركة محمد المهدي الإدريسي نبوغًا وتقدمًا.
(6) اشتهر بالجدية والحزم والاستقامة والصبر، ولفتت شمائله أنظار أساتذته وزملائه وهو لم يزل يافعًا، فجعله شيخًا على زاوية القصور بالجبل الأخضر قرب المرج.
(7) اصطحبه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، معه في رحلته إلى السودان وهناك سلّمه مشيخة زاوية «كلك» حتى عاد إلى برقة مرة أخرى.
(8) وأصبح “المجاهد العربي” على إلمام واسع بشؤون البيئة التي تحيط به وعلى جانب كبير في الإدراك بأحوال الوسط الذي يعيش فيه، وعلى معرفة واسعة بالأحداث القبلية وتاريخ وقائعها وتوسع في معرفة الأنساب والارتباطات التي تصل هذه القبائل بعضها ببعض، وبتقاليدها، وعاداتها، ومواقعها.
(9) وتعلم من بيئته التي نشأ فيها وسائل فض الخصومات البدوية وما يتطلبه الموقف من آراء ونظريات، كما أنه أصبح خبيرًا بمسالك الصحراء وبالطرق التي كان يجتازها من برقة إلى مصر والسودان في الخارج وإلى الجغبوب والكفرة من الداخل.
(10) كان عمر المختار شديد الولاء للسنوسية وشيوخها ومخلصًا لهم، ويظهر ذلك في عددٍ من المواقف، حدث في شهر مارس عام 1923 أن سافر إدريس السنوسي إلى مصر، وبعده بفترةٍ جاء عمر المختار، فدعاه بعض أفراد قبيلته – قبيلة المنفة – لمقابلته هناك، لكن قبل أن يقبل الدعوة سأل عمَّا إذا كانوا قد دعوا معلّمه وشيخه إدريس عندما جاء إلى مصر المرة الماضية، ولمَّا علم أنهم لم يفعلوا رفض الدعوة، قائلًا: “وكيف تظهرون لي العناية وتحضرون لمقابلتي وأنتم الذين تركتم شيخي الذي هو وليُّ نعمتي وسبب خيري، أما وقد فعلتم ذلك فإني لا أسمح لكم بمقابلتي ولا علاقة من الآن بيني وبينكم”، إلا أنَّ إدريس عندما علم بالأمر أرسل له يأمره بعدم الوقوف عند ذلك ومقابلتهم، فأطاعه عمر المختار.
(11) عيَّنه المهدي السنوسي في سنة 1897 شيخًا لبلدة تسمى زاوية القصور تقع بمنطقة الجبل الأخضر شمال شرق برقة، والتي تقع قريبًا من مدينة المرج، وأحسن عمر المختار الأداء في هذا المنصب، رغم أن البلدة التي كُلِّف بإدارتها كانت تقطنها قبيلة العبيد التي اشتهرت بشدة البأس وصعوبة الانقياد، وأدَّت علاقته الوثيقة بالسنوسيّين إلى اكتسابه لقب سيدي عمر الذي لم يكن يحظى به إلا شيوخ السنوسية المعروفين.
(12) عندما بدأ الاستعمار الفرنسي لتشاد في عام 1900 واجه الفرنسيون الحركة السنوسية بالعداء وأخذوا يحاربونها، فجيَّشت الحركة نفسها ضد الفرنسيين بدورها، وكان عمر المختار ممَّن اختيروا لقيادة كتائب الحركة ضدَّهم.
(13) شارك خلال ذلك بالدَّعوة في تشاد، وخلال قتاله في تشاد أصيبت إبل المقاتلين الأربعة آلاف بداء الجرب، ووُكِّل هو بعلاجهم، فأمر بأخذهم إلى عين كلك لأن مائها جيّد، فتعافت الإبل.
(14) توفي محمد المهدي السنوسي في عام 1902 الموافق 1321 هـ، واستدعت القيادة السنوسية المختار على إثر ذلك للعودة إلى برقة، وقيل في عام 1906.
(15) هناك عُيِّن مجددًا وللمرة الثانية شيخًا لبلدة زاوية القصور، وأحسن إدارتها حتى أنَّ العثمانيين هنَّؤوه على تمكِّنه من جلب الهدوء والاستقرار إليها بعد أن أعياهم ذلك.
(16) ظلَّ عمر المختار في هذا المنصب مدَّة ثماني سنوات، حتى عام 1911، وقاتل خلال هذه الفترة جيوش الانتداب البريطاني على الحدود المصرية الليبية، في مناطق البردية والسلوم ومساعد، خصوصًا معركة السلوم في عام 1908 التي انتهت بوقوع بلدة السلوم في أيدي البريطانيّين.
(17) في عام 1911، أعلنت إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية، وبدأت في إنزال قواتها بمدينة بنغازي الساحلية شمال برقة، وفي تلك الأثناء كان عمر المختار في مدينة الكفرة بقلب الصحراء في زيارة إلى السنوسيين، وعندما كان عائدًا من هناك مرَّ بطريقه بواحة جالو، وعلم وهو فيها بخبر نزول الإيطاليين.
(18) عاد “المختار” إلى زاوية القصور لتجنيد أهلها من قبيلة العبيد لمقاومة الإيطاليّين، ونجح بجمع ألف مقاتل معه.
(19) في بداية الأمر أسَّس عمر المختار معسكرًا خاصًا له في منطقة الخروبة، ثم انتقل منها إلى الرجمة، حيث التحق بالجيش العثماني.
(20) وأخيرًا إلى بنينة جنوب مدينة بنغازي وهناك انضمُّوا إليه الكثير من المقاتلين الآخرين، وأصبح المعسكر قاعدةً رئيسية لهم يخرجون منها ويغيرون باستمرارٍ على القوات الإيطالية.
(21) شهدت صحراء ليبيا المعارك التي خاضها عمر المختار وسطر عليها بدماء الشهداء أروع آيات العزة والجهاد، وكبد المجاهدون المحتلين خسائر لا تحصى في الأرواح والعتاد، وثبتوا أمام عدوهم مع أنهم لا يمتلكون سلاحًا كما يملك عدوهم من السلاح.
(22) لم يتسن لأسد الصحراء أن يتخرج من كلية حربية أوعسكرية ولم يتلق مهارته الحربية من جيش، إنما تربى عمر المختار في ساحات المعارك والجهاد، فحارب عمر المختار الطائرة بسيفه حتى امتلك الخوف قلوبهم بمجرد سماع اسم عمر المختار.
(23) في شهر أكتوبر سنة 1930، تمكن الإيطاليون من الاشتباك مع المجاهدين في معركة كبيرة عثر عقب انتهائها على نظّارات عمر المختار.
(24) كما عثروا على جواده المعروف مجندلًا في ميدان المعركة، فثبت لهم أن المختار ما زال على قيد الحياة، وأصدر قائد الجيش الإيطالي ووزير المستعمرات في إفريقيا، رودولفو غراتسياني، منشورًا ضمنه هذا الحادث حاول فيه أن يقضي على “أسطورة المختار الذي لايقهر أبدًا” وقال متوعدًا: “لقد أخذنا اليوم نظارات المختار وغدًا نأتي برأسه”.
(25) في عام 1931، تمكنت القوات الإيطالية من خلال وحداتها الاستطلاعية، من القبض على عمر المختار، في أثناء توجَّهه بصحبة عدد صغير من رفاقه، لزيارة ضريح الصحابي رويفع بن ثابت بمدينة البيضاء، ولم يصدق غراتسياني الذي كان متجهًا إلى باريس الخبر في البداية، وقرر أن ينزل من قطاره ليعود مسرعًا إلى بنغازي.
(26) أصر الإيطاليون على محاكمة المجاهد الليبي محاكمة فوريَّة، بإعدامه بصورة صاخبة ومُثيرة كما جاء في برقيَّة دي بونو، وزير المستعمرات إلى بادوليو حاكم ليبيا، لكن ما فاجأهم كان هدوء الأسير وصراحته المُذهلة في الرد على أسئلة المُحققين، بثباتٍ تام ودون مراوغة، إذ قال لهم: “نعم قاتلت ضد الحكومة الإيطاليَّة، لم أستسلم قط، لم تخطر ببالي قط فكرة الهرب عبر الحدود، منذ عشر سنوات تقريبًا وأنا رئيس المحافظية”.
(27) وأجريت له محاكمة صوريّة انتهت بإصدار حكم بإعدامه شنقًا، فنُفذت فيه العقوبة على الرغم من أنه كان كبيرًا عليلًا، بلغ في حينها 73 عامًا يعانى من الحمّى.
(28) كان الهدف من إعدامه إضعاف الروح المعنويَّة للمقاومين الليبيين، والقضاء على الحركات المناهضة للحكم الإيطالي، لكن النتيجة جاءت عكسيَّة، فقد ارتفعت حدَّة الثورات، وانتهى الأمر بأن طُرد الإيطاليون من البلاد.
ليبيا بعد إعدام المختار
حاولت إيطاليا الاستفادة من مقتل عمر المختار، فعملت على استمالة المجاهدين إليها وإقناعهم أنَّ المقاومة لا فائدة تُرجى منها بعد أن سقط الرأس المُدبّر، لكن المجاهدين أبوا واجتمعوا وانتخبوا الشيخ يوسف بورحيل المسماري قائدًا للجهاد الإسلامي ووكيلًا عامًا للجهاد، وعلى إثر هذا التنصيب كلَّف الشيخ عبدالحميد العبَّار بالرحيل نحو شرق البلاد للقيام بحث الناس على الانخراط في جيش المجاهدين، وحمل السلاح لمكافحة الجيوش والجهاد في سبيل العقيدة الإسلامية والدين.
ولم يكن لمقتل المختار الأثر الذي توقعه الإيطاليون، فلم يخف عزمهم أو يتلاشى، بل ازدادوا تصميمًا على القتال وتحرير البلاد من المحتل الأجنبي، فواصلت الحكومة الإيطالية حملات الانتقام ضدهم، حتى كانت الموقعة الحاسمة عند الحدود المصريَّة قرب الأسلاك الشائكة، فاجتاز الأسلاك بعض المجاهدين وقتل منهم عدد وأُسر عدد آخر، ولم يبق إلّا الشيوخ القادة الأربعة، وهم: عبدالحميد العبَّار ويوسف بورحيل وعصمان الشامي وحمد بوخير الله.
فقُتل الأخير ويوسف بورحيل وجُرح عصمان الشامي فأخذ أسيرًا، وأما عبد الحميد العبَّار فاستطاع أن يجتاز الأسلاك الشائكة بجواده نحو مصر، وبهذه النهاية انكسرت شوكة المجاهدين وتعثرت خطواتهم وأخمدت حركة الجهاد في ليبيا، واستتب الأمر لإيطاليا حتى حين، فعملت على خلق هويَّة جديدة للبلاد وحاربت الإسلام بعدة وسائل طيلة 11 عامًا، لكنها سرعان ما انشغلت بنشوب الحرب العالمية الثانية، التي خرجت منها خاسرة بعد بضع سنوات، وانسحبت كليًّا من ليبيا بتاريخ 7 أبريل عام 1943.
اقرا:
شخصيات ثقافية وفنية عالمية تدعم نيل «القبعات البيض» جائزة نوبل