Archived: هافينغتون بوست: حسابات الصراع في الشرق الأوسط

هافينغتون بوست: ترجمة صحيفة التقرير

يتوجه قادة العالم إلى نيويورك هذا الأسبوع لحضور الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ومازال لا يوجد نهاية لتلك الصورة المؤلمة للمدن التي مزقتها الحرب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهجرة أعداد كبيرة من الناس الذين يبحثون عن ملاذ وفرص لكسب العيش.

يذكر أنه داخل المنطقة، تم تشريد أكثر من 20 مليون شخص و10 مليون آخرين من اللاجئين، وهذا المعدل لم يسبق له مثيل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كما أن التكلفة الإنسانية التي سببتها تلك الصراعات يصعب فهمها.

وكذلك العواقب الاقتصادية أيضًا كبيرة؛ فقد تم تدمير جزء كبير من رأس المال الإنتاجي في مناطق الصراع، وخسائر بالثروة والدخل الشخصي الهائل، وتدهور لرأس المال البشري وانعدام لفرص العمل والتعليم.

يذكر أنه سيتم دعوة صندوق المنظمة بجانب المجتمع الدولي من أجل إعادة بناء الاقتصاد بمجرد انتهاء الصراعات؛ لذا سيتم البحث بعمق في أكثر التحديات الاقتصادية التي نجمت عن تلك الصراعات، وكذلك الخيارات المتاحة أمام صناع السياسة لإدارة مرحلة ما بعد الصراع.

دعونا نسلط الضوء على ثلاثة من النتائج الرئيسية التي تم نشرها في ورقة موظفي صندوق النقد الدولي.

أولًا: التكاليف الاقتصادية للصراعات هائلة

بالإضافة إلى الخسائر المأساوية في الأرواح والدمار المادي، فالحروب والصراعات الداخلية في دول مثل العراق وليبيا وسوريا واليمن قد أدت بالفعل إلى تفاقم المستويات المرتفعة للفكر والبطالة، وأدت إلى دفع الدول إلى المزيد من الضعف ومحو مكاسب التنمية السابقة للجيل كله، وعلى سبيل المثال، وصلت معدلات التسرب من المدارس في سوريا إلى 52% في عام 2013، وانخفض متوسط العمر المتوقع إلى 56 عامًا بعد أن كان 76 قبل الحرب.

وأدت أيضًا الصراعات إلى ارتفاع معدل التضخم وضعف الأوضاع المالية والمادية، كما تسببت في ركود عميق ودمار للمؤسسات، وعلى سبيل المثال، بعد أربع سنوات من القتال العنيف، يقدر إنتاج سوريا الآن بنحو أقل من نصف مستواه في عام 2010، قبل اندلاع الصراع، في حين ارتفع معدل التضخم بنحو 300 نقطة مئوية في مايو 2015، وهو أحدث شهر توفرت به البيانات.

يذكر أيضًا أن اليمن فقدن ما يقدر بنحو 25-35 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2015 وحده، وتعد تلك الأرقام صاعقة، إذ أن الصراعات تركت آثارًا عميقة على الاقتصاد، وهناك تقديرات بأنه حتى مع معدل النمو السنوي المرتفع نسبيًا والمقدر بنحو 4,5%، فسيستغرق الأمر من سوريا أكثر من 20 عامًا فقط كي يرتد المعدل إلى مستوى إجمالي الناتج المحلي قبل اندلاع الصراع في عام 2010.

ومع ذلك، فتأثر تلك الصراعات لا يقتصر على الحدود الوطنية، حيث أن هناك أيضًا أثار غير مباشرة قوية على الدول المجاورة، مثل الأردن ولبنان وتونس وتركيا وما بعدهم، وبدرجات متفاوتة، تتعرض تلك الدول لتحديات تتمثل في استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين وضعف في الصفة والأمن وتراجع في مدى التماسك الاجتماعي، وكل هذا يؤثر على نوعية المؤسسات وقدرتها على إرجاء الإصلاحات الاقتصادية التي تشتد الحاجة إليها.

والنتيجة الرئيسية الثانية هي أن السياسات المناسبة يمكنها أن تحد من التأثير المباشر للصراعات، وهذا يعني:

* حماية المؤسسات الاقتصادية، وقد أثبتت التجربة أن الحفاظ على المؤسسات الحكومية الأساسية التي تعمل في أوقات الصراع مثل الوكلاء الماليين والبنوك المركزية، تعد مفتاح الحفاظ على الخدمات المنقذة لحياة الشعوب، وتوفر هذه المؤسسات الأجور والرواتب والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات.

* تحديد أولويات الإنفاق، وترتبط الصراعات بالضغوط المالية الأكبر، والإنفاق على الأمن والجيش يزداد كما تنخفض الإيرادات الحكومية، وفي مثل هذه البيئة، يعد تحديد أولويات الإنفاق أمرًا بالغ الأهمية وذلك لضمان أن الخدمات الأساسية، والتي تشمل المأوى، يتم الحفاظ عليها من أجل حماية الفئات الأكثر ضعفًا.

* ضمان استقرار الاقتصاد الكلي، إذ أن الاختلالات المالية والخارجية تزداد خلال الصراعات، والبنوك المركزية تميل إلى القياد بدور أكبر في تمويل الحكومات وتيسير الأنشطة الاقتصادية كما حدث في اليمن وليبيا، والارتفاع الناتج في معدلات التضخم وفقدان احتياطيات العملة قد يتطلب استخدام وسائل غير تقليدية وتدابير إدارية للحفاظ على درجة معينة من السيطرة على الاقتصاد الكلي.

ثالثًا: الشركاء الخارجيين، بما فيهم صندوق النقد الدولي، جميعهم لهم دور ليلعبوه في مساعدة البلدان على مواجهة والتغلب في النهاية على الصراع

والأولوية في البداية وقبل كل شيء هي لتخفيف المعاناة الإنسانية وتلبية الاحتياجات العاجلة للمتضررين من الصراعات.

وجدير بالذكر أن صندوق النقد الدولي كان شريكًا هامًا في تلك الجهود المبذولة، وعلى سبيل المثال، كان ذلك من خلال استيعاب اللاجئين أو النفقات الخاصة بالأمن في البرامج المتعلقة بالعراق والأردن وتونس، وكذلك من خلال أنشطة سياسات تقديم المشورة وبناء القدرات في جميع أنحاء المنطقة.

ويأمل الجميع أيضًا في تحفيز منح دعم إضافي للبلدان المستضيفة للاجئين، وفي مؤتمر لندن لدعم سوريا والمنطقة في فبراير، التزمت الجهات المانحة بتمويل الأنشطة الإنسانية والإنمائية بقيمة تصل إلى 5,9 مليار دولار و5,5 مليار دولار لأعوام 2016 و2017-2020، على التوالي، وحتى إذا تم الوفاء بجميع تلك التعهدات، فلن تكون كفاية بالنظر لحجم الأزمة، وعلى ذلك، فأي تمويل يجب أن يأتي من خلال المنح والقروض الميسرة لتخفيف العبء المالي على البلدان المتلقية.

وعلى المدى الطويل، فالأولوية تكون لتوفير مساعدات التنمية واسعة النطاق وذلك للمساعدة في إعادة بناء البنية التحتية والمؤسسات، وعلى نطاق واسع، لتعزيز القدرات الاقتصادية والاجتماعية في جميع أنحاء المنطقة، وهنا أيضًا، صندوق النقد الدولي على استعداد للمساعدة بمجموعة من أدوات الاقتصاد الكلي والخبرة المكتسبة منذ سنوات عديدة من العمل في مناطق ما بعد الصراع في جميع أنحاء العالم.

وعلى المجتمع الدولي مسؤولية كبيرة لمساعدة دول المنطقة على التغلب على هذا الوضع، وعلى الجميع الاستعداد للقيام بدورهم.

اقرا:

هافينغتون بوست :دعاية بوتين في مكافحة الإرهاب تتعرّض لصفعة كبيرة