Archived: حمزة رستناوي: أسطورة ..الاسلام الشامي المعتدل !

حمزة رستناوي: موقع جيرون

يشكّل ما يُسمّى بالإسلام الشامي أو السوري المعتدل أحد تعبيرات  ما سوف نسمّيه ” أسطورة الغريب النجس” فلسان حال السوريين المؤيدين لهذا الاسلام يقول:”  لقد جاء بلاء التكفير و التشدد الديني إلينا من الخارج من السعودية و أفغانستان  , الاسلام السوري معتدل و حضاري وما يجري  هو تلويث لهذا الاسلام و تشويهه بالفكر الوهابي البدوي المتخلف المعادي للتعايش و التشيع! , أو هو تلويث بالفكر الإخواني العنفي  السياسي القادم من مصر” و قبل أن نعرض لنماذج من هذا الخطاب و قبل أن نقدّم نقدا مختصرا لهذه المقولة , فمن الضروري عدم انكار التأثير السلبي للفكر الوهابي المنتشر في الخليج على المسلمين السوريين,  ولكن لنتذكر أنّ هذا التأثير السلبي  وثيق الصلة بضعف و هشاشية الهوية الوطنية السورية , هويّة تفاقم ضعفها بمفاعيل و سياسات السلطة الاستبدادية الشمولية  و توظيفها للحالة الطائفية بما يخدم استمراريّتها. و لنتذكر كذلك إنّ الممثلين الأبرز”  للإسلام الشامي المعتدل” كالشيخ محمد سعيد رمضان البوطي و الشيخ أحمد الحسون و المفتي أحمد كفتارو الشيخ محمد صهيب الشامي و الشيخ محمود عكام  و رموز مشايخ الطرق الصوفية و غيرهم كانوا مُنتفعين و يدورون في فلك السلطة السورية الاستبدادية طيلة عقود خلتْ, وقد كانوا ممثلين مخلصين للإسلام الرسمي.

و لنتذكّر أيضا أن مصطلح “الاسلام الشامي المعتدل” غير مُحدَّد بدقة , و أن “الاسلام الشامي المعتدل”  يختلف عن “الاسلام السلفي الوهابي”  بالدرجة فقط و هو  ليس بالإسلام المستنير! وهو ليس بعيدا عن ” الإسلام السلفي الوهابي”  أو ” الاسلام الإخواني العنفي”  , فالإسلام الشامي المعتدل  على سبيل المثال لا الحصر يساوي العلمانية بالكفر أو شُبهة الكفر مثلا ! و يدعو الى إقامة ” الشريعة الاسلامية وتطبيق حدودها ” على لسان الشيخ البوطي أحد أكبر ممثّلي  الاسلام الشامي, و الذي نشر كتيّبا  بعنوان ” مجمل الشبهات التي تثار حول تطبيق الشريعة الاسلامية في العصر الحديث [1] و لا ننسى بأنّ ” الاسلام الشامي المعتدل ” يشترك مع ” الاسلام السلفي الوهابي”  و “الاسلام الإخواني العنفي” بتهمّش القدرة التميزية للعقل , لصالح فهم بياني أشعري , أو فهم عرفاني طقوسي لمرجعيّة النصوص القرآنية و نصوص الأحاديث  النبوية المنسوبة , و لا ننسى بأن كتابي  صحيح البخاري و صحيح مسلم يشكلان مرجعية عليا مقدّسة  للأحاديث النبوية المعتمدة  عند ” الاسلام السلفي الوهابي” و ” الاسلام الشامي المعتدل”  , لنلاحظ أنّ كلا الاسلامين لا يعترض على ما يُسمّى بحدّ  الردة و قتل المرتدّ! و هما ضدّ المساواة في الارث بين الرجل و المرأة  ,و هما ضد زواج المسلمة من المسيحي  و اللا-ديني , و ضد مساواة المرأة و الرجل في الشهادة القضائية , و كلاهما أيضا ضد دخول المرأة في سلك القضاء مثلا! و لنتذكر أيضا أن النقاب- و ليس الحجاب – كان منتشرا في بعض المجتمعات السنّية في مدن دمشق و حلب و حماة و معرة النعمان  ..من قبل أن يسمع السوريون بابن لادن و الوهابية. و لنتذكّر أيضا أن حركة التمرد المسلحة من قبل الاخوان المسلمين  في بداية الثمانيات كانت تحظى بتعاطف في المجتمعات السنية  آنذاك و لأسباب مختلفة.

كتب الصحفي نبيل صالح مجموعة مقالات على سبعة حلقات في موقعه “الجمل بما حمل” بعنوان : الوهابية السعوديّة والإسلام الشامي، مستعرضاً الصراع التاريخي بينهما, ورد فيها ” منذ عام 1804 إلى اليوم, و مقاتلو الوهابية السعودية يهاجمون دمشق ويحاولون استبدال إسلامها المعتدل بوهابيتهم المتطرفة,  مستخدمين كل الوسائل العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. وقد لاقوا في الأرياف والأحياء الأكثر فقراً وتعصباً تربة خصبة لمذهبهم، فراحوا ينشرون عقيدتهم فيها ، وليس أمام القارئ سوى العودة إلى مرشدنا (غوغل) ليتابع ما نشر عن الوهابية السعودية ليتأكد من أنها أسلمة دخيلة على الإسلام، لا ترقى إلى مستوى ما جاء به فقهاء المذاهب الإسلامية، غير أنها باتت اليوم تشكل خطراً على الأكثرية الإسلامية أكثر من الأقليات[2] انتهى الاقتباس.

إذا كانت الوهابية دخيلة على الاسلام فماذا تكون إذن؟! هل هي من مذاهب  المسيحة  أو اليهودية مثلا!!  الوهابيون يرفضون تسميتهم بالوهابية , يقلّدون ابن تيمية و أحمد بن حنبل أحد مؤسسي أهم المذاهب الرسمية للمسلمين السنة, الوهابية هي فهم سلفي للإسلام يعتمد التفسير شبه الحرفي للقرآن الكريم  و الأحاديث النبوية, و الاتجاهات السلفية في الاسلام ليست حكرا على الجزيرة العربية بل هي موجودة و حاضرة في بلاد الشام ممثلة بناصر الدين الألباني و علي الطنطاوي مثلا,  و نجد ما يعادل الوهابية في كل العقائد الدينية و غير الدينية, فهناك سلفية يهودية و سلفية مسيحية و حتى سلفية ماركسية!  إنّ الإسلام يتشكّل في أشكال و صيغ متعددة متفاوتة الصلاحية و الحيوية  ..و الوهابية هي  أحد الأشكال الأقل حيوية  و الأكثر قصورا في الاسلام, فهي من داخل الاسلام و ليست  بدخيلة عليه, و بالمقابل لا يمكن اختزال الاسلام بالوهابية أو غيرها من الفهوم الممكنة  .  إن الاسلام كأي عقيدة دينية أخرى يشكل أحد أبعاد الكينونة الاجتماعية , و لا يمكن النظر الى اسلام الفرد أو المجتمع بمعزل عن تأثير بقية أبعاد الكينونة الاجتماعية على البعد العقائدي الديني, فمثلا إسلام المدينة غير اسلام الريف غير اسلام البداوة و الصحراء, و اسلام المجتمعات الغنية غير اسلام المجتمعات الفقيرة المُهمشة, و اسلام السلطة الحاكمة غير اسلام المعارضة , و اسلام العصر النبوي غير اسلام العصر المملوكي غير اسلام القرن الواحد و العشرين , و اسلام المجتمعات العربية غير اسلام المجتمع الباكستاني, و هلم جرة! و انطلاقا من ذلك سيبدو لنا الاسلام بمقدار كونه فاعل في ثقافة المجتمع , هو أيضا منفعل بهذه الثقافة و الأبعاد المختلفة للكينونة الاجتماعية, و لا يمكن الحديث عن فهم ثابت جوهراني للإسلام بأل التعريف, بل هناك إسلامات وفقا لصيرورة حركية احتمالية نسبية , مؤثرة و متأثرة بمحيطها و مجالها الحيوي.

إن مقولة الاسلام الشامي المعتدل  لم تكن بعيدة عن الاستخدام السياسي من قبل السلالة الأسدية الحاكمة في سوريا , حيث عمد الاسد الابن منذ بدأ الثورة/ الحرب  السورية إلى استمالة رجال الدين السنّة و رموزهم و تعزيز فكرة الاسلام الشامي المعتدل الاصيل, في مواجهة الاسلام السلفي الوهابي الغريب الدخيل, وكذلك فعل الأسد الأب عندما تعرّض حكمه لتمرد الاخوان المسلمين  في بداية الثمانينات حيث سعى الى استمالة رجال الدين السنة لتعزيز فكرة الاسلام الشامي المعتدل الاصيل في مواجهة الاسلام الإخواني العنفي المتطرف القادم من مصر و المدعوم من قبل  أعدائه الإقليميين, و هكذا يظهر الاشتغال على  مقولة الاسلام الشامي المعتدل كنوع من التوازن السياسي الاقليمي في مواجهة مزدوجة مع  رمزية الأزهر في مصر, و رمزية الحرمين و مشايخ كبار العلماء في السعودية! مع التذكير بكون الإسلامات الثلاثة السابقة تفتقد بشدّة لمعايير التنوير و الحيوية الاسلامية , فهي لا تعدو أن تكون إسلامات رسمية قريبة الصلة بالسلطات السياسية القائمة. إنّ مؤيدي نظرية الاسلام الشامي المعتدل  هم مزيج من مسلمين مؤمنين ألفوا نمط العيش في المجتمعات الشامية, و كذلك مثقفين غير مؤمنين بالعقيدة الاسلامية . .و لكنهم يرون في الاسلام الشامي المعتدل إحدى ركائز الهوية السورية عبر فهم اختزالي تبسيطي غالبا , هويّة  يتم حاليا الاشتغال عليها و الترويج لها منزوعة من بعدها العربي  الاسلامي , نكاية بانتشار الاسلام السلفي الجهادي في  المجتمعات السنية الثائرة على السلطة الاسدية.

هوامش المقال:

[1] مجمل الشبهات التي تثار حول تطبيق الشريعة الاسلامية في العصر الحديث , محمد سعيد رمضان البوطي, المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب, الكويت,ط1,  2002

[2] الوهابية السعودية و الاسلام الشامي (1 ),نبيل صالح, موقع الجمل , تاريخ 6-3-2012, الرابط: http://www.aljaml.com

اقرأ:

حمزة رستناوي: هل الاعلان العالمي لحقوق الانسان يحرّض على الرذيلة!