Archived: وائل عصام: (النصرة) تتعثر في سياسة (صفر) مشاكل

وائل عصام:  القدس العربي

 ظن قادة «النصرة» أنهم بتقربهم من فصائل «معتدلة» سيفوتون الفرصة على قوى التحالف الدولي بضرب التنظيم، وأن تغيير الاسم والعنوان لتنظيم جهادي وإعلانه الانفكاك عن «القاعدة» سيخفف من عداء الغرب لهم، وهي اجتهادات لا تصدر إلا عن مبتدئين محدودي التجربة لم يتعظوا من فصول نزاعات المنطقة .

ولعل هدف إرضاء القوى الدولية، الذي يشغل بال الكثير من فصائل المعارضة السورية وكذلك بعض الإسلاميين، ما زال يحرف البوصلة عن الطرف الأكثر خطرا وهو النظام السوري وحلفه روسيا وإيران. فالقوة العسكرية الأساسية التي تجابهها القوى المسلحة و«النصرة» منذ خمس سنوات هي جيش النظام وحلفاؤه من الميليشيات وليس الولايات المتحدة، والقوة النارية التي تدمر مناطق تلك الفصائل وتستهدفها يوميا هي جيش النظام وروسيا، وهذا الطرف يساوي في عدائه للفصيل الجهادي وفصيل الجيش الحر ما دام يتحدى سيطرة النظام وقواته على أي بقعة في الأراضي السورية، خصوصا المناطق الاكثر حيوية وقربا من مراكز المدن، لذلك فإن الالتفات بعيدا نحو الاهتمام بالدور الامريكي المحدود في سوريا ليس إلا عدوى انتقلت لـ«النصرة» من بعض الفصائل «المعتدلة»، التي ما تزال تعول على دور غربي لدعمها، وعلى دور للأنظمة العربية وتركيا بمساندة أكثر فعالية ضد النظام وحلفه، وهو ما لم ولن يحدث.

بلا شك، أن «النصرة» لا تريد الارتباط بغرف التسليح والدعم الحكومية المرتبطة بالولايات المتحدة، ولا تهدف لتلقي الدعم منها، كما تفعل باقي فصائل الجيش الحر والفصائل الإسلامية المعتدلة، لكنها كانت تهدف كما تظن، إلى اخراج نفسها من دائرة الاستهداف الدولي كمنظمة إرهابية جهادية وفق التعريف الغربي والحكومي العربي. والحقيقة ان الغرب والولايات المتحدة، لا يهمهما حتى ان تكون سلفيا، أو حتى شيوعيا، بل أن ما يهمهما هو قدرتك على تحدي ضوابط القوى الدولية في المنطقة، ومدى قدرتك على تشكيل خطر على حلفائه ووكلائه في المنطقة، والمفارقة أنه لن تكون أي قوة سنية قادرة على مواجهة اعدائها ما دامت خاضعة للضوابط الدولية في المنطقة التي تساند نظام بغداد والأكراد وإسرائيل، وحديثا باتت تفضل بقاء نظام الاسد امام البدائل الاخرى، وهذا ما قاله ممثلو غرف الموك والتنسيق والدعم بشكل حرفي منذ عامين للفصائل التي كانوا يدعمونها في سوريا، «لا نريد إسقاط الأسد ولن ندعمكم في قتال النظام، بل في قتال داعش فقط»، وهذا يعني أن الاصطدام بالقوى الدولية أمر لا مفر منه لكل قوة سنية تريد مواجهة أعدائها المباشرين، النظام السوري وحكومة بغداد وميليشياتها المؤازرة للنظام السوري، بل حتى القوى الكردية المسلحة، التي لم تتمكن حتى تركيا للان من مهاجمة مناطقها، بل هاجمت مناطق تنظيم «الدولة» لتمنعها من التقدم نحوها، أي ان تركيا نفسها دفعت ثمنا غاليا بالالتزام بأحد الضوابط الامريكية في حدودها الجنوبية، والنتيجة سيطرة واسعة لميليشيات الأكراد على معظم مناطق الحدود السورية الشمالية المحاذية لتركيا. وبالمقابل فإن أهم عوامل قوة وصلابة الحلف الايراني هو أنه قام منذ البداية على التصرف بدون الرجوع للقوى الدولية، بل تحداها في بعض الاحيان، إلى ان اضطرت القوى الغربية للتعامل مع ايران التي فرضت نفسها كلاعب وحيد من خلال حلفائها في المنطقة، بل ان ايران خلخلت الدور الامريكي الضعيف اصلا  بمنح روسيا مجالا اكثر للتدخل، وفق أهداف نظام طهران بضرب اعداء النظام السوري.  «النصرة» تعرف جيدا حجم النفوذ الامريكي المحدود والفصائل الضعيفة الموالية لغرف التسليح والتنسيق، فهي التي هاجمت فصيل جمال معروف وأخرجته من ادلب خلال ساعات قليلة، وهي التي اعتقلت وقتلت العشرات من عناصر فرق الجيش الحر الموالين للولايات المتحدة، ولكنها مع ذلك تتعاون مع بعض هذه الفصائل في ترتيبات مؤقتة، رغبة منها في إبعاد العداء الدولي والرسمي العربي عنها، وهي تقاتل وتنسق معهم في محافظات أخرى كدرعا وريف حمص ضد تنظيم «الدولة»، تنظيمها الأم.  صحيح أن «النصرة» استفادت من «جمركة» نسبة لا بأس فيها من معظم السلاح الذي تدفق على فصائل الجيش الحر من داعميه في السنوات الاخيرة، لكن الصحيح ايضا أن معظم الاغتيالات التي وقعت بحق قادتها كانت بسبب هذا العلاقات مع فصائل مرتبطة علنا بالمخابرات الأمريكية، وصحيح أن «النصرة» استفادت إعلاميا من «الاحتفالات» والدعم الكبير من الرأي العام للمعارك التي كانت تقودها، وآخرها جنوب حلب بعد ان شاركت ولو شكليا عددا من الفصائل المقربة من الحكومات العربية و«الاسلاميين المعتدلين»، لكن الصحيح أيضا أن القدر الأكبر من الدماء والتضحيات الذي قدمته «النصرة» و«التركستان» و«جند الاقصى» في مرحلة سابقة تم استثمارها لدى قوى معارضة مخاصمة بشدة لها، لا تملك اي تواجد حقيقي الا في الفضاء الاعلامي الافتراضي، ولعل ابرز مثال على هذا ما قاله الناطق الرسمي باسم «النصرة»، بأن مسؤول العلاقات الخارجية في أحرار الشام لبيب النحاس «يقتات» على دماء «النصرة» من اجل اجندات فصيله الخاصة، رغم أن المؤشرات تشير إلى أن معظم قيادات الاحرار العسكريين الميدانيين اكثر ميلا لتوجه «النصرة» من ممثليهم في الخارج. الامر الآخر أن أي قوى فصائلية تظن انها بإعلان محدودية مشروعها ونشاطها، واقتصاره على الحدود «الوطنية»  كما فعلت جبهة «النصرة» نفسها  بالانفصال عن مشروع العراق والشام، نحو دائرة محلية سمتها الشامية، مع انها تعني سوريا وليس الشام بحدودها التاريخية، تظن بهذا الاعلان انها تفك ارتباطها بالمشاريع التي تجلب الغضب الدولي، تماما كما فعلت بفك ارتباطها بتنظيم «القاعدة» (الذي كان شكليا بالاصل)، والمفارقة هنا أيضا أنها لن تتمكن بهذا التقزم من مواجهة اعدائها المباشرين لأنهم جميعا يقاتلون ضمن تحالف واسع ممتد من طهران لبيروت، متناسق عسكريا وفكريا وكأنه على قلب رجل واحد، والنتيجة التي سيحصل عليها أي فصيل جهادي يتذاكى بتقزيم نفسه وإضعاف روابطه اللازمة كالذخيرة للمواجهة في هذا النزاع، ظنا منه أنها «سياسة حكيمة في تقليل المشاكل، صفر مشاكل»، النتيجة هي أنه سيتحول لصفر على الشمال، كما حدث مع من ابتدع هذه النظرية التي سقطت بالضربة القاضية امام  اختبار السياسة الواقعية.

اقرا:

وائل عصام: (درع الفرات) عملية ضد الأكراد دون قتال ميليشياتهم