on
Archived: (أيام لا تنسى).. مدينة سورية كئيبة في أفغانستان
وليد بركسية: المدنيستطيع المرء أن يتفهم اقتباس رواية “ألف شمس مشرقة” للكاتب الأميركي – الأفغاني خالد الحسيني في المسلسل السوري الجديد “أيام لا تنسى”، نظراً لأن الرواية تحكي بسلاسة عن مأساة الحرب الأهلية في أفغانستان وتحديداً عن واقع النساء هناك، وبالتالي يمكن إسقاطها على الواقع السوري المعاصر بعد انتشار الأسلمة والعسكرة في البلاد.. لكن من غير المفهوم أبداً أن يتم تقديم الرواية خارج إطار الزمان والمكان، وكأنها مجرد نظرة تجريدية لفكرة القهر البشري.
المسلسل، رغم رزانته والأسماء الكبيرة فيه، واتكائه على أيمن زيدان في الإخراج، لم يجد طريقه إلى الشاشات العربية، واكتفت قناتا “سوريا دراما” و”تلاقي” المحليتان وقليلتا الانتشار بعرضه. والحقيقة أن القنوات لا تُلام كثيراً على هذا القرار، فالعمل يقدم ساعات متتالية من الملل والنكد التلفزيوني، تفوق قدرة المتابع الطبيعي على الاحتمال.
والحال أن العمل حتى الحلقة 18 منه، لم يعطِ أي انطباع بوجود حرب أو مقدمات عنف وتوتر في البلاد، قبل أن يظهر تنظيم “داعش” من دون سابق إنذار ويغير سير الأحداث، وتصبح القذائف ثم النقاب الأسود هي الرتوش المسيطرة على اللقطات في شوارع القرية الافتراضية التي تدور فيها الأحداث، علماً أنه لا يغطي فترة زمنية واسعة مثلما تفعل الرواية الأصلية التي تمتد أحداثها لأكثر من أربعين عاماً.
قبل ذلك كان زيدان منهمكاً بتصوير الجبال والأنهار والطبيعة في الساحل السوري لإضفاء قيمة جمالية على العمل، مع خلفية موسيقية كئيبة تنوح فيها المطربة القديرة ميادة بسيليس، لزيادة البؤس في المسلسل، من دون وجود أي عوامل تحدث توازناً في العمل وتخفف من حدة المليودراما فيه، ويتجه المسلسل بهذا لإقحام أفكاره السوداوية، مهما كانت صحيحة، عنوة في رأس المشاهد بدلاً من جعلها نتائج منطقية لسياق اجتماعي عام.
تستنسخ كاتبة السيناريو فايزة علي، أحداث الرواية بحذافيرها، من دون أخذ الجوانب النفسية والاجتماعية للشخصيات بعين الاعتبار، فتصبح تصرفات كل شخصية غير مبررة مثلما هي في الرواية، ويصبح هناك نوعاً من التناقض غير المفهوم لدى شخصيات مثل أبو سعيد (محمد حماقي) وجلال (وائل رمضان)، اللذين يظهران بشكل مسطح خال من أي عمق رغم ثرائهما النفسي الكبير في النص الأصلي، ويصبح الطمع المادي هو المحرك الوحيد للشخصيات الشريرة بدل البحث عن جذور أعمق لتصرفاتها.
في السياق، تغيب علاقة الدين بالمجتمع وسطوة الأعراف الاجتماعية والمقاربات الذكية في نص الحسيني عن المسلسل أيضاً، وكذلك مشاكل مثل زواج القاصرات وتعدد الزوجات وطبيعة الإسلام بين العنف والتسامح. ويزداد ذلك مع ملاحظة أن الرواية تدور أصلاً في العاصمة كابول ومناطق ريفية أخرى، بينما تدور كل أحداث المسلسل في قرية ساحلية صغيرة، واللافت هنا تقديم القرية في بداية المسلسل وكانها تنتمي للقرن التاسع عشر أو مطلع القرن العشرين، قبل أن تصيبها الحداثة فجأة.
ولملء الوقت الكبير الذي تتطلبه 30 حلقة تلفزيونية، تم تطوير قصص جانبية (زهرة، عائلة ملك، ..) وإدخال شخصيات جديدة (دينا، شجاع، ..)، ويشعر المشاهد بانفصالها عن محور القصة الأصلية (قصة مريم وليلى) تماماً، سواء إن كان يعرف الرواية الأصلية أم لا، ولا تشكل تلك القصص سوى مساحة للتنظير والحوارات المباشرة من دون أي قيمة ترفيهية أو معرفية.
الاتكاء على الروايات العالمية في الدراما السورية من فترة لأخرى يظهر المشاكل العميقة التي يعانيها كتّاب السيناريو المحليون، فهم من جهة لا يمتلكون قدرة بناء نصوص جذابة بمفردهم، وعند إعجابهم بنص أجنبي يحاولون ترويضه بشكل ملائم للبيئة الاجتماعية المحلية، ما يؤدي لتشويهه في نهاية المطاف. علماً أن معظم تلك التجارب لا ينجح غالباً، لعدم ملاءمة التلفزيون (الانتاجات الطويلة) لهذا النوع من الاقتباسات بالدرجة الأولى، بعكس السينما الأقصر في مدة العرض والأكفاً في تقديم الرمزية والتكثيف
اقرأ:
(الدراما السورية) بين شخصية نظام بشار الأسد والذاكرة الحية للشعب السوري