on
Archived: الدراما السورية تُدخل المخدرات.. لتنويع تداعيات الحرب
وليد بركسية: المدن
لا تقتصر تداعيات الحرب السورية على الموت واللجوء.. كما لا تُختصر أزمة الحرب بمسلسلات “الأكشن” التي شهدت ازدهاراً مستمراً منذ العام 2011 كانعكاس للحرب.. من هنا، وجد صانعو الدراما في أجواء الحرب مبرراً لعرض أفكارهم “المثيرة” من العنف والقتل والجريمة والمخدرات بعدما كانت تلك الأفكار في السابق تنتقد لعدم واقعيتها أو ابتعادها عن النسق الاجتماعي العام في البلاد.وفي الموسم الرمضاني الحالي، يتشابه مسلسلا “عابرو الضباب” و”مذنبون أبرياء” إلى حد كبير، بتركيزهما على عصابات المخدرات وانتشارها في الداخل السوري، ويتطابقان في إعطاء مهمة توزيع المخدرات لفتيات فقيرات بدل الاعتماد على فكرة الإجرام الذكوري التقليدية (جيانا عنيد وميسون أبو أسعد على التوالي).. لكن محاولتهما لتقديم جرعة أكشن مسلية للمشاهد تتبدد مع البطء العام وسوء التنفيذ أو بعض العثرات الفنية والحوارات المباشرة.
بالمقارنة بين العملين، تميل الكفة لصالح “عابرو الضباب”. فالعمل رغم مشاكله، يقدم على الأقل بيئة نفسية خصبة انطلاقاً من الظروف الاجتماعية القاسية التي تعيشها الشخصيات في طريق تحولها نحو الشر والجريمة أو الإدمان، كما يتم تقديم ماضي الشخصيات ولمحات من مستقبلها في لقطات مستقلة تعطي مزيداً من العمق. والملاحظ أن الشخصيات إنسانية غير طوباوية، ولكل منها مشاكله وشروره وأفعاله الخيرة ومشاعره النبيلة أيضاً، بما في ذلك الشخصيات الأكثر إجراماً.
وتبرز فكرة غياب دور الأب (علي كريم، فارق الجمعات،..) كسبب أساس للانحراف، ثم انهيار السلطة الذكورية ضمن الأسرة السورية كمسبب لانهيار المجتمع، حيث تعم الفوضى ويميل الأولاد نحو الشر والجريمة أو العصيان والتمرد، بدلاً من تقديم نماذج إيجابية من منطلق الحرية الفردية، لتحقيق شيء من التوازن في الطرح الدرامي على الأقل.
ينقسم العمل إلى أربع قصص منفصلة يشكل كل منها “عبوراً” حسب توصيف أصحاب المسلسل، وتتداخل شخصيات كل جزء مع الآخر بحيث يجمعها مكان واحد وفترة زمنية واحدة، فنشاهد الشخصيات العابرة في القصة الأولى، يتحولون إلى أبطال القصة الثانية، وبالعكس. ومن الممتع مشاهدة شخصيات القصص تجلس على طاولات مقهى أو بار واحد من دون أن تعرف أن مصيرها متشابك لدرجة كبيرة.
أداء الممثلين في العمل يتفاوت. فتبرز الفنانة لينا حوارنة بدور مؤثر على مستويات عدة، فيما يمكن إطلاق تسمية العبقرية الصامتة على أداء ضحى الدبس لدور مريضة ألزهايمر لا تتكلم وتعيش في عالم منفصل تماماً عما حولها. كما يقدم الفنان علي كريم دوراً مؤثراً بتقلبات نفسيه مختلفة، أما الأسماء الشابة فلا تقدم إضافة كبيرة وتبقى في حدود المقبول.
العمل الذي أخرجه يزن أبو حمدة، يتميز باستخدام جيد للقطات القريبة في المواقف العاطفية خاصة مع أداء الممثلين الجيد، لكنه يعاني من عثرات إخراجية متكررة، مثل فقدان الصوت بالكامل في بعض المشاهد، وأخطاء المونتاج الفادحة والموسيقى التصويرية الرديئة، مما يفقد العمل كثيراً من جاذبيته.
وبينما يوحي عنوان “مذنبون أبرياء” بأنه سيركز على ضحايا المخدرات والظروف التي دفعت بهم نحو الإدمان، تبتعد تفاصيل المسلسل عن ذلك المفهوم لتقديم قصة بوليسية تقليدية حول الصراع بين الشرطة وعصابات المخدرات الإجرامية المرتبطة بأجندات سياسية خارجية، ويتم هنا تقديم طروحات سياسية بسيطة حول الوطن وارتباط المخدرات بأهداف تدمير البلد ضمن سياق الحرب الكونية.
القيمة التسويقية الأولى للعمل هي العنف التلفزيوني، والمشكلة هنا أن هذا العنف ليس مشوقاً بقدر ما هو رخيص وغير مؤثر، فضلاً عن ضعف الناحية البصرية وافتعال الإثارة المستمر واستدرار عواطف الجمهور، ليصبح المسلسل ككل مملاً، وكلها مشاكل يتحمل مسؤوليتها المخرج أحمد السويداني في أولى تجاربه الفنية.
مع تتالي الحلقات تنكشف ملامح المنظمة الإجرامية الأساسية وتصبح قريبة إلى حد ما من العصابة في مسلسل “خواتم” الذي عرض قبل عامين. حتى أن الممثلة كندة حنا تقدم في العملين شخصية القاتلة المأجورة. إلى جانب ذلك، يتشتت العمل عند محاولة كاتبيه عبد المجيد العنزي وباسل خليل خلق صلات رومانسية بين الشخصيات، ليس لسبب محدد باستثناء ما يتطلبه مسلسل رمضاني من أحداث درامية متلاحقة تغطي 30 حلقة.
وباستثناء الأداء الجيد الذي تقدمه الفنانة رنا أبيض في دور زعيمة عصابة محلية لترويج المخدرات، لا يقدم الممثلون أي إضافة، فيما تقدم النجمة جيني إسبر أحد أسوأ أدوارها في الفترة الأخيرة، بدور الطبيبة النفسية أمل التي تقدم المساعدة للمدمنين، وتميل للتنظير تلفزيونياً على طريقة “ويكيبيديا” حول المخدرات وحبوب الكبتاغون وأهمية الشباب في المجتمع، وتماثلها في الأداء السيء الفنانة جيهان عبد العظيم التي تحولت مع مرور الوقت إلى ممثلة بلاستيكية غير قادرة حتى على نطق الحروف والكلمات بوضوح.