on
Archived: زوال: بكاء في قاع المجتمع السوري
وليد بركسية: المدن
لا يحقق مسلسل “زوال” المطلوب منه على صعيد التسلية التلفزيونية أو تقديم قيمة معرفية – اجتماعية، إذ يبقى مجرد محاولة فاشلة لتقديم حياة المهمشين في البلاد على غرار محاولات ناجحة سابقة عرفتها الدراما السورية قبل 2011، واشتهرت تحت مسمى “دراما العشوائيات”.
تدور أحداث المسلسل في جبل الأكراد، وهي التسمية المحلية لحي عشوائيات فقير في منطقة ركن الدين بالعاصمة دمشق، حيث يتم رصد الحياة اليومية لمجموعة شخصيات يستوحيها أصحاب المسلسل من أعمال سابقة عالجت نفس الموضوع، مثل روبن هود الحارة “أبو حوا” الذي يجسده الفنان فادي صبيح كنسخة حديثة من شخصية عبود التي قدمها النجم تيم حسن في مسلسل “الانتظار” عام 2006، وكذلك شخصية ينال (يامن الحجلي) الحميماتي وهي نسخة من شخصية أبو حاتم التي قدمها الفنان عبد المنعم عمايري في مسلسل “بكرا أحلى”.
العمل يقع في نقطة ما بين الدراما التلفزيونية والأفلام التسجيلية، لكن ذلك المزيج يأتي من دون تماسك أو إبهار وكأنه مشروع تخرج طلابي محلي، فتتلاشى مقومات الدراما التلفزيونية الناجحة والممتعة، من تشويق وقصة ومنعطفات درامية، وتصبح الواقعية أزمة مع افتقاد العمل للخيال والفكاهة والأكشن وغيرها من القيم التلفزيونية المهمة.
مشكلة العمل الكبرى تكمن في ثغرات النص الذي كتبه الممثل يحيى بيازي بالشراكة مع زكي مارديني. فالحلقات الأولى من العمل كانت مليئة بالتكرار والمشاهد الفارغة من أي معنى حيث تحدق الشخصيات بالسماء والأفق بصمت مع البكاء وذرف الدموع بلا سبب.. وقدمت مع مبالغة كبيرة في عدد الجرائم وحالات الموت التي تحصل في الحارة العشوائية من دون تفسيرات مقنعة، إضافة الى تقديم عدد كبير من الشخصيات لملء الفراغ الناجم عن عدم وجود قصة محورية في المسلسل من الأساس.
تركيز العمل على تفاصيل الحياة اليومية ليس مشكلة بحد ذاته، لكن الشخصيات نفسها غير جذابة ولا يمكن للمشاهد بناء علاقات معها، كما أنها شخصيات نمطية تنقسم بين الخير والشر بشكل صريح. ويحاول العمل تلقين المشاهد فكرة “طيبة القلب لدى البسطاء المهمشين”، وهي رسالة يسعى العمل إيصالها للجمهور، علماً أنه لو تمت معالجة الفكرة بذات الأسلوب في فيلم سينمائي لحقق على الأغلب نتيجة مختلفة، لكن عرضها طوال ثلاثين حلقة تدفع بالعمل نحو الملل والركود.
الأداء الباهت لممثلي العمل، يزيد من حدة المشكلة. فأغلب الوجوه الشابة في العمل تقدم أداء شديد السوء بلا أي استثناء (لجين اسماعيل، رنا كرم، أنس طيارة،..)، أما النجوم فيتأخر ظهورهم في المسلسل ويجسدون ادواراً مساندة فقط، مثل الفنانة نظلي الرواس في شخصية سماهر صاحبة بيت الدعارة في الحي، وشكران مرتجى في شخصية أم معروف التي تعاني من عمل زوجها في السحر والشعوذة (باسم ياخور). أما الأداء الأسوأ فيُمنح للممثل يامن الحجلي بأداء “كريه ومستفز”، والممثلة القديرة نادين خوري بسبب نمطية شخصية أم خليل القائدة الروحية للمجتمع المحلي، والتي تقدمها بحوار مباشر وشعارات لفظية لا تنتهي.
الفنان سلوم حداد يظهر بشخصية المتشرد عنز، ولا يمكن فهمه على الإطلاق. فهو الباكي على الدوام والمتحسر على زوال اللاشيء، ويشكل إضافة عبثية تزيد من ثقل ظل المسلسل عموماً، خصوصاً أن مشاهده عموماً صامتة مع موسيقى تصويرية هي الأسوأ بلا منازع بين جميع المسلسلات السورية هذا الموسم.
من الناحية البصرية يبدو العمل فقيراً وكلاسيكياً، من دون أي هوية. وباستثناء أماكن التصوير المثيرة للاهتمام في مناطق العشوائيات في منطقة ركن الدين بدمشق، والتي تعطي العمل جرعة من المصداقية والبؤس في آن واحد، تبدو محاولات المخرج أحمد ابراهيم أحمد لخلق الرمزية في لقطاته مثيرة للشفقة، وخاصة تلك التي تصور دمشق من مكان مرتفع مع شعر محكي عن عظمة الشام والوطن، أو مشاهد الحمام الذي يطير في الشوارع كرمز للجمال والسلام والحب.
وتأتي تسمية “زوال” من فكرة زوال الماضي الجميل مع شرارة أحداث الربيع العربي في تونس، التي يبدأ بها المسلسل حلقته الأولى. ولا يمكن هنا فهم جمال الماضي الذي يعرضه العمل، فلا شيء سوى البؤس للناس الأكثر تهميشاً في قاع المجتمع السوري الطبقي. وذلك البؤس هو سبب مباشر للمطالبة بالتغيير ومزيد من العدالة الإنسانية والاجتماعية. ولا يرى المسلسل ذلك على الإطلاق، بل يقدم النواح على الطيبة التي ستختفي من قلوب الناس بعد الربيع العربي، أو الرضا على ظروفهم المأساوية من منطلق “كانوا عايشين”.
ويفترض بالعمل أنه أول عمل يتحدث عن الأكراد في البلاد، لكن ذلك الوجود الكردي في العمل يبدو ضئيلاً وباهتاً، وقد يراه البعض مسيئاً لصورة الأكراد في سوريا، لعرضه حياة الأكراد من زاوية ضيقة جداً، من دون التطرق لمشاكلهم الحقيقية في سوريا مثل الحرمان من الجنسية السورية والحق في التعليم والاحتفالات المحلية والمشاكل الأعمق فيما يخص الهوية والانتماء.
حتى وجود الأسماء الكردية الصرفة يغيب في المسلسل باستثناء شخصيات معدودة.. كما أن الكلمات الكردية تبقى مفقودة في نسيج العمل.
اقرأ:
الممثلون السوريون: الأكثر حضوراً في رمضان