Archived: نابلس تفقد دمشقها!

السفير-

على زاوية بابٍ ضيق لدكّان يغص بأنواع من التحف، يقف الخمسيني عزام القدومي ملقياً التحية على المارين في الشارع المرصوف لخان التجار في نابلس. قبل أن يقترب منه أحد الزبائن سائلاً عن طاولة زهر سورية «أو الشيش بيش»، يرد القدومي بحسرة: «كلهن بدهن سوري .. راح السوري يابا».
افتتح القدومي محله قبل 30 عاماً. كان يعرض منحوتات وخزفاً وأوانيَ نحاسية مستوردة من سوريا. بعدها زاد الطلب على بضاعته، فعمل في بيع الأدوات الموسيقية والغرابيل وطاولات الزهر، وكلها سورية.
في الحانوت اليوم، كل شيء على حاله، سوى خلوه من بضاعته الأساسية.
إيقاع الحياة في دمشق، غيّرته الحروب، فتغير معه إيقاع العمل في نابلس. فُقدت أنواع من البضاعة، واستُبدلت بأخرى تقل عنها جودة. حتى الأعواد الموسيقية تغير صوتها وقالبها.
يتذكر القدومي أعواد إبراهيم سكر، وموفق خليفة، والزرياب، وهي أعواد مشغولة بحرفية عالية. لا يجد اليوم وجهاً للمقارنة بينها وبين الموجود في السوق حالياً، مصرياً كان أم تركياً.
يقول القدومي إن «الكثير من البضاعة كانت تُفقد على الطــــريق عند نقلها أو تصلها القذائف، فيخسر التاجر كامل الحمولة المصدرة إليه، وحتى إن وصلت فإن أسعارها أغلى بكثير من السابق، لذلك اتجهنا للاستيراد من دول أخرى».
على مدخل الحانوت، يتدلى عود مصري يقول القدومي إن دوزان أوتاره يختلف عن عود الزرياب السوري المتقن في صنعه والمميز في رنة لحنه. وعلى الجهة اليمنى للمدخل، طبل مصري أيضاً لا يشبه مثيله السوري. حتى دلات القهوة المنتجة في الهند لا تضاهي تلك القادمة من حلب أيام عزها.
«الاتقان السوري مفقود في غيره من السلع الأخرى. مثلاً، المنتجات المصرية كثيرة العدد ولكن قليلة الجودة. الناس تحن إلى الحس السوري في هذه المشغولات»، يضيف القدومي.
من جهته، يتحسر جميل الرمحي، صاحب محل للتراث الشعبي في خان التجار في نابلس، على «أيام الشام» مؤكداً أنه «من المستحيل أن تجد بديلاً للبضائع السورية. الشغل السوري لا مثيل له».
في السوق القديمة، أغلقت محال كان اعتمادها على المنتجات السورية، وغيرت أخرى توجهها، فأصبحت تستورد البضاعة من تركيا ومصر، وحتى الهند والصين، لكن المشتري الفلسطيني ظل يبحث عن الأقمشة السورية المشهورة بنعومتها ومتانتها، كما بقي الفلاح يبحث عن الغرابيل السورية ذائعة الصيت في كل القرى والسهول الفلسطينية والتي انتهت تماما من سوق نابلس.
يقول الرمحي: «يأتي الفلاحون دائماً للسؤال عن الغرابيل، لكننا توقفنا عن جلبها لصعوبة ذلك». ويضيف: «أهل الشام يحبون أهل نابلس كثيراً ونحن نحبهم، اعتدنا على عاداتهم وفضلنا منتوجاتهم، حتى بيوتنا تشبه البيوت الشامية القديمة».
وكأن نابلس قطعة دمشقية ارتبطت بها اجتماعياً وعُرفياً واقتصاديا، تحن أسواقها ومحالها للنكهة السورية الغائبة عنها منذ أكثر من خمس سنوات، ويردد بائعوها «الله عَ أيام الشام وشغل الشام وريحة الشام». («وفا»)