Archived: قراءة كتاب: «غزو سوريا 1941: الحرب المنسية بين ديغول وتشرشل»

هنري دي ويلي في كتاب «غزو سوريا 1941: الحرب المنسية بين ديغول وتشرشل»: انقلاب رشيد عالي الكيلاني في العراق فجّر خلافا حادا بين بريطانيا وفرنسا

سمير ناصيف: القدس العربي

قد يفاجأ كثيرون لدى ادراكهم أن انقلاب رشيد عالي الكيلاني في العراق نيسان/ابريل 1941 سبّبَ مشكلة ليس فقط بين أدولف هتلر، زعيم النازية الألمانية وقوات «المحور» في الحرب العالمية الثانية، وبين قوات «الحلفاء» بقيادة رئيس الوزراء البريطاني في تلك الفترة ونستون تشرشل، بل أدى إلى مواجهة سياسية حادة بين تشرشل والجنرال الفرنسي شارل ديغول، قائد قوات «فرنسا الحرة» الذي كان لاجئاً في بريطانيا بعد احتلال ألمانيا النازية لفرنسا واخضاعها لسلطة «حكومة فيشي» بقيادة المارشال فيليب بيتان.
هذه المشكلة انطلقت في لبنان وسوريا، حسب ما أشار إليه كتاب صدر مؤخراً بالانكليزية لهنري دو وايلي الاستاذ في كلية «سان سير» العسكرية الفرنسية المتخصص في التاريخ العسكري للشرق الأوسط، ويغطي حقبة تاريخية شديدة الأهمية جرى التعتيم على أحداثها رغم أهميتها لكونها تُظهر السلبية والتواطؤ لدى قادة دول الحلفاء وتنازعهم على فرض سلطتهم العسكرية في البلدان التي استعمروها.
عنوان الكتاب هو «غزو سوريا 1941، الحرب المنسية بين ديغول وتشرشل» وترجمه من الفرنسية إلى الانكليزية العسكري الاسترالي وليام لاند. وصدر عن دار «اي.بي.تاوريس» في لندن ونيويورك عام 2016.
الخلاصة المبسطة لمقاربة الكتاب هي ان رشيد عالي الكيلاني، وبعد نجاح انقلابه في العراق لفترة وجيزة، ولدى شعوره ان قوات الحلفاء ستنتصر عليه وتقضي على ثورته، طلب المساعدة العسكرية من قيادة ألمانيا النازية. ولكي تلبي ألمانيا طلبه، كان عليها إرسال طائرات عسكرية محملة بالسلاح إلى العراق. ولكن كان يتوجب توقفها في مطار حلب في سوريا للتزود بالوقود. فطلبت القيادة الألمانية النازية من حليفتها «حكومة فيشي» ان توعز إلى القيادة الفرنسية التابعة لها في سوريا ولبنان أن تسمح بمرور ونزول هذه الطائرات ومعداتها في حلب. فأتى الأمر من حكومة فيشي للحاكم العسكري والمندوب السامي في لبنان وسوريا الجنرال هنري فرنان دينتز، من جانب المسؤول الكبير في فيشي الأميرال فرنسوا دارلان بعدم التعرض لهذه الطائرات ولكن بعدم مساعدتها وذلك تطبيقاً لنصوص اتفاقية الهدنة بين هتلر والمارشال بيتان قائد حكومة فيشي. وفيما اعتبر ديغول الموقف خيانة لفرنسا، ولدورها في قوات الحلفاء، حاول تشرشل عدم قطع علاقته كلياً بحكومة فيشي وبيتان، املاً في استخدام هذه الجهة الفرنسية فيما بعد لامتداد النفوذ البريطاني الجغرافي الاستعماري في سوريا ولبنان.
الأمر اللافت في الكتاب، والوثائق والمصادر الموثوقة الواردة فيه، هو انه يُعرّفُ القارئ بشخصية الجنرال ديغول، ولماذا أصبح أحد أهم القادة في تاريخ فرنسا والعالم.
عندما كان ديغول لاجئاً في لندن، ومعتمداً كلياً على حسن نية القيادة البريطانية لكونه لم يكن قد نظم جيشه الفرنسي الحر في ذلك الحين لم يتورع عن مواجهة تشرشل مواجهة شخصية عنيفة وكيل الاتهامات له بأنه لم يكن صادقاً في نيته تسليم لبنان وسوريا إلى «حكومة فرنسا الحرة» بعد انسحاب قوات فيشي منها وإصرار ديغول على أن الانتداب في سوريا ولبنان سيبقى فرنسياً وفي ظل حكومة فرنسا الحرة. وقد شعر ديغول ان بريطانيا الرسمية خشيت أن ينضّم عسكريو وقادة فيشي في لبنان إلى حكومة فرنسا الحرة فعملت على تعزيز الإنقسام بينهما.
وحاول تشرشل اقتطاف الانتصار على خطة هتلر لإرسال طائرات ومعدات عسكرية إلى رشيد عالي الكيلاني وإفشالها ما أدى إلى فشل الانقلاب، وأعاد نجاح هذا الأمر إلى حنكته في التعامل مع قائد قوات فيشي في سوريا ولبنان الجنرال دينتز. ولكن ديغول، وبعد عودته إلى بيروت منتصراً، أقام حفلة في قصر الصنوبر (المركز الفرنسي الرسمي في بيروت) دعا إليها جميع السفراء المعتمدين والقادة اللبنانيين، ولكنه قصد تحجيم ممثل بريطانيا في المناسبة الجنرال سبيرس فدعاه إلى الحفلة لمدة قصيرة فقط اضطر بعدها الجنرال سبيرس إلى مغادرة الحفلة غاضباً. وشكلت هذه المبادرة الجافة رسالة من ديغول إلى تشرشل أن النفوذ الفرنسي في لبنان وسوريا سيبقى فرنسياً.
وعندما حاول دروز السويداء (في سوريا) التضامن مع الانكليز، يشير الكتاب إلى ان ديغول ذهب شخصياً وزار المنطقة واستمال بعض قياداتهم ونجح في ذلك.
ولدى دخول قوات الحلفاء إلى سراي بيروت الحكومي بقيادة الجنرال البريطاني ميلز والفرنسي كاترو (أحد قادة الجيش الفرنسي الحر) استقبلهما ممثل حكومة فيشي للتسلم والتسليم وأظهر إهتماماً بميلز ورافقه إلى غرفة الجنرال دينتز متجاهلاً كاترو، بإيعاز من دينتز نفسه، الذي ظل حتى النهاية معتبراً انه يأخذ أوامره من المارشال بيتان. وقد دفع ثمناً لذلك، إذ حُكم عليه بالإعدام بعد إنتهاء الحرب وخُفّض حكمه إلى السجن المؤبد وذلك عام 1955 بعد عشر سنوات من الاعتقال.
ومن الأمور التي يذكرها الكتاب عن علاقة ديغول وتشرشل السيئة انه وفي مؤتمر هدنة عُقد في مدينة عكا في فلسطين لتحديد توزيع الصلاحيات بين بريطانيا وقيادة فرنسا الحرة في لبنان وسوريا عام 1941، نجح ديغول في قلب قرارات كانت بريطانيا ساعية لفرضها في المؤتمر. فقد أمر ممثلة الرئيس الجنرال كاترو برفض أي اتفاق لا يتم بموجبه تسليم أسلحة جيش فيشي في سوريا ولبنان إلى جيش فرنسا الحر بقيادته وأوعز إليه بتوقيف أي عسكري فرنسي مهما كانت رتبته يرفض الامتثال لهذا الأمر. كما طلب من بريطانيا ان تساهم في وقف أي تحركات شعبية ضد تسلم حكومة فرنسا الحرة السلطة في لبنان وسوريا عبر علاقتها مع بعض الفئات.
ويذكر الكتاب (ص 308) على لسان ليتلتون قوله: «دخل ديغول إلى مكتبي وحيّاني ببرود وكان وجهه أبيض اللون حنقاً، وصرخ في وجهي قائلا: «ان هذا الاتفاق لا يعني فرنسا الحرة لأنني لم أوقعه شخصيا ولأنه يعارض مصالح فرنسا السياسية والعسكرية».
وأضاف: «فإما ان تعتبر بريطانيا ان فرنسا الحرة هي فرنسا الدولة، أو أنها تعتقد اننا مطيّة لها لإدارة العالم. وهذا أمر يخالف شرف ومصالح فرنسا». ثم سلم ديغول ليتلتون رسالة إلى قيادة بريطانيا قال فيها ان جيش فرنسا الحر سينسحب من القوات العسكرية التي تقودها بريطانيا في المنطقة إذا لم تتم التعديلات المطلوبة. وحاول ليتلتون تهدئة ديغول مشيراً إلى ان هدف الجميع هو الإنتصار في الحرب ويجب ان يثق القائد الفرنسي في بريطانيا. ولكن ديغول استمر في موقفه الصارم.
وفي اليوم التالي، وجّه رسالته بنفسه معلنا فيها عزمه الانسحاب من مظلة القيادة البريطانية.
وصُعق تشرشل لدى سماعه النبأ، وسأل معاونيه: «هل أصبح هذا الجنرال سياسياً؟» فأجابوه: «لقد أصبح بطلا قومياً يريد فرض سلطة فرنسا على المنطقة».
أما ديغول فقرر الذهاب إلى بيروت، وهناك فرضَ تعديل اتفاقية الهدنة في عكا، استنادا إلى شروطه.
وردّ تشرشل بقرار تعيين الجنرال سبيرس في منصب الوزير البريطاني الأول المسؤول عن سوريا ولبنان في تعقيب على الإهانة التي تعرض لها في حفلة قصر الصنوبر في بيروت. أي ان بعض الأمور السياسية ربما رُممت بين تشرشل وديغول، ولكن التنافر الشخصي استمر، حسب الكتاب.
ففي أول ايلول/سبتمبر 1941 وفي مقابلة أجرتها صحيفة «شيكاغو دايلي نيوز» الأمريكية مع الجنرال ديغول، سأله الصحافي الأمريكي جورج ويلر: «لماذا لم تقطع بريطانيا الرسمية علاقتها كلياً مع حكومة فيشي الفرنسية بقيادة بيتان؟» فأجاب ديغول: «لأن بريطانيا عقدت ما يشبه الصفقة مع هتلر خلال استمرار الحرب بحيث تلعب حكومة فيشي دور الوسيط بينهما. واننا نشاهد تبادلاً مفيداً بين الجانبين المتنازعين (بريطانيا وألمانيا) يسمح لحكومة فيشي بالبقاء طالما هذا الأمر يفيد بريطانيا وألمانيا».
وجن جنون تشرشل وشعرَ ان ديغول أهانه وأهان بريطانيا عندما أدلى بمثل هذا التصريح، حسب الكتاب. وقال لمرافقيه ان ديغول فقد عقله.
وقال المحيطون بديغول في تلك المرحلة أنه كان يكيّل الشتائم في جلساته الخاصة، لزعماء بريطانيا وخصوصا الجنرال سبيرس. وخلال إقامته في بريطانيا، عزل نفسه وانقطع عن اللقاءات وكان يقول للمقربين منه ان الحلفاء سيخسرون الحرب في ظل قيادات كهذه (يقصد القيادات البريطانية) فانهم لا ينفذون ما أقترحه عليهم ويسعون إلى إزاحة الفرنسيين من المنطقة (سوريا ولبنان) وانهم «أنذال».
اما تشرشل فاعتبر ان ديغول شخص وقح، ناكرٌ للجميل ومعادٍ لبريطانيا، ومعتدٌا بنفسه إلى درجة الخطورة ويميل نحو الفاشية. وتحدث إلى المحيطين به عن ضرورة إزاحته سياسياً. ويشير الكاتب إلى ان الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت لم يكن من المعجبين بالجنرال ديغول، وزاد تحفظه بعد الحرب السورية عام 1941، وشعر ان ديغول أشعلَ حرباً أهلية بين القوات الفرنسية في المنطقة من أجل تحقيق أهدافه الشخصية. وقد ظل روزفلت حذراً تجاه ديغول حتى وفاته عام 1945.
ينقسم هذا الكتاب إلى جزئين، الأول بعنوان «العقدة تضيق» والثاني «الإنشقاق». أهم ما في الجزء الأول الفصل السابع الذي يتحدث فيه الكاتب عن ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق، وحصول ألمانيا النازية على الاذن من سلطة فيشي الفرنسية ان تحط طائراتها العسكرية في سوريا، ثم الفصل التاسع الذي يشير إلى أن بريطانيا حافظت على اتصالاتها بسلطة فيشي في بيروت، والفصل العاشر الذي يظهر تردد الموقف البريطاني ازاء الهجوم على مواقع قيادة فيشي في بيروت حيث كان تشرشل يؤيد الأمر ولكن كبير جنرالاته الجنرال ويفل يعارض وينتقد تحمس ديغول لتنفيذ هذا الهجوم ما أدى إلى استقالة ويفل ثم العودة عنها بعد ان اختار تشرشل اعتماد الهجوم ولكن لغير الأسباب التي كانت في مشروع ديغول، بحيث يطرح الكاتب امكانية أن يكون قرار تشرشل نبع من رغبته في تقليص دور ديغول في المدى البعيد وفتح النوافذ لهيمنة بريطانية على المنطقة.
الفصول الأهم في الجزء الثاني من الكتاب، هي الأخيرة (17) و(18) حول اتفاقية الهدنة في عكا. ويعرض الفصل (15) مواقف القيادات الوطنية السورية وسعيها إلى الاستقلال فيما كانت بريطانيا وفرنسا تتنازعان على استمرار الانتداب كلاً منهما تحت مظلتها. أما الفصل الأخير، فيظهر ان الجنرال الفرنسي دينتز الذي امتثل لأوامر قيادة فيشي بسبب انضباطه العسكري ذهب ضحية الصراع الفرنسي البريطاني ورغــبة ديغول بالتفرد في السلطة وفي استمرار هيمنة فرنسا على المنطقة.
ولكن الضحية الكبرى، كانت الشعوب العربية في سوريا ولبنان والمنطقة عموما التي استمرت تحت هيمنة الاستعمار الفرنسي والبريطاني ومن بعدهما الأمريكي، حيث ما زالت ربما تحت وطأته برغم نيل دول المنطقة استقلالها في منتصف القرن الماضي، ولكنها، بشكل أو بآخر، ما زالت خاضعة لإرادته وإرادة إسرائيل، ممثلته في المنطقة.

Henri de Wailly: “Invasion Syria, 1941: Churchill and de Gaulle’s Forgotten War”
I.B.Tauris, London 2016
544 pages