Archived: واشنطن بوست: إنجاز أوباما في سوريا

واشنطن بوست: ترجمة مركز الشرق العربي

ربما يكون هذا هو الأمر الأكثر إثارة للدهشة في إرث أوباما في السياسة الخارجية؛ فهو لم يتصدر كارثة إنسانية وثقافية ذات أبعاد مصيرية فقط, ولكنه جعل الشعب الأمريكي يشعر بعدم المسئولية تجاه هذه المأساة.
المجاعة التي حلت في “بيافرا” قبل جيل كامل أثارت تحركا. وحشدت المعابد والكنائس قبل عقد من الزمان من أجل التخفيف من حالة البؤس في دارفور. وعندما دمرت طالبان تماثيل بوذا الأثرية في باميان, شعر العالم بالأسى على هذا الإرث الضائع.
اليوم تدمر الدولة الإسلامية المعالم الأثرية والثقافية الثمينة في تدمر, ونصف سكان سوريا شردوا – ويمكن تمثيل ذلك بأن نتصور أن 160 مليون شخص من سكان أمريكا أصبحوا مشردين. وأكثر من ربع مليون قتلوا. ومع ذلك لم تستبدل لافتات “أنقذوا دارفور” بلافتات “أنقذوا سوريا”.
أحد الأسباب هو أن إدارة أوباما – الذي خاص الانتخابات على أساس استعادة مكانة الولايات المتحدة الأخلاقية- طمأنت الأمريكان باستمرار بأن التقاعس عن العمل هو سياسة أخلاقية وذكية. حيث قال أوباما, في عدة مناسبات, بأنه ليس في وسع أمريكا القيام بأي شئ, وقلل من ِشأن المعارضة السورية قائلا إنها  مجموعة من “الأطباء السابقين والمزارعين والصيدلانيين وهكذا …”.
وقال بأننا سوف نجعل الأمور تسوء أكثر, حيث صرح لصحيفة الجمهورية الجديدة عام 2013 :” لا يتعلق الأمر بقوتنا وقدراتنا فقط, ولكن بالقيود المفروضة علينا”.
حيث أشار ضمنا أنه ولأننا ليس في إمكاننا حل كل المشاكل, فإنه ربما لا يتعين علينا حل أي منها. وتساءل :” كيف يمكنني أن أضع عشرات الآلاف من الذين قتلوا في سوريا في مواجهة عشرات الآلاف الذين يقتلون حاليا في الكونغو؟” (مع أنه في ذلك الوقت لم يكن قد قتل عشرات الآلاف في الكونغو).
في تلك المناسبات النادرة عندما يهدد الضغط السياسي أو رعب المعاناة التي يعانيها السوريون بالتفوق على أي عذر لعدم التحرك, فإنه يعد بالتحرك, حيث جاء في عدد من البيانات والتسريبات من البيت الأبيض ذكر تدريب المعارضة والمناطق الآمنة على الحدود التركية. وما إن تحرك الرأي العام وأثير اهتمام الجمهور, حتى تم التخلي عن الخطط أو تم تقليصها إلى أبعاد لا معنى لها (تدريب 50 جنديا في العام, دون أي تحرك على الحدود التركية).
ولكن على العكس, أصبح الوضع في سوريا أسوأ, مع تبرير الرئيس أكثر للتقاعس, فإن الخطوات التي كان من الممكن أن تساعد عام 2012 أصبحت غير فعالة في 2013, والتحركات التي كان من شأنها أن تنقذ الأرواح عام 2013 لم تنجح في مواجهة التحديات التي فرضها عام 2014. حقيقة أن المرأة التي ألفت كتابا عن الإبادة الجماعية,  وهي سمانثا باور والمرأة التي حشدت لضرب السودان لإنقاذ حياة الأشخاص الناس في كارفور, سوزان رايس, ربما يكون لديهما ضمير صاح حيث أصبحتا سفيرة لأمريكا في الأمم المتحدة ومستشارة للأمن القومي على التوالي, قدمتا المصداقية الأخلاقية لمزيد من التنازلات التي قدمتها الولايات المتحدة.
الأمر الأكثر أهمية, هو أن التقاعس لم يسوق بوصفه شر لا بد منه ولكنه قدم على أنه إنجاز هام؛ الولايات المتحدة أخيرا أصبحت تقود من الرأس وليس من القلب, وبتواضع, دون أي غطرسة. أشار “الواقعيون” إلى أنه وعندما سمحت أمريكا للمثل والعواطف – أي عندما أرسلت الجنود لإطعام الجياع في الصومال على سبيل المثال, فقد فقدتهم, كما جاء صحيفة “بلاك هوك داون”.
كان الواقعيون محقون بأن على الولايات المتحدة أن تأخذ مصالحها بعين الاعتبار إضافة إلى القيم, وأن تنأى بنفسها لأنه ليس في وسعها إنقاذ الجميع. ولكن الحجة الخالية من القيم يجب أن تكون على الأقل قادرة على إظهار بأن الغايات تبرر الوسائل, في حين أن النتائج الاستراتيجية لابتعاد أوباما كانت كارثية بحجم الكارثة الإنسانية.
عندما سحب أوباما القوات الأمريكية من العراق, خشي المعلقون بأنه ربما يكون هناك حالة من عدم الاستقرار؛ أي تصور ظهور دولة إرهابية كاملة. وعندما أعلن في أغسطس 2011, بأن “الوقت قد حان ليتنحى الرئيس بشار الأسد” خشي المراقبون بأن كلامه ربما يكون فارغا, ولكن قليلون هم من تخيلوا حجم الكارثة, ولا يتعلق الأمر بالبراميل المتفجرة الوحشية والبراميل المتفجرة فقط, ولكن بتجنيد الدولة الإسلامية لآلاف المقاتلين الأجانب, الذين انتشروا من ليبيا إلى أفغانستان, كما شكلوا خطرا على التراب الأمريكي الأمر الذي أثار مسئولي المخابرات الأمريكان مع زعزعة اللاجئين لاستقرار أوروبا.
حتى لو اعتبرت سياسة أوباما ناجحة من وجهة النظر الواقعية, فإن هناك أمرا ما فقد في تخدير الرأي العام الأمريكي. نعم, لقد كان الغضب الأمريكي خلال العقود الماضية متفاوتا, وفي بعض الأحيان منافقا, وفي بعض الأحيان لخدمة الأهداف الشخصية.
ولكن هناك أمر يجب أن يثير الإعجاب في عزيمة أمريكا لتقديم المساعدة – يجب أن نسأل, إذا لم يكن في وسعنا إنقاذ الجميع في الكونغو, ألا يمكننا إنقاذ بعض الأشخاص في سوريا؟ إن قلب أوباما الناجح لهذا السؤال على عقبه ليس أمرا يمكن الافتخار به.

اقرأ:

واشنطن بوست: اللاجئون السوريون من الممكن أن يساعدو أمريكا، و ينبغي الترحيب بهم