on
Archived: حمزة رستناوي: آلهة الثورة السوريّة .. المرحلة الرومانسية
حمزة رستناوي: فلافس
هل تصلح الثورة لأن تكون موضوع عقيدة أو دين؟!
عقب اندلاع الثورة السورين، ثمّة أشخاص كانوا مستعدّين للموت في سبيلها، أشخاص تبرّعوا بالكثير في سبيلها، خسروا تقريبا كل شيء و كانوا مؤمنين بحتميّة انتصارها، الكثير ممن اعتقلوا في بدايات الثورة السورية و تعرّضوا لتعذيب وحشي في سجون النظام الاسدي، بعد أن خرجوا من السجن التحقوا في صفوف الثّورة المسلحة من جديد. في بدايات الثورة كانت كلمة ثائر تعني نصف ملاك و نصف بشر، و شاهدنا و خبرنا بطولات اسطورية لشباب يواجهون الرصاص بصدور عارية، يرفعون شعارات تحلم بسوريا المدينة الفاضلة، شعارات تؤكد على بداهات الحياة و المُشترك الوطني الانساني، شعارات وهتافات من قبيل : الله سورية حرية و بس – خائن اللي بيقتل شعبوه – الشعب السوري واحد- الشعب و الجيش أيد واحدة – جنّة جنّة جنّة سوريا يا واطنا – سوريا ألنا ما لبيت الأسد.. الخ.
في المجتمعات و الأوساط المؤيدة للثورة كان أي تشكّك بالثورة أو انتقاص منها يعادل الكفر والتشكيك بالدين، من ليس مع الثورة هو بالتأكيد مع النظام الأسدي وخائن للشعب! كثير من الذين ماتوا في هذه المرحلة كانت الكلمة الأخيرة التي تلفّظوا بها : كمّْلوا ..بسْ لو الله مَدّ بعمري لشوف انتصار الثورة.. أشهد أن لا اله الا الله.
لاهوت التحرير :
نعود إلى السؤال الأوّل: هل تصلح الثورة لأن تكون عقيدة و دين؟
الاعتقاد هو علاقة ذات بعد ميتافيزيقي مع شيء، موضوع، أي موضوع أو شيء قابل لأن يكون موضوعا للاعتقاد، و باستقراء العقائد نجد ان شجرة أو قمر او صنم او حيوان او فكرة او قبلية كلها قد تكون موضوعات للاعتقاد، بالتصريح أو التلميح أو السلوك، فعلى سبيل المثال إنّ الأدبيات الكلاسيكية للعقيدة الماركسية تقدّس الثورة ..فالماركسيون يصفون الماركسية بالفكر الثوري ..
وللون الأحمر رمزية كبيره عندهم كمكافئ للثورة والتضحية بالدم ويؤمنون بالثورة كطريق لحدوث التغيير السياسي والثقافي والطبقي .. ولا يقيمون كثير اعتبار إلى للإصلاح التدريجي السلمي.. وفي التجارب الثورية في أمريكا اللاتينية في عقد السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي لعبت الكنسية الكاثوليكية دورا محفّزا في الثورة على الأنظمة الديكتاتورية آنذاك، ولقد استخدم مصطلح ( لاهوت التحرير) لأوّل مرة 1973م في البيرو من قبل القس الكاثوليكي غوستافو غوتيريز، الذي أسس لمدرسة فكرية كاثوليكية تنص على واجب الكنيسة في تحرير الناس في العالم من الفقر والقهر و الديكتاتورية. وللأب المصري وليم سيدهم كتاب بعنوان ( لاهوت التحرير) متأثّرا بهذه المدرسة.
ونعود الى الثورة السورية : ففي بدايتها طُرح شعار: الثورة تجُبُّ ما قبلها (على غرار الحديث النبوي القائل : التوبة تجب ما قبلها ) وكان مجرد الانشقاق عن النظام أو المشاركة في المظاهرات أو الانضمام الى الجيش الحرّ شرف يمنح صاحبهُ مكانة استثنائيّة. ولاحقا مع امتداد أمد الثورة السورية وازمانها ومحنتها، طرح المؤمنون لتفسيرات لاهوتية من قبيل : كي يميز الله الخبيث من الطيب ويكشف عملاء النظام والمنافقين – لغاية أرادها الله نجهلها- ليختبر الله ايماننا ويكفّر عن ذنوبنا ..الخ
الايمان بالثورة :
بالتأكيد لم يأخذ الايمان بالثورة السورية نفسهُ كبديل عن الايمان الاسلامي التقليدي، ولكنه خاصّة في المراحل الأولى كان ايمانا قائما ذاته، فالكثير من المشاركين لم يكونوا من فئة المتدينين او أنصار الاسلام السياسي.
المؤمنين بالثورة يوقنون بحتمية انتصارها و أن انتصارها سيجلب الخير و السلام للمجتمع، فالثورة معدن نفيس، وهم يؤمنون بضرورة التخلص من السلطة الحاكمة لكونها عدوة الشعب عدوة الثورة ..هي الشيطان ..و الكفر بها واجب! والثوريون يعترفون بوجود أخطاء في الثورة و لكنها- من وجهة نظرهم- اما أخطاء زهيدة أو مُبرَّرة ما دام الهدف نبيل و عظيم، فهذه الأخطاء أو التأثيرات الجانبية هي بمثابة ضريبة لا بدّ منها لتحيق خير أعمّ و أكبر.
لنحاول وضع تعريف يفي بالغرض للثورة، و سنقترح التعريف التالي ( تغيير حاد و جوهري في النظام السياسي لمجتمع , تغيير ناتج عن ضغط اجتماعي و شعبي واسع) ليس المقصود هنا الوصول الى تعريف جامع مانع للثورة و لكن التعريف السابق يعرض لعناصر تميز التغيير السياسي الذي نصفة عادة بالثورة, و مصطلح الثورة على أية حال يستخدم كذلك في الحقول الأخرى غير السياسة نقول ثورة كبرنيقيه ثورة صناعية ثورة المعلومات ثورة جنسية ..الخ ..و يمكننا التعرف على الدلالات المخالفة للثورة في مصطلحات من قبيل : انقلاب- اصلاح مثلا.
المآلات المختلفة للثورات:
بالعودة الى استقراء التجارب الثورية و تحليل الواقع التاريخي على الأقل في العصور الحديثة نجد- و ربّما بشكل صادم للثوريين- أن الثورات كأي حدث أو كينونة ليست بهذا الكمال و الطهرانية و النقاء, بما يفنّد الصورة النمطية المثالية عن الثورات. صحيح أن هناك نماذج ناجحة عن الثورات ما تزال تُدرّس كنماذج عن الثورة كالثورة الفرنسية و الثورة الانكليزية و الثورة الامريكية و لكنها نماذج مُنتقاة، لنتذكّر أن الثورة يرافقها عنف و أنّ الكثير من الناس الابرياء يكونون ضحية لهذا العنف و الكثير من الناس تتقطع بهم السبل و يفقدون مشاريعهم و آمالهم بسبب الثورة – و عادة ما تميل أدبيات الثورات لإهمال هذا الجانب أو التقليل من شأنه-
إضافة الى ذلك فهناك الكثير من الثورات الفاشلة عبر التاريخ و التي راح ضحيّتها الآلاف لا بل الملايين من المدنيين, و هناك ثورات أدت لتفتت بلاد كانت نسبيا مستقرة و تحوّلت لحرب أهليه، و هناك ثورات اعادت انتاج نظام قريب الصفات بالنظام الذي ثارت عليه , و هناك ثورات شعبية تسببت في ظهور أنظمة ديكتاتورية طغيانية كالثورات الشيوعية والفاشية في ألمانيا وايطاليا، والثورات قد تكون موضوع للتسلق و لبناء سلطة فاسدة (الثورات تأكل أبناءها) و هو ما عبر عنه تشي جيفارا بقوله ( الثورة يصنعها الشرفاء، ويرثها ويستغلُّها الأوغاد) الخ. ما قصدت قولة إنّ الثورة حدث و ظاهرة تاريخية يجب دراستها و تفهّمها بالاحتكام الى العلوم الاجتماعية: علم التاريخ- علم الاقتصاد- علم السياسة – علم الاجتماع- علم النفس- الأنثروبيوجيا ..الخ.
الثورة قابلة لأن تكون موضوع اعتقاد:
الثورة بحدّ ذاتها ليستْ اعتقاد أو كينونة أحادية البعد , و لكنّها قابلة لأن تكون موضوعا للاعتقاد .. و في المجتمعات العربية الاسلامية و ضمنا سوريا , حيث يهيمن البعد العقائدي على الأبعاد الأخرى للكينونة الاجتماعية (الاسلام دين و دنيا – الاسلام نظام حكم- الاسلام دين شامل- هل الثورة حرام أم حلال ..الخ ) من المتوقّع تماما الاعتقاد بالثورة …و التعامل عبر ثنائيّة المقدّس و المُدنّس.
إذا أوّل مقاربة خاطئة لموضوع الثورة هو التعامل معها من منظور عقائدي كموضوع للإيمان و الكفر ..ايمان ديني ( الثورة في خدمة الدين ) أو ايمان غير ديني (الثورة فلاحٌ لحياة أفضل).
اقرأ:
حمزة رستناوي: سبعة نقاط حول القضية الكردية