Archived: حسن الصفدي: أما زالت هناك حضارة عربية إسلامية قائمة؟

حسن الصفدي: كلنا شركاء

يبدو أن وعي المجتمعات العربية الإسلامية ما زال يقاوم ويرفض “قوّة التاريخ” وبالتالي ينحو إلى عدم الاعتراف بالتفوّق الحضاري للغرب، مصطنعاً مبررات أخلاقية وسياسية سلفت. وللمفارقة ترى العرب المسلمون حالياً – على الرغم من رضوخهم إلى تحريم المنطق، وفق قول ابن تيمية: “من تمنطق فقد تزندق” – يضطرون “بقوّة السياسة” إلى استخدام المنطق الصوري بعد تلبيس المقدمات.

إذ سبق أن استقر في الوعي الجمعي عدم اللجوء بتاتاً إلى استخدام المنطق الجدلي الذي يُنتج متوالية أسئلة لا نريد الوصول إليها، تحاشياً للتكفير، ورغبة في استمرار أحلام الماضي المجيد خزّاناً ما نفتأ ننضح منه. فالمنطق الجدلي سيوصلنا إلى أن دورة التاريخ أفضت إلى مرحلة مختلفة، انبثقت في إهابها حضارة مختلفة هي مرحلة الحضارة الغربية بقوامها الرأسمالي.

فقد سبق ان بلغت الحضارة العربية ذروتها في عهد الخليفة العباسي المأمون. ومن بعده دخلت مرحلة تختلف جذرياً في طبيعتها ومكوناتها ومتغيراتها، لغياب المنطق العلمي – التحليلي التركيبي -.

غير أن الاعتراف بحال الأفول، وأن الحضارة العربية استنفدت أغراضها، وأن دورة التاريخ أفضت إلى مرحلة مختلفة، انبثق في إهابها حضارة مختلفة هي مرحلة الحضارة الغربية بعصرها الصناعي وقوامها الرأسمالي وفكرها اللبرالي، لم يحصل مطلقاً. بل تمّ الاعتراف فقط بتفوق الحضارة الغربية تكنولوجياً في المستويين المعرفي والمادي، وفي المجال الثقافي.

لن يجدي قول البعض إن الحضارة الغربية الجديدة تعاني من انحلال أخلاقي. لأن هذا الكلام حكم على ثقافة/ حضارة بمعايير ثقافية تنتمي إلى حضارة سالفة أفَلت بمنطقها ومعاييرها. إذ يتمثل التفوق الثقافي والأخلاقي للحضارة الغربية في جميع فروع الفن وفي الأدب والفكر السياسي والاجتماعي والفلسفي، وسيادة المنهجين العلمي والنقدي في البحث والدراسة والتحليل، كما يتمثل أيضاً في سلطة القانون ومرجعيته، وفي استقلال القضاء، وحرمة الدساتير، إلخ….

على أن الاعتراف بتفوق الحضارة الغربية يجب أن لا يؤدي إلى السعي إلى استنساخها، بغية تطبيقها في مجال ثقافي مغاير، فهذا غير مفيد على الإطلاق. إنما يؤدي الاعتراف الصريح، لا الضمني، إلى بداية نشوء الوعي الواقعي، وإدراك أن مجتمعنا خرج من إطاره الحضاري السالف، ودخل في إطار حضاري آخر مختلف، ليس من الحكمة إنكاره. هذا الاعتراف يعني القبول بانتهاء مرحلة الحضارة العربية تاريخياً أولاً، وثانياً الاعتراف بالإطار الحضاري الجديد وإنجازاته التي لا تتوقف.

اقرأ:

حسن الصفدي: دبلوماسية عربية بائسة تحمي بلادها من إرهاب الأطفال!!!….