Archived: نيويورك تايمز: أزمة اللاجئين ليست مشكلة أوروبية فقط، بل للولايات المتحدة حصة فيها

نيويورك تايمز: ترجمة فراس حواط- السوري الجديد

نجلس بعيداً عن أوروبا لنشاهد الصور الفظيعة الواردة من محطة “كلتي” للقطارات في العاصمة الهنغارية بودابست، وصورة جثة الطفل الصغير التي قذفتها الأمواج على أحد الشواطئ التركية، ونراقب العائلات السورية وهي تغامر بحياتها لتعبر ليلاً إلى الجزر اليونانية، نرى كل ذلك بينما يُقال لنا إنها مشكلة أوروبية.
لقد نتج عن الحرب الأهلية في سوريا أكثر من أربعة ملايين لاجئ، أخذت الولايات المتحدة الأمريكية ما يقارب من 1500 منهم. دخلت الولايات المتحدة وحلفاؤها في حرب مع الدولة الإسلامية في سوريا. ليستْ هناك مشكلة فالكل يوافق أن هذا التنظيم يشكل تهديداً، لكنْ ألا نتحمل نحن جزءاً من المسؤولية تجاه هؤلاء اللاجئين الهاربين من هذه الحرب؟ إنْ كنا ندعم المعارضة السورية بالأسلحة أليس من واجبنا أيضاً أنْ نساعد السوريين الذين يحاولون الخروج من ساحة المعركة؟ إنْ فشلنا في إنجاز السلام في سوريا أليس بإمكاننا مساعدة الناس الذين لم يعدْ بإمكانهم الانتظار أكثر كي يتحقق هذا السلام؟

ليست الولايات المتحدة هي الوحيدة التي تستمر بتصوير أزمة اللاجئين على أنها مشكلة أوروبية، فلننظرْ أيضاً إلى البلدان التي تُفاخر بأنها تُقدم ملجأً آمناً للمشردين، لننظرْ لكندا، بلدي لم يتجاوزْ عدد السوريين الذين منحتهم حق اللجوء 1074 شخصاً في آب أغسطس الماضي  وأستراليا؟ أيضاً لم تأخذْ أكثر من 2200 سوري. والبرازيل؟ أخذتْ أقل من 2000 سوري حتى شهر أيار مايو الماضي.

وأما دول البترول فهي الأسوأ، إذ كم كان عدد اللاجئين السوريين الذين أخذتهم دول الخليج بما فيها المملكة العربية السعودية وفقاً لآخر الأرقام الصادرة عن منظمة العفو الدولية؟ الجواب هو صفر. الكثير من هذه الدول كانت ومازالتْ تُساهم بإرسال الأسلحة إلى سوريا منذ سنوات، لكنْ ماذا فعلتْ هذه البلدان في سبيل إيواء أربعة ملايين من السوريين المهجرين؟ لا شيء. 
من تحمل وطأة هذه الأزمة هم الأتراك والمصريون والأردنيون والعراقيون واللبنانيون، ترافق هذا مع فشل مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في جمع التمويل اللازم لتحقيق أهدافها، ووصل البؤس في مخيمات اللاجئين إلى مستويات لا يُمكن تحملُها، نتيجة كل هذا قرر اللاجئون الآن بشكل جماعي ألا ينتظروا أكثر من ذلك إن لم يتحرك المجتمع الدولي لمساعدتهم، وإنْ لم تتحرك الولايات المتحدة أو روسيا لإيقاف الحرب. قرر اللاجئون أن يأتوا إلينا، وهل مازلنا نعاني من الدهشة؟
إلقاء اللوم على الأوروبيين هو مجرد ذريعة تماثل أعذارنا الأخرى، كعدم حصول اللاجئين على الأوراق المطلوبة، بأنها جميعاً مقززة.
بإمكان القيادات السياسية خارج أوروبا أنْ تلعب دوراً للخروج من حالة الشلل وتبادل الاتهامات داخل أوروبا، فبرنامج الأمم المتحدة الخاص بتسجيل اللاجئين لم يعدْ يستوعب المزيد، وتستمر بلدان مثل هنغارية بالتصريح عن عدم قدرتها على توطين كل الأعداد الموجودة. إن الحل الواضح يتمثل في قيام بلدان مثل كندا وأستراليا والولايات المتحدة والبرازيل وغيرها بالإعلان عن استعدادها لإرسال فرق عمل لبودابست وأثينا والمدن الأخرى التي تُشكل بوابات رئيسة للاجئين، لتقوم هذه الفرق بتسجيل اللاجئين هناك ومنحهم اللجوء.
من الممكن لكل بلد أنْ يُحدد قدرته الاستيعابية لكنْ بالنسبة للولايات المتحدة وكندا قد يكون من الجيد أن نبدأ بحد أدنى لا ينقص عن 25000 لاجئ سوري. (وعدت الولايات المتحدة مؤخراً أن تمنح اللجوء لما بين 5000 و 8000 سوري. إلا أن هذا الرقم مازال دون التوقعات). يُمكن للكنائس والجوامع والجماعات الأهلية والأسر أنْ تُساهم في رعاية بعض اللاجئين وتوطينهم. وفي هذه الحال ستقوم البلدان التي تقع الآن تحت العبء مثل هنغارية واليونان وتركيا وإيطاليا بقبول هذه المساعدة بكل امتنان. وعندما تأتي المساعدة من هذه البلدان ستقوم بلدان أخرى بما فيها بلدان الخليج بالشعور بالخجل وستتحمل جزءاً من مسؤوليتها.
إذاً ما هو السبب الذي يمنع قادتنا بما فيهم الرئيس أوباما ورئيس الوزراء الكندي ستيفن هاربر ورئيس الوزراء الاسترالي توني أبوت ورئيسة البرازيل دلما روزف من تقديم المساعدة؟ يعتقد هؤلاء القادة أن توطين اللاجئين سوف يدفع نحو موجات نزوح أكبر، من الممكن ألا يتمكنوا من التعامل مع الفوضى الناجمة عنها، من الممكن معالجة هذه المشاكل من خلال اتباع وسائل إدارية قوية وتحديد حصص محددة للاجئين السوريين واتباع إجراءات مُيسرة والتزام بإخراج الناس بشكل سريع.
إن عدم تحرك هؤلاء القادة يعود بشكل أساسي إلى غياب الضغط عليهم من الداخل، لكن الآن ومع انتشار الصور المؤثرة في كل مكان يمكننا أن نتوقع أن ينمو هذا الضغط.
بدون شك نحن أمام حركة كبيرة للاجئين وهذه تتطلب تجاوباً عالمياً، فإن لم تتحرك الحكومات لمساعدة اللاجئين للخروج من سوريا فإن تجار البشر سوف يتولون عملهم وهذا سوف يدفع بعدد الضحايا إلى الازدياد.
وحالما يدرك الأوروبيون استعداد أصدقائهم الديمقراطيين لتقديم المساعدة سيكون من الأسهل لهم أنْ يُبادروا ويقُدموا ما عليهم تقديمُه، وقد يؤدي الزخم إلى تعديل اتفاقية اللاجئين لعام 1951 ليكون الحق لكل الهاربين من الحروب الأهلية والدول المتفككة والمليشيات المجرمة بالحصول على الحماية ذاتها التي يمنحها القانون الآن لأولئك الذين تقع حياتهم تحت الخطر.
دعونا نتذكرْ أنه كان بإمكاننا في الماضي أنْ نُواجه بعض الأزمات، فقد أرسلتْ كندا وزيراً إلى فيينا في نهاية 1956 عند قيام الاتحاد السوفييتي بقمع الانتفاضة المجرية، وقام هذا الوزير بتقديم الدعم وإنجاز مركز للاجئين قام بمنح اللجوء لمئات المواطنين الهنغاريين وتم ترحيلهم إلى كندا. ويبدو أن الهنغاريين قد نسوا أنهم أنفسهم كانوا لاجئين يوماً ما. في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات من القرن العشرين قامت بلدان كندا وأستراليا ونيوزيلاندة والولايات المتحدة باستقبال مئات الآلاف من الفيتناميين الذين هاجروا على القوارب؛ عندها تعالتْ أصواتٌ بأن هاتين الحالتين ستؤديان إلى تدفق المزيد من اللاجئين، وهذا ما حدث بالفعل، والنتيجة هي تحول هؤلاء اللاجئين الهنغاريين والفيتناميين إلى مواطنين فاعلين.
لقد قام الهنغاريون والفيتناميون بالهجرة هرباً من الشيوعية، لكنْ ما الذي يمنع تعاطفنا اليوم مع السوريين؟ لقد تعرضوا للبراميل المتفجرة في حلب من قبل نظامهم، كما تعرضوا للتعذيب والخطف والمذابح من قبل الجهاديين والجماعات المسلحة المعارضة. لقد كانوا في مخيمات اللجوء منذ سنوات وهم ينتظرون المجتمع الدولي بأوهامه المخادعة أن يقدم لهم الدعم، والآن عندما مشوا في الطرقات واستقلوا القوارب والقطارات لم يظهرْ من قادتنا السياسيين سوى التفكير بالمزيد من الأسلاك الشائكة واستقدام المزيد من قوات الشرطة.
ماذا سيقول السوريون القابعون في الشوارع أمام محطة القطارات في بودابست عندما يفكرون بكل ما لدينا من كلام منمق عندما نتحدث عن حقوق الإنسان وحماية اللاجئين؟ إن فشلنا مرة أخرى في إثبات أننا نعني ما نقول سنكون نُساهم في خلق جيل ينمو الحقد في قلبه كل يوم.

اقرأ:

نيويورك تايمز: لا تثقوا في بوتين بخصوص سوريا