Archived: حسين العودات: شركاء في القرار السوري

حسين العودات: السفير

لم تعد السلطة السورية، منذ بضع سنوات، هي التي تحكم البلاد وتقرر مصيرها، وإنما صار لها شركاء آخرون عديدون، لكل منهم دور في التأثير على اتخاذ القرار وحكم البلاد وتحديد مسيرتها.
دخلت إيران شريكاً منذ السنة الأولى للانتفاضة، وكان دخولها في بادئ الأمر خجولاً ومتواضعاً اقتصر على دعم سياسي وتواصل وحوار مع قيادات المعارضة، ومحاولة الوصول إلى تسوية أقرب لرأي السلطة السورية ورغباتها وتقتصر على بعض الإصلاحات الطفيفة التي لا تمس جوهر النظام السياسي القائم وهيكلية الدولة، ولا تحقق شيئاً مما طرحته الانتفاضة، أعني إقامة نظام ديموقراطي تعددي تداولي. ولتحقيق هذا الهدف، اتصلت السلطات الإيرانية ممثلة بوزارة الخارجية وبقيادة «الحرس الثوري» بقادة المعارضة السورية الداخلية وتباحثت معهم حول واقع الحال في البلاد، والمراحل التي قطعتها الانتفاضة، وآراء النظام والمعارضة في الحل. وكانت السلطات الإيرانية في ذلك الوقت تحرص على الوصول لتسوية وحل يضمن مصالح النظام ويقدم شيئاً للمعارضة، أي يلحقها بالسلطة القائمة من دون أي تغيير، لا في الدستور ولا في هيكلية الدولة ولا في أساليب النظام في الحكم، وخاصة في صلاحيات الأجهزة الأمنية وقساوة القبضة الأمنية في سوريا، والأحكام العرفية، وممارسة الاعتقالات كيفياً وما يشبهها، أي استمرار النظام نظاماً شمولياً دون إجراء أي إصلاحات حقيقية عليه، والاكتفاء بإصلاحات شكلية على آلية الحكم وأسلوبه. ولكن المحاولات الإيرانية الأولى هذه لم تنجح بسبب عدم أخذها متطلبات المعارضة بعين الاعتبار أو في إقناع أهل السلطة بالقبول بإجراء إصلاحات حقيقية على النظام السياسي. وبسبب فشل السلطات الإيرانية في تحقيق أهدافها زاد تورطها أكثر فأكثر في الأزمة السورية، سواء بتقديم المساعدات الاقتصادية والمالية (وخاصة النفط)، أم في المشاركة العسكرية منها ومن حلفائها مع الجيش السوري في قمع الانتفاضة. وبعد أن غاصت السلطة في استخدام العنف ضد الشعب السوري، كانت بداية حرب داخلية بين النظام وفصائل من المعارضة المسلحة، وبالفعل دخل مقاتلو «حزب الله» إلى سوريا وتعاونوا مع الجيش السوري، وأعطت السلطات الإيرانية لنفسها الحق بالتدخل في السياسة السورية العليا والمشاركة في اتخاذ القرار.
هناك شركاء آخرون في اتخاذ القرار في سوريا، أعني بهم المنظمتين الإرهابيتين الرئيستين («النصرة» و «داعش») حيث تسعى «النصرة» لتحقيق انتصارات على الأرض تقنع الولايات المتحدة أنها مفيدة لها كي ترفع عنها سوط الإرهاب وتدخلها شريكاً في العملية السياسية والعسكرية في سوريا، وتسعى «داعش» من جهتها لتوسيع نفوذها وانتزاع الاعتراف بها طرفاً شريكاً للقوى صاحبة القرار في سوريا، وإجبار الباحث عن تسوية في سوريا كي يأخذ في اعتباره «داعش» وظروفها وقوتها ووجودها السياسي والعسكري في البلاد. وعلى أي حال، فقد أصبحت هاتان المنظمتان الإرهابيتان طرفين مؤثرين في اتخاذ القرار السوري وشريكين للسلطة السورية في اتخاذه.
هناك طرف آخر أكثر فعالية في اتخاذ قرار التسوية وفي التسوية نفسها أعني به الجماعات السورية المسلحة، سواء في الجنوب أم في غوطة دمشق أم في حلب أم في غيرها، وينبغي أخذ هذه المعارضة المسلحة وتواجدها وظروفها بعين الاعتبار، حيث يتعذر أيضاً تحقيق تسوية مهما كانت من دون موافقتها ورضاها.
جاء الشريك الروسي متأخراً، ومع أنه بدأ بدعم السلطة السورية والانتصار لها منذ الأيام الأولى للانتفاضة التي سمتها السياسة الروسية تمرداً على النظام، وعطلت مجلس الأمن عن اتخاذ أي قرار ضد السلطة السورية، وقدمت المساعدات العسكرية للسلطة بلا حدود تحت مبرر أنها تنفذ عقوداً قديمة، وباختصار تولت منع المنظمات الدولية من اتخاذ أي قرار يلزم هذه السلطة بأي شيء، ولكنها في الوقت نفسه استمرت في التواصل مع قيادات المعارضة، وكانت تطرح أمامها وجهات نظر معتدلة وأحياناً مؤيدة لهذه المعارضة. وقد سمعت وفود المعارضة المسؤولين الروس يؤكدون عشرات المرات أنهم لا يدافعون عن رموز السلطة بل يحرصون على حماية مؤسسات النظام خلال المرحلة الانتقالية وبالتالي منع حدوث فوضى، ويقولون إنه لهذا السبب يريدون تحقيق الانتقال بوجود رموز السلطة للحفاظ على الدولة وأركانها ومؤسساتها. وهذا ما بلغوه لمختلف فصائل المعارضة السورية بلا استثناء، وأكدوه مرة أخرى في مؤتمري موسكو اللذين جمعت السياسة الروسية لكل منهما معارضين ليسوا بمعارضين، حازوا رضى النظام وترحيبه، وكان معظمهم خلال المؤتمرين ملكيين أكثر من الملك ومتشددين أكثر من النظام.
وأخيراً تورط الروس بما هو أكبر من ذلك وأخطر، أي لم يكتفوا بإرسال أسلحة للسلطة السورية ودعمها في المحافل الدولية وتعطيل قرارات مجلس الأمن ضدها، بل أرسلوا قوات عسكرية لتثبيت السلطة ومنع انهيارها، خاصة بعدما بدا أنها تتراجع عسكرياً في مختلف مناطق سوريا، وبرغم أن هذه القوى العسكرية الروسية وصلت إلى سوريا، لكنها حتى الساعة لم تدخل في الصراع المسلح مباشرة، وتنكر القيادة الروسية أن لقواتها العسكرية مثل هذا الهدف الذي اعتبره رئيس الولايات المتحدة أمراً خطيراً لكنه سيلاقي الفشل. وعلى أي حال سواء تدخل الروس أم لا، فإن هذا الإجراء هو بداية تورط في الأزمة السورية. ومن المهم في هذا المجال التذكر أن التدخل العسكري الأميركي في فيتنام بدأ بخبراء وعشرات الجنود ثم عشرات الألوف منهم ثم وقعت الكارثة للأميركيين. والأمر نفسه في التدخل السوفياتي في أفغانستان الذي بدأ متواضعاً وبالاتفاق مع السلطة الأفغانية، ثم تطور وبلغ عشرات الألوف من الجنود. وواجه الاتحاد السوفياتي بنهايته كارثة محققة عسكرية واقتصادية كان لها دور أساس في انهياره. وعلى أي حال أصبحت السياسة الروسية بعد هذا كله شريكاً مباشراً في القرار السوري لا يقل عن الشراكة الإيرانية، وتبين من ممارسة الروس هذه السياسة، أنهم يقومون بمغامرة من الصعب تحديد مداها وتلمس نهاياتها. وكشف الروس عن أن وعودهم للمعارضة وأقوالهم أمامها ما هي إلا أقوال غير جادة ولم يأخذها أصحابها بعين الاعتبار ويصعب بعد الآن أن يزعم الروس أنهم على بعد متساو من المتصارعين في سوريا. بقي آخرون يشاركون السلطة السورية في اتخاذ القرار وهم الأطراف العربية كالسعودية والأردن ومصر وقطر وغيرها، والدولية كالولايات المتحدة وتركيا والدول الأوروبية. وهذه جميعها لها تأثير في التسوية المحتملة أو المقبلة، ويمكن اعتبارها شريكاً فعالاً للسلطة السورية في اتخاذ القرار.
وهكذا أصبح حل المأساة السورية بيد من هم خارج الحدود، وخاصة بعد تفجر نزوح اللاجئين السوريين وضغطهم ليس فقط على الضمير العالمي، وإنما أيضاً على الظروف السياسية الدولية وتوازناتها.
لقد غدا للقرار السوري أكثر من صاحب، ولم تعد السلطة السورية وحدها هي صاحبته ولا المعارضة أيضاً. وكل منهما له دور يقل أو يزيد قليلاً عن دور الشركاء الآخرين. ولعلها الأزمة الأولى في عصرنا التي ليس لصاحبها أو المكتوي بنارها أو المتأثر بها الدور الأساس في حلها أو اتخاذ قرارها.
بديهي أن كلاً من أصحاب القرار هؤلاء يعمل من خلال مصالحه ويتبنى الحل الملائم لهذه المصالح، ولعل هذا هو السبب الرئيس في عدم الوصول إلى حل طوال الفترة الماضية، لأن هذا الحل يقتضي أن يربح الجميع. وما دامت هذه القوى لا تدفع ثمناً غالياً في الأزمة المستمرة، فإنها تنتظر ظروفاً مناسبة لتحقيق مصالحها، ذلك أن كلاً منها يغني على ليلاه ولا يجد الشعب السوري من يغني له أو يأخذ مصالحه بعين الاعتبار.