on
Archived: باسل العودات: هيئة التنسيق.. والمواقف المجانية
باسل العودات: المدن
قبل أن يُعلن النظام السوري، وبقية أطراف المعارضة السورية، موقفهم النهائي من خطة المبعوث الأممي لسورية ستيفان دي مستورا المستندة على تشكيل أربع مجموعات عمل غامضة الأهداف والأسلوب، سارعت هيئة تنسيق قوى التغيير الديمقراطي المعارضة في سورية، والتي تُسمّى معارضة الداخل، للإعلان عن موافقتها على خطة المبعوث الأممي، بل وقدّمت لائحة بأسماء من تريدهم أن يشاركوا في اللجان، وقالت (بتواضع واضح) إنهم يتمتعون “بالاختصاص والكفاءة والخبرة”.
لم يُقنع دي مستورا أحداً بجدية خطته وشموليتها وصوابيتها إلا هيئة التنسيق، ولم يُعلن بعد أحد ـ لا النظام ولا المعارضات ـ عن موقفه النهائي منها، وحتى المعارضة التي تتغنى بهذه المبادرة وضعت أسئلة تنتظر إجاباتها، كما لم تُعلن الدول (الصديقة للشعب السوري) أو (العدوة له) عن حسم أمرها بتبني هذه الخطة، وحدها الهيئة هي التي حسمت أمرها واتخذت قراراً مصيرياً يتعلق بمصير 24 مليون سوري.
من المفترض أن تكون الهيئة التي لطالما اتهمتها بقية القوى الثورية بأنها “رخوة”، قد بنت موقفها من خطة دي مستورا بناء على معطيات ودراسات معمّقة أجراها أولئك “المختصون والأكفاء والخبراء”، وتوصّلت إلى أن هذا المشروع جيّد ويُقرّب الحل في سورية، ولا يهدف لإضاعة الوقت ولا لتشتيت البوصلة، ولا لإعادة تأهيل النظام، ويضمن تحقيق الحد الأدنى على الأقل من تطلعات أصحاب الثورة، ويحمل في طياته من الضمانات الدولية ما يكفي لإرغام الأطراف على تنفيذ النتائج.
إن توصّلت الهيئة بالفعل لهذا الاستنتاج وهذه الخلاصة الضرورية فإن الأمر يثير الإعجاب بقدرتها على الاستقراء وتفكيك العُقد وقراءة ما بين السطور، ولدى قيادتها السياسية والتنفيذية في الداخل والمهجر من الخبرات السياسية ما يمكّنها من تفكيك أزمات سياسية معقّدة بيسر وبساطة أخفتها طوال سنوات خمس هي عمر الهيئة. لكن ما يدعو للتريث بإطلاق هذا الحكم أن جميع قوى المعارضة السورية الكبرى والصغرى، وجميع القوى الثورية على اختلاف إيديولوجياتها، وكل الدول المعنية والمؤثرة وحتى المتورطة بالأزمة السورية، ومعها تقريباً كل الدول الأوربية، لا ترى في الخطة التي تبناها دي مستورا أياً مما رأته هيئة التنسيق، أو على الأقل من باب الحنكة السياسية ورفع الثمن التفاوضي وإحراج النظام وحلفائه لم تُعلن عن تأييدها الكامل والمطلق والمجاني لهذه الخطة.
حتى الآن، كل المواقف المُعلنة من الآنف ذكرهم تؤكد على أن مبادرة الرجل الإيطالي ـ السويدي تهدف لإضاعة الوقت، وتدور حول المشكلة ولا تدخل بصلبها، وتأخذ عليها أنها لا تحدد مدة زمنية لأي مرحلة، وتتدخل بتحديد أعضاء وفد المعارضة، ولا تحوي أي بند مُلزم لأحد، ولا تُلمح بأن هناك إجراءات ضد من يُفشلها عنوة، ولا تُعطي الهيئة الحاكمة الانتقالية إلا صلاحيات جزئية ضاربة بعرض الحائط بيان جنيف وتُلغي بذلك المرجعية الدولية الوحيدة المتفق عليها، وتُهمّش هذه الهيئة كلّياً بعض القضايا، وتدعو للمشاركة مع النظام لمحاربة (الإرهاب) قبل أي تغيير سياسي ملموس، وتُبقي الرئيس السوري بصلاحيات بروتوكولية على الأقل وهو أمر مثار جدل بعد نصف مليون قتيل، وتتيح للنظام صاحب الباع الاستخباراتي والأمني أن يُشارك بقوة برسم مسار سورية القادمة قبل أن يتحيّد سلاحه، وغيرها الكثير. يبدو أن الهيئة لم تر أن أياً من هذه الانتقادات ذات معنى، وأنها هامشية للدرجة التي يجب تجاهلها كلياً، وهذا يُفسّر موافقتها بلا شرط وعدم وضعها لأي تحفّظ عندما أعلنت موافقتها، وربما كانت سبّاقة في رؤية ما لم يره الجميع.
بعيداً عن كل الاتهامات التي تُطلق عليها بقربها من النظام وتماهيها معه وغير ذلك من الاتهامات غير العادلة والبعيدة عن الحقيقة بواقع الأمر، فإن الهيئة اتّسمت خلال السنتين الأخيرتين بمسار انحداري، وتمسكت بثلاثية (لا للعنف ولا للطائفية ولا للتدخل الأجنبي) وأغمضت عينيها عن كل شيء آخر، ولم تحاول إعادة دراسة خطابها السياسي ليتماشى مع تطورات الأزمة السورية، فبعد ستة أشهر من اندلاع الثورة السورية وضعت مبادئها ولم تُغيّر فيها قيد أنملة رغم تغير كل المعطيات والظروف.
كذلك عانت الهيئة من فوضى تنظيمية وانسحابات وانشقاقات وحروب داخلية، وكثافة تصريحات إعلامية متضاربة لشخصياتها بعضها صادم للرأي العام، ولم تحاول التواصل مع ما يطرحه الناس في الشارع، وارتكز النظام على كثير من طروحاتها ليبرر ما يفعل، وقدّمت للروس على طبق من ذهب الغطاء السوري المعارض الذي كانوا يبحثون عنه لدعم النظام بلا حدود، ولم تحاول أن تستخدم بضع أوراق قوة بسيطة كانت تمتلكها للحصول على أي مكسب للثورة مهما كان صغيراً.
تحالفت الهيئة مع أطراف على صلة بالنظام كالاتحاد الديمقراطي الكردي، ومع أطراف من إفرازات النظام كحزب الإرادة الشعبية، وتذبذبت علاقاتها صعوداً وهبوطاً بالمنبر الديمقراطي وتيار بناء الدولة وغيرها من المعارضات الوسطية، وحاولت التوافق مع الائتلاف فأوشكت الخلافات الداخلية أن تفجرها، وشاركت وأيّدت مؤتمرات موسكو والقاهرة وباريس وبروكسل، وكلها مؤتمرات متناقضة إلى حد بعيد، وبالعموم ابتعدت الهيئة عن الشارع وفقدت رصيدها ـ المتواضع بالأساس ـ في الشارع السوري.
ربما سارعت الهيئة على الموافقة دون تحفّظ على خطة دي مستورا لتحجز لها مكاناً قبل أن يبحث الرجل عن غيرها للمشاركة في لعبته طويلة الأمد، لكن بتسرعها هذا خلعت الهيئة ثوبها قبل بدء معركة التفاوض الجدي، ووافقت على الدخول بلعبة المتاهة، وهي الآن جاهزة دون شك لتقديم المزيد من التنازلات في ميدان صراع الإرادات السياسية، وهي تُقرّ بأن حل الأزمة السورية سيأتي دون رحيل السلطة الحاكمة أو محاسبتها. مع استبعاد وجود علاقة عضوية بين هيئة التنسيق والنظام، يبدوا أن الهيئة تعتقد أن مجرد وجودها داخل سورية يعطيها حصانة وصدارة لتمثيل السوريين، وأن مبادئها السياسية كتاب مقدّس لا يُمسّ، وأن الشارع شعبوي لا يفقه بالسياسة، وأن الثورة زينة ووسيلة للمشاركة بالحل السياسي، وتُخطى أيّما خطأ حين تعتقد أنها بمواقفها البائسة والمتسرعة ستكون الصوت السوري الوطني الذي ينتظره السوريون لاستحضار المستقبل.