on
Archived: د. حبيب حداد: هل تعود سورية دولة مدنية ديمقراطية موحدة لكل مواطنيها (١-٣)
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
هذا هو السؤال الذي لاشك ان كل سوري يطرحه على نفسه الآن في هذه المرحلة العصيبة . وهو في الواقع السؤال الذي لم يطرحه السوريون على انفسهم منذ استقلال وطنهم عن السيطرة الاستعمارية المباشرة قبل حوالي سبعة عقود .انه السؤال الذي يضع الشعب السوري خلال هذه الحقبة أمام امتحان مصيري لمقومات هويته ووجوده من جهة ,ولقدرته ومدى استعداده لكسب رهانات المستقبل وبناء الغد الذي يستحقه من جهة أخرى . السوريون داخل وطنهم ,والسوريون في الشتات الذين يلقون من صنوف والوان العذاب والمهانة والهوان ما لم يلقه غيرهم من الشعوب منذ نهايات الحرب العالمية الثانية, اذ لأول مرة تندمج معاناتهم ويرتبط مصيرهم بهذا الشكل مع مأساة ومصير وطنهم ,.والواقع ان كل الشعوب العربية بل وكل احرار العالم الذين تعز عليهم قيم الحرية والعدالة والديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها انما يراودهم مثل هذا التساؤل ويتحسسون هموم الشعب السوري وأوجاعه ويأملون أن تنتهي هذه الأوضاع الكارثية في أقرب أمد ممكن . ان الإجابة على هذا السؤال المركزي المتعلق بحاضر وطننا ومستقبله يقتضي منا ان نحاول الإجابة قبل ذلك على عدد من الأسئلة الممهدة التي لابد من طرحها على انفسنا كي نتعرف على الأرضية الموضوعية , بكل معطياتها وتعقيداتها وبكل عواملها المؤثرة :المحلية والإقليمية والدولية , التي تساعدنا على التقييم الصائب والتوقع المنطقي للاحتمالات المستقبلية التي تنتظر سورية .و من وجهة نظرنا فان أول هذه الأسئلة ينبغي ان يتناول تقييم الواقع الراهن الذي تعيشه سورية بعد انقضاء اربع سنوات ونصف على انطلاقة ثورتها التحررية الوطنية من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ,وثاني هذه الإسئلة الذي يتطلب قدرا من الوعي وصحوة الضمير من قبل مختلف أطراف المعارضات السورية هو :هل كانت المأساة التي تعيشها سورية اليوم بعد انجرار هذه الثورة الى العسكرة وانحرافها عن مسارها الطبيعي و ما ادى اليه ذلك من تمزيق مجتمعنا واستباحة الأرض السورية من قبل كل القوى والجماعات الارهابية الطائفية , هل كان ذلك قدرا محتوما ما كان بالإمكان تجنبه , ام لم يكن بمقدورنا, ولم يكن لنا أي دور نحن المعارضات السورية وخاصة معارضات الخارج في وصول مجتمعنا الى الوضع المأساوي الذي هوعليه اليوم ,. أما ثالث هذه الأسئلة فيتعلق طبعا بامكانات سورية وطاقاتها البشرية والحضارية والاقتصادية بعد ماحل بكل بنى مجتمعها من خراب , وما يؤمل من دعم المجتمع الدولي في اطارتحمل مسؤولياته في وقف هذه الحرب الكارثية و في اعادة البناء والاعمار كي تنهض الدولة السورية من كبوتها وتواصل السير نحو التنمية و تحقيق تطلعات شعبها . نعم لا بد من الاجابة على هذه الأسئلة أولا بصورة منطقية وعقلانية ,وهذا يستدعي أن نكون صادقين مع أنفسنا ومع شعبنا ومع الرأي العام العالمي حتى نستعيد ,نحن المعارضات السورية , اذا امكن لنا بعد أن نستعيد , قدرا من ثقة شعبنا المفقودة نتيجة تشرذمنا وانقساماتنا ومواقفنا وممارساتنا المتعارضة مع مصالح شعبنا الوطنية, ونتيجة تسابق معظمنا الى الإنخراط في اجندات الأطراف والقوى الاقليمية والدولية . باختصار ان الاجابة المتعلقة باستشراف مصير ومستقبل وطننا ,الذي هو الهم الدائم والشغل الشاغل لكل سوري اليوم ,والذي هو صراع بين الأمل المرتجى واليأس المضني .والدروس والعبر التي تقدمها تجارب كل الشعوب التي مرت بمثل هذه المنعطفات الصعبة , تدلنا ان نجاحها في تجاوز تلك الظروف , لم يكن يتوقف اساسا على ارادات ومساعدات غيرها , وانما كان سبيلها لتجاوز أزماتها وتحقيق اهدافها الانطلاق من تشخيص واقعها تشخيصا موضوعيا سليما ومعرفة عللها ومشاكلها وتحديد اسبابها ومسبباتها والانطلاق في ضوء ذلك على اساس رؤية صحيحة ,لتدارك وضعية التأخر ومواكبة مسار العصر .
أولا – لابد لمختلف اطراف المعارضة الوطنية السورية كي تنجح في التوافق حول رؤية استرتيجية موحدة لمضمون واهداف المشروع الوطني الديمقراطي وفي توحيد برنامج عملها وتجميع جهودها , من ان تنطلق من تشخيص موضوعي للواقع الذي تعيشه سورية اليوم بعد انقضاء حوالي اربع سنوات ونصف على انطلاقة ثورتها المطالبة بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية . لقد مرت هذه الثورة كما اصبح معروفا للجميع بمراحل متعددة وتعرضت لتحديات ذاتية داخلية ,واخرى خارجية ساهمت كلها في حرفها عن مسارها الطبيعي وفي تشويه صورتها و هويتها واغتيال الأهداف التي قامت من اجلها ,.فمنذ ان تمت مواحهة الحراك الشعبي المدني السلمي من قبل النظام بالأسلوب القمعي الوحشي وبعد الاعتقالات والتصفيات التي طالت معظم قيادات هذا الحراك لم يعد هناك مجال متاح لأي من وسائل الاحتجاج والتظاهر والتعبير السلمي الذي انكفأ الى حالة من الكمون والترقب والتهيب ,وهذا ما هيأ المقابل المناخ والحاضنة لبروز العمل العسكري المسلح وتوافد المجموعات الارهابية الطائفية سواء تلك التي تقاتل الى جانب النظام ام تلك التي تقاتل في مواجهتة مستغلة اوضاع سورية الصعبة لاستكمال تدميرها واقامة اماراتها ودويلاتها المعادية لكل القيم والشرائع الوطنية والدينية والانسانية على أنقاضها على انقاض تدمير المجتمع السوري . ان التشخيص الصحيح لمعطيات الواقع السوري اليوم وتعيين الاسباب التي قاد ت الى هذا الواقع هوقاعدة الانطلاق نحو وقف المأساة السورية .ان استمرار التغني بالشعارات وطرح الحلول التي تصدر عن رغباتنا الذاتية ولا تتوجه الى معالجة أعماق و ابعاد هذه الأزمة لن يكون من شأنها الا اطالة امد معاناة شعبنا .اذا لم نحدد ونعترف بأسباب هذه الأزمة الفعلية , فسيظل الوعي السياسي الذي يقودنا ويوجه عملنا يدور في الحلقة نفسها التي قادت الى اعادة انتاج وتكريس تخلف مجتمعاتنا العربية والى اتساع الهوة التي تفصلنا عن العالم المتحضر . لا يمكن للمجتمعات التي ماتزال تعيش وضعية التخلف ان تقتنع بان التعويض عما فاتها من تطور ورقي وتقدم يمكن ان يتحقق باستعادة امجادها الماضية والعودة الى تراثها واعتباره صورة مستقبلها المنشود الذي ينبغي ويمكن صنعه من جديد , اذا لم تدرك النخب الفكرية والسياسية العربية طبيعة واساب تخلف بنية مجتمعاتها التي تكونت نتيجة العطالة التاريخية لعملية تطورها الطبيعي وعدم مواكبة المسار الذي عرفته شعوب أخرى طوال العصر الحديث وبخاصة في القارة الأوربية فإنها لن تتمكن من وضع اقدامها في الطريق المجدي وتدارك حالة التأخر بتأسيس نهضة شاملة في مجتمعاتها في مستوى العصر . لقد كان دافعنا الى ايراد هذه المقدمة الوجيزة ان نسلط الضوء على بنية مجتمعاتنا العربية التي لم تشهد تطورا نوعيا اواصلاحا جذريا طوال القرن الماضي وجتى وقتنا الحاضر , وبخاصة تلك المجتمعات التي شهدت انتفاضات ما عرف بالربيع العربي ومنها سورية بطبيعة الحال , وذلك حتى نتببين ونعي طبيعة الأسباب العميقة التي اعاقت تلك الانتفاضات عن مواصلة سيرورتها وانجاز التحول الاجتماعي الديمقراطي الذي قامت من أجله .هنا في رأينا تكمن اسباب أوضاعنا المأزومة قبل ان نلقي باللائمة على القوى الأجنبية والأطراف المعادية .لقد ظل الطابع العام لهذه المجتمعات كماهو معلوم الطابع التقليدي مع تفاوت نسبي بالتأكيد بين بلد وآخر فلا يمكن مقارنة اوضاع المجتمع المصري او السوري مثلا بما هي عليه الحال في كل من اليمن وليبيا ,وبالمناسبة وعلى سبيل المقارنة هنا فقد كانت مصر متقدمة في مستوى تطورها على اليابان نهاية القرن التاسع عشر, كما كان نصيب الفرد من الدخل القومي حسب احصاءات الامم المتحدة في سورية في نهاية ستينات القرن الماضي اعلى مما كان عليه في كوريا الجنوبية. لكن السمة العامة لهذا المجتمعات التقليدية انها لم تدخل بعد مرحلة الحداثة ولم يتم استيعاب قيم الحداثة ومناهجها وطرائقها في كل قطاعات المجتمع :السياسة والاقتصاد والاجتماع والدين والدولة والحريات العامة وحقوق الانسان .لقد ظل اقتصاد البلدان العربية بصورة عامة اقتصادا ريعيا وليس ثمرة الجهد والعمل في قطاعات التنمية الأساسي كالزراعة والصناعة والبحث العلمي ,فالمجتمعات العربية تستهلك منتجات الحداثة العالمية المادية والتكنولوجية والانسانية ولا تساهم في صنعها حتى الآن . و لا يزال يقتصر دور بلداننا على كونها مصدرة للمواد الخام وفي مقدمتها النفط ,’وسوقا استهلاكية لمنتجات الدول الصناعية . ونتيجة للتطور المعاق في بلداننا فقد اصبحت مجتمعاتنا طاردة لأكبر رأسمال لديها ولعماد نهضتها الأساس المتمثل بنزيف الأدمغة والكفاءات وهجرتها الى دول الغرب لتشارك في رقيها وتقدمها .وقد ترافق ذلك بتدهور الطبقة الوسطى وتراجع دور المجتمع المدني الأمر الذي أدى الى صعود الاسلام السياسي وتشكيل الحواضن الملائمة لنشوء التيارات المتشددة والمتطرفة وخاصة منها مجموعات الإرهاب التكفيري ..والخلاصة فان بنى المجتمع التقليدي قد شكلت حتى اليوم عقبة كأداء وحالت دون مواصلة عملية التنمية البشرية المستدامة ودون قيام انظمة الحكم المدنية الرشيدة التي تكرس مبدأ المواطنة الحرة المتساوية .واذ تم في العديد من الدول العربية تحديث فوقي لبعض القطاعات مثل السياحة ,واستخدام وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي فإن قيم الحداثة ومؤسساتها وطرائقها بقيت هامشية وسطحية لم تنفذ الى اعماق بنية المجتمع ولم تستوعب وتتمثل في الوعي الجمعي وفي السلوك الشعبي العام , مثل قيم الحرية والعقلانية والديمقراطية والعلمانية ,حرية الاعتقاد والضمير وحرية التفكير والتعبير وغيرها من القيم الكونية المشتركة التي أضحت توحد مصائر المجتمعات الانسانية ,كما ظلت مؤسسات الحداثة مثل الصحافة ووسائل الاعلام والاحزاب السياسية, وهيئات المجتمع المدني كما اسلفنا, ومراكز البحوث والدراسات هامشية الدور او محدودة الفعالية وتحت الرقابة الدائمة للسلطات الحاكمة .نتيجة هذا الوضع المأزوم والمتخلف للمجتمعات العربية ونتيجة اخفاقها في تحقيق المشاريع النهضوية التي طرحت في اكثر من بلد عربي منذ نهايات القرن التاسع لم يكن امرا مستغربا ان تواجه انتفاضات الربيع العربي التي جاءت تعلي رابطة الهوية وتعتصم بعروة الوحدة الوطنية وتؤسس لدولة المواطنين الأحرار ,بالهجمة الشرسة لكل النزعات والعصبيات ماقبل الوطنية من طائفية ومذهبية واثنية وجهوية وعشائرية . هكذا لم يمض الا عام واحد على انطلاقة الانتفاضة الشعبية السورية حتى وجدناها تنحرف عن مسارها الصحيح ويتمزق اطارها الوطني الاجتماعي لتأخذ بعد هذا ,بفعل العوامل الداخلية التي ذكرنا وبفعل تدخل القوى والأطراف الخارجية ,طابع الحرب الأهلية الطائفية والمذهبية والجهوية بابعادها الاقليمية والدولية ولتنطبق عليها مقولة توماس هوبز بعد ان اصبحت حرب الجميع ضد الجميع .
اقرأ:
د. حبيب حداد: أزمة النخب العربيةالراهنة , بين الوعي والسلوك