Archived: باسل العودات: (الفهلوية) الروسية

باسل العودات: المدن

أرسلت روسيا خلال هذا الشهر طائرات شحن عسكرية مُحمّلة بالعتاد العسكري والأسلحة المتطورة والذخائر، كما أرسلت خبراء وجنوداً من الجيش الأحمر (سابقاً)، وعدّلت مواصفات مطارين على الأقل في اللاذقية وطرطوس معاقل النظام لتستخدمهما كقاعدة جوية عسكرية، وأنشأت بنى تحتية لمبان تتسع للمئات من جنودها، وأرسلت طائرات حربية وحوامات متعددة الاستخدام لتملأهما، ونشّطت قاعدتها البحرية الصغيرة في طرطوس، و(تمخترت) سفنها الحربية في شرق المتوسط وقامت بمناورات لقوات البحرية.

تزامن التحرك الروسي مع تشديد القيادة الروسية على أنها ستستمر في نهجها الداعم للنظام السوري، وارتفعت نبرتها لتُهدد من يعترض على هذه الاستراتيجية، ولوّحت بأنها مستعدة لإرسال حفنة من جيشها لحماية الأسد شخصياً، وزادت عنجهيتها وتكبرها على المعارضة السورية وعلى كل مُعترض على النظام مهما صغُر شأن اعتراضه.

بالمقابل لم يصدر عن الولايات المتحدة أي اعتراض عملي، فكانت هناك احتجاجات وتخوفات وتحذيرات دبلوماسية، واعتراف بالفشل، الفشل في بناء قوى سياسية معارضة ذات معنى أو قيمة، والفشل في تدريب مقاتلين معتدلين، والفشل في إقامة مناطق عازلة، والفشل في مكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وفي منع استقطاب الإرهاب العالمي لسورية، والفشل في منع النظام من القتل الجماعي أو منع استخدام أسلحة الدمار الشامل، وكذلك الفشل في مواجهة موجات اللجوء والهجرة والتشرد.

استنفر محللون عسكريون وسياسيون غربيون لتحليل الاستراتيجية الروسية، كما اجتهد السوريون ـ معارضة ومولاة ـ في تحليل هذه الخطوة، وربطها كثيرون بالمواقف الأمريكية والإقليمية، وبالأوضاع الميدانية، وبميزان الربح والخسارة العسكري والسياسي والاقتصادي الإقليمي والدولي، وكثرت الافتراضات والاحتمالات، ورُسِمت (خوارزميات) لا نهائية، من تابعها ضاع في متاهات التحليل والترجيح والتفسير والمقارنات السياسية والعبر التاريخية، وأصيب بالإحباط واليأس من إمكانية تحقيق تغيير للنظام ولا حتى إصلاح طفيف داخله.

بتقاطع كل التحليلات والافتراضات، بدءاً من الأكثر شمولية واقعية منها وصولاً إلى الأكثر سطحية وهشاشة، يمكن تلخيص التحرك الروسي باحتمالين لا ثالث لهما، منطلقاتهما مختلفة ونتائجهما متناقضة، لكنهما يصلحان للبناء عليهما.

الاحتمال الأول أن روسيا وأمريكا متفقتان من حيث المبدأ، لكن لا أحد يعرف تفاصيل الاتفاق، إلا أنه لا يمكن أن يكون اتفاقاً لصالح روسيا وحدها، إذ لا يمكن لأي طرف منفرداً شراء شرق المتوسط، فقلب العالم القديم مركز توازن ويجب أن يبقى كذلك، والولايات المتحدة ليست من الضعف بمكان لتتخلى عنه ببساطة، فالأمر لا يتعلق بمن تصل قواته العسكرية لمطار اللاذقية أولاً، ولا لمن يُرسل بشكل أسرع فرقاطة وعشر طائرات ومئتي جندي، وعليه لابد أن يكون الاتفاق مرضياً لكل الأطراف وعلى رأسها الشعب السوري الذي فقد مليوناً منه، ودُمّرت بيوته وقراه وبلداته، وتشرد ربعه، وبالتالي، وبافتراض صحة هذه الفرضية، على السوريين الاطمئنان بأن الخطوة الروسية ستوصلهم لمبتغاهم وستُغيّر النظام ولو على مراحل أو بعد حين في وقت مناسب لكل الأطراف.

الاحتمال الثاني أن روسيا وأمريكا غير متفقتين، وهذا يعني أن ساكن الكرملين تصرّف من بنات أفكاره، وربما اعتقد أن هذه الخطوة ستُرعب المعارضة السورية وتُجبرها على الموافقة على أي حل سياسي يُبقي الأسد والنظام بل وربما سترجوه أن يُبقي ميليشيات إيران أيضاً، كما اعتقد أن هذه القواعد العسكرية المتقدمة ستشلّ مقاتلي المعارضة وتدفعهم لحل فصائلهم والهروب قبل أن يصل (رامبو) الروسي، وبالتالي فإن روسيا بخطوتها (الفهلوية) ستُنهي 75% من الأزمة، ولم يبق أمام طلائع جيشها وخبرائها وبقايا جيش النظام (أو أشلائه)، إلا القيام ببضع غارات موجّهة مكثّفة مركّزة تُنهي تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة والفصائل الإسلامية المتشددة وفصائل الجيش السوري الحر والثائرين السوريين والمحتجين وحتى الرماديين، وستدفع السوريين لرفع الرايات البيضاء والاستسلام للدب الروسي، وبهذه الحالة أيضاً على السوريين الاطمئنان بأن الخطوة الروسية ستوصلهم لمبتغاهم، ولكن ربما سيُدرك الروس أن لا أحد في سورية يصدق أنهم حريصون على الدولة لا على النظام، ويقتنعون أن مقاومة مشروعهم طويلة مستمرة مدمرة لبقايا الدولة، ويكتشفون أنهم لم يتدخلوا في سورية بل تورطوا بها.

اقرأ:

باسل العودات: هيئة التنسيق.. والمواقف المجانية