on
Archived: أكرم البني: عبث المفاضلة بين الأديان والمذاهب وخطورتها
أكرم البني: الحياة
أن يتباهى متزمت مسيحي بدينه لأن ثمة لاجئين هاربين من أتون العنف، اعتنقوا المسيحية فور وصولهم إلى بلاد الهجرة!، أن تُنبش من الماضي الدموي أحداث وشعارات يزيد عمرها عن ألف عام لتسعير الصراع بين المذاهب والطوائف!، أن يقدم متطرف إسلاموي على ذبح أخيه الإنسان أو يحرقه حياً من دون أن يرف له جفن!… هي ظواهر ما كانت لتتكرر وتنتشر اليوم لولا تفشي حروب وصراعات تلبس لبوساً دينية أو طائفية، يحدوها حضور مخيف لدعاة مغرضين من مختلف المعتقدات والمذاهب يسعى كل واحد منهم لرفع معتقده أو مذهبه إلى عنان السماء على أنه الحق والعدل ومسخ كل ما عداه على أنه ضلال وكفر، فكيف الحال إن كان بعضهم يتوهم أن الله قد اصطفاهم من بين العالمين لتطهير الأرض من دنس الكفار والمرتدين والمفسدين!
هو جهد عبثي ويتناقض مع جوهر الرسائل السماوية، اجترار اجتهادات هزيلة وسطحية تظهر ديناً أو مذهباً معيناً على أنه الحق المطلق وتبحث عن ثغرات ومثالب للطعن بأفكار وقيم يحملها دين أو مذهب مختلف لتشويهه أو التشكيك به! فكل معتقد هو في عرف أهله وأتباعه الحق المطلق أيضاً وما سواه باطل، ولن تغير المحاجّات المنطقية أو المفاضلات الفقهية هذه الحقيقة ولا حتى وسائل الضغط والغصب والإكراه، هذا إن لم يشكل الاستهزاء بالديانات الأخرى أو تسخير الترهيب والعنف لإجبار الناس على القبول بمعتقد أو مذهب معين، أرضاً خصبة لتصاعد مشاعر البغض والضغينة، ولتدمير روابط التعايش والتآخي بين الناس، وجر البشرية نحو حلبات الاقتتال والتدمير!
واستدراكاً، ألم يفضي القسر والاضطهاد إلى تقوية تمسك الجماعات بأديانها ومذاهبها وتعزيز تطرفها وتعصبها وتالياً إيمانها بأنها على حق ومن اضطهدها على باطل!
وكم هو واهم من يظن أنه يمتلك حقيقة مطلقة تسوغ له استخدام كل الوسائل البربرية لمسح التباينات والفوارق بين بلايين من البشر اختلفت عقائدهم وتجذرت على مر الزمن، وفرض معتقده عليهم؟! ولم لا نتعظ من حروب دموية وعبثية جرت عبر التاريخ بين أديان ومذاهب، وكبدت الحضارة الإنسانية خسائر فادحة، من دون أن تحدث أي تغيير نوعي في اصطفافات الناس وإيمانها بعقائدها؟!
إن تعميم أفكار تطعن بصحة الأديان والمذاهب الأخرى وحقها في الوجود، وتسعير المفاضلة بين المعتقدات والطوائف، وحقن العقول بالتعصب والتطرف، هي محاولة دأبت عليها نخب سياسية وزعامات دينية لتثبيت تسلطها ومصالحها وإلغاء الآخر المختلف أو المناهض لها، متوسلة خلق الفتن وتأجيج نزاعات دينية يكون البشر وقودها ويكون غرضها إشغال منطقتنا المنكوبة بمزيد من الحروب الهامشية التي لن تفضي في نهاية المطاف، إلا الى سحق وتدمير كل شيء، الإيمان والمؤمنين والأوطان والمواطنين.
وبعبارة أخرى، إن إلحاح الحاجة في مجتمعاتنا إلى نشر العقلانية في طرائق التفكير وتمكين الأديان من توضيح نفسها ومن التوصل الى تفاهمات وإجابات توافقية على أزمات الواقع وأسئلته الملحة وفق منطق العصر واحتياجاته، تعترضه زعامات سياسية ودينية أدمنت الجمود والتقليد وتسعى لتحويل العالم الى ساحة للتطرف والتعصب مسعرة الصراعات الطائفية والمذهبية كي تكرس حضورها وامتيازاتها، في رهان على قتل السياسة وعناصر التعايش المشترك، وإلهاء الناس بفتن تشغلها عن ممارسة دورهم الحقيقي في مقارعة التسلط والتخلف والفساد وبناء مجتمع معافى يتشارك القيم الأخلاقية والإنسانية التي تجمع عليها كل الأديان والمذاهب.
صحيح أن الأديان كلها منتجات سماوية، لكنها مرت جميعها بمراحل متفاوتة ومتناوبة من الحروب البينية جوهرها المصالح السياسية، ما يعني أن أخطر ما يهدد المجتمعات وجوهر القيم الدينية، هو استغلال الدين ومؤسساته لتحقيق أهداف سياسية، فآنية المصالح السياسية وأنانيتها تتنافيان مع الغايات والقيم السامية التي جاء من أجلها الدين، ما يتطلب اليوم، ليس فقط فصل ما هو ديني عن السياسي والدنيوي، وإنما الاعتراف بتعددية المذاهب والفرق الدينية، كأحد المؤشرات القوية على درجة احترام رسالة الأديان وحقوق الإنسان، بما هو اعتراف بالعقائد والمذاهب كما هي، واحترام خصوصيتها كما هي، والتحسب تالياً من خطر التدخل في نقدها أو تشويه صورتها، ومن استجرار ردود أفعال تعمق الشحن الطائفي والاحتقان المذهبي، وتترك الباب مفتوحاً على احتمالات بغيضة ومدمرة.
إن التطرف يولد التطرف واستمرار سير الأمور كما نعيشها اليوم، سوف يغذي المتطرفين من كل الأديان والمذاهب ويسوغ تعصبهم وتشددهم، ويبدد أو يزيل المسافات والحدود بين الدين كرسالة وبين من يدعون الوصاية عليه وبينهما وبين المؤمنين المسالمين، في حين يقود الانفتاح واحترام التنوع الثري لثقافات عالمنا ومعتقداته إلى حالة من الوئام والتعاون تؤسس لإحلال ثقافة السلام والتفاهم محل ثقافة العداء والحرب، وهذا الخيار لم يعد في عصرنا الراهن واجباً دينياً وأخلاقياً فحسب، وإنما واجب سياسي وقانوني، وأشبه بالفضيلة التي لا يمكن أن تقوم مجتمعات معافاة وكريمة من دونها.
والقصد، إن قبول وتفهم التعددية الدينية والمذهبية باتا ضرورة حيوية لا تقوم للمجتمعات المدنية قائمة من دونهما، وأساسها الطيب أن تكون حرية العقيدة مكفولة لكل إنسان بغض النظر عن خطئها أو صوابها من وجهة نظرنا، فلكل فرد الحرية في اختيار دينه ومعتقده، وواجب الآخرين احترام ذلك.
ويبقى السؤال، أين ذنب من لا يختار دينه بل يفرض عليه تلقائياً من أهله؟! ولعلنا نتذكر القصة المعروفة لطفلين حديثي الولادة تم تبديلهما بالخطأ في أحد المشافي، وكانا ينتميان لأسرتين مختلفتين دينياً، وحين انجلت الحقيقة عبر صدفة طبية، صارا في مرحلة الشباب وتشرب كل منهما دين الأسرة التي عاش في كنفها، وفشلت كل الجهود لإقناع أياً منهما باعتناق دين أهله الحقيقيين، لكنها أظهرت سمو القيم الأخلاقية والإنسانية المشتركة لدى مختلف الأديان!
اقرأ:
أكرم البني: في السؤال عن أوجاعنا!