Archived: محمد جهاد نيعو: القدس عاصمة البؤساء

محمد جهاد نيعو: كلنا شركاء

لن أبدأ بالحديث عن القدس بالطريقة الكلاسيكية التي أصبحت مملّة بالنسبة للقارئ. ولن اكتب بطريقة تثير الاستعطاف والشفقة كما علمتنا مدارس “المقاومة” و “الممانعة” المفرغة من محتواها التي تاجرت بالقضية الفلسطينية، ولن أقول إنها أولى القبلتين، أو حتى ثالث الحرمين، كي يقوم لنصرتها المسلمين، لأنهم الآن ليس لديهم وقت للحديث عن المقدسات، فهم مشغولون كلياً بالحروب الطائفية التي شتت مجتمعاتنا. إنّ ما يحصل في القدس منذ زمن بعيد ليس بقضية “إسلامية” أو “عربية” فحسب، إنما هي قضية إنسانية بحتة، ووصمة عار على جبين كل إنسان في هذا العالم. ما يقوم به “الصهاينة” اليوم من تجاوزات بحق “الشعب الفلسطيني” ما هي إلا استخفاف واضح بالقوانين العالمية الموضوعة من أجل حماية حقوق الإنسان، إن من أبسط حقوق الإنسان، امتلاك الهوية والانتماء لبلده. 

لم يكن هناك نصير حقيقي لهذه القضية، بل كانت القضية “الفلسطينية” تربة خصبة لتلتقي المزايدات السياسية وصندوق بريد بين الدول وتضارب مصالحها، ولم تكن إلا وسيلة لإشباع الغريزة الثورية في داخل كل مواطن عربي فقط “حين الطلب”، “فلسطين” ليست البوصلة الحقيقية كما يتحدّث الاعلام العربي المسيّس. أصبحنا لا نذكر من “فلسطين” إلا الذكريات المؤلمة التي عاشها الشعب الفلسطيني منفرداً، وأصبحت مجرد ذكريات عابرة ننظّم فيها “مسيرات” شعبية في كل ذكرى سنوية لحدث ما، لنريح بها أنفسنا اللوّامة. ومع مرور الوقت اقتصر دعمنا على الدعاء والبكاء أمام الشاشات، وهذا ما فتح المجال أمام “العدو الصهيوني” وجعله أكثر جرأة على ممارسة سياسته التوسعية داخل “الأراضي المحتلّة” والقيام بحملة تهجير واعتقالات للناشطين. إن احتلال “فلسطين” من قبل “الصهاينة” تسبب بتهجير مليون ونصف المليون من الشعب الفلسطيني الى دول الجوار، وأصبحت اعدادهم بازدياد مع مرور الوقت حتى وصل عددهم إلى ما يقارب ستة ملايين لاجئ، موزعين بين “سوريا” و”لبنان” والاردن”، وأقيمت لهم مخيمات في هذه الدول، ومعظمهم من فئة الشباب وُلِدوا خارج “فلسطين” لا يعرفون عن أرضهم إلا اسمها وبعض القصص عن التهجير التي يرويها ما بقي من أجدادهم.

هناك الكثير من الاحزاب والفصائل الفلسطينية في دول اللجوء، ولكنها أحزاب متنازعة فيما بينها، وكونها احزاب خارج الأراضي المحتلة يقتصر نشاطها فقط على العمل السياسي والندوات الفكرية التي لا تخدم القضية إلا بتذكير الشباب بأرضهم “الأم”. إن عمل الأحزاب والفصائل الفلسطينية راضخ لسياسة البلدان التي يقيمون فيها. ما جعلهم غير قادرين على التعبير بغضب عما يحصل من انتهاكات في الداخل الفلسطيني، إلا إذا سمحت لهم حكومة البلد التي تأويهم. والنزاعات الحاصلة بين الفصائل والأحزاب في الداخل الفلسطيني، كان لها انعكاساتها السلبية على نفس المواطن الفلسطيني في الداخل وفي بلاد الشتات، ما جعله يفقد الأمل في التحرير القريب. إن السكوت عمّا يحصل الآن مع الإخوة المرابطون في “المسجد الأقصى” سيكون بمثابة إعطاء الضوء الأخضر من جديد للعدو الصهيوني لاستعمال العنف المفرط ضد إخوتنا المرابطون. على الفصائل والأحزاب الفلسطينية في الداخل أن يعملوا على توحيد الصف لمواجهة العدو “الإسرائيلي”، لأنهم هم أمل الشعب الفلسطيني، بعد أن قام العالم بخذلانهم. المطلوب قيام حرب حقيقية مع العدو الصهيوني، وعلى الفصائل الفلسطينية أن تقاتل من أجل انهاء الاحتلال، لا أن تقوم بحروب بالوكالة، من أجل تنفيذ أجندات دولية لا تخدم القضية الفلسطينية بشيء. كالسلوك المتبع من قبل حماس. إن حصر القتال في الضفة الغربية هو أكبر خدمة تقدم للعدو الصهيوني، على الصعيدين العسكري والسياسي، وهو بمثابة رسم حدود غير معلنة وكأن الأراضي الفلسطينية باتت فقط مساحة الضفة الغربية.

اقرأ:

محمد جهاد نيعو: المصري يتجاهل طلاس على قناة الحرة