Archived: حسين العودات: داخل حدود سوريا وخارجها

حسين العودات: السفير

إن سوريا اليوم هي أكثر كآبة من أي وقت مرت به، فقد تمزقت البلاد، وانتُهكت وحدتها، واستُبيحت أرضها، وتعدد حكامها من خلال سيطرة كل منهم على قطعة من أرضها وتحويلها إلى محمية، وغدت البلاد ساحة حرب للتيارات السياسية الإقليمية والعالمية وللدول ذات النفوذ، ومحط تجارب للأسلحة الجديدة من قبل صانعيها. ووصل الأمر بروسيا مثلاً أن استخدمت قاذفات تقصف أربعين هدفاً في آن واحد، وهو استخدام يجري للمرة الأولى، وتقوم في كل منطقة نفوذ «دولة» ميليشيا تفرض قوانينها وتقاليدها وقيمها بل ونظامها السياسي والاقتصادي. وصار على المواطن السوري إذا أراد أن يسافر مئة كيلو متر أن يحيط بأيديولوجيات عدة قد يعادل عددها عدد السلطات الموجودة على طريقه ورغبات حواجزها، ذلك أن بعض هذه الحواجز يصادر ما يحمل، وبعضها الآخر يطلب رشوة ثمناً للسماح له بالمرور، وثالثها يجري له امتحاناً يتعلق بعدد الركعات في كل صلاة، وماذا يقرأ بها من آيات القرآن، وقد يتعرض للقتل إذا أخطأ. ومن النادر وجود حاجز يترك الناس يمرون بسلام، سواء كان من حواجز المجموعات المسلحة أم من حواجز السلطة.
لم تعد الفصائل المسلحة التي تتقاسم الأرض السورية تعرف لماذا تحارب. فقد نسيت فصائل المعارضة أنها تريد إسقاط النظام، كما نسيت قوات النظام أنها تهدف لاستمراره. وغدت كل مجموعة تعتقد أن مهمتها هي القضاء على الفصيل المجاور لها، وقد انعدمت المركزية في اتخاذ القرار أو في تنفيذه لدى كل من الأطراف المتصارعة. ففصائل المعارضة تفتقد إلى التنسيق بين أطرافها حتى عندما تتعاون في معركة دفاعية أو هجومية، ولذلك انتقل الصراع إلى صراع بين هذه التشكيلات المعارضة المسلحة العديدة، التي تحول بعضها إلى مجرد محارب غير ملتزم لا باستراتيجية واضحة ولا بخطط تنفيذية ولا بالتقاليد والقوانين الأخلاقية والدولية. والأمر نفسه موجود لدى مسلحي السلطة، فهم بدورهم افتقدوا مركزية القرار، وصارت كل قطعة عسكرية من الجيش تعمل لوحدها، وأيضاً من دون تعاون صارم بين القطع المسلحة. كما يضعف التنسيق بين الجيش وبين الميليشيات التي استقدمها لتحارب معه، أو بينه وبين القوى الجوية الروسية التي تقصف بدورها مدنيين هم خارج ساحة القتال.
لقد استبيحت سوريا أرضاً وشعباً، فكل فصيل محارب، سواء كان محلياً أم متحالفاً أم كان تابعاً للجيش، إذا سيطر على منطقة يريدها مجتمعاً صغيراً، يملكها ويملك سكانها (بمنطق الأنظمة العسكرية) ويفرض عليها قانوناً ونظاماً وسلم قيم خاصاً. حتى أن قطعة الجيش الرسمي المسيطرة لم تعد تعترف بقوانين الدولة وقيمها وتقاليدها، بل تفرض قوانينها الخاصة في ضوء ما يؤمن به الضابط الذي يقودها. وعليه أصبحت سوريا الآن مقسمة إلى عشرات المجتمعات التي لا يجمعها انتماء واحد، لا الجنسية السورية ولا المواطنة، بل تنتمي لمرجعيات عديدة عشائرية وطائفية وإثنية وغيرها من المرجعيات المتخلفة. وصار السوري إذا التقى الآخر ابن جلدته ووطنه يحاول معرفة انتمائه وطائفته وعشيرته وموقفه السياسي حتى يستطيع التحدث معه باطمئنان، كما غدا يعيش في خوف دائم ليس من الحواجز ومتطلباتها فقط، بل من نتائج الظروف التي هو فيها والتي قد تقوده إلى الجوع أو السجن أو الموت.
إن الأمر الكارثي أن هذا الواقع المر لم يصل بعد إلى وعي فصائل المعارضة السياسية ومؤتمراتها، ولذلك ما زالت مشغولة باختيار أعضاء الوفد المفاوض والتزاحم على احتلال مقاعد به، وتطرح مؤتمراتها وفصائلها أهدافاً عامة وكيفية واستعراضية، لا علاقة لها لا بالأولويات التي يحتاجها الشعب السوري، ولا بالمصالح الجوهرية لسوريا الدولة والكيان، وخاصة وحدة ترابها الوطني ووحدة قيمها ومرجعية شعبها. وتتطاحن هذه الفصائل المعارضة في ما بينها، وبينها وبين الدول الإقليمية المتحالفة معها، وكذلك بينها وبين الدول الكبرى، وتتدخــــل السياستان الأمـــيركية والروسية للاتفاق على أعضاء الوفد المفاوض، ويزداد الخلاف بينهما على تقويم الأعضاء واختيارهم.
تشتد الخلافات بين المعارضة والسلطة، وبين الروس والأميركيين، والسعوديين والقطريين والأتراك والأردنيين والإيرانيين، حول أمور صغيرة كإضافة عضو للوفد المفاوض، أو الخلاف على أسلوب التفاوض وعلى أمور صغيرة مماثلة، بينما يتناسى الجميع وتنسى فصائل المعارضة أن سوريا أصبحت أشلاء يصعب جمعها، وهي على أبواب التقسيم والتلاشي، بعد تدمير مساكنها وبناها التحتية وقيمها وتقاليدها الإنسانية ووحدة انتماء مواطنيها. كما تنسى السلطة بدورها مسؤولياتها التاريخية وأخطاءها المميتة في التصرف الميليشياوي واستسهال إدخال القوات الأجنبية جيوشاً ومستشارين وميليشيات إلى سوريا، بل الاعتماد عليها في حماية السلطة. هكذا أصبح الواقع، والمطلوب شيء ونشاطات المعارضة والسلطة وحلفاء كل منهما شيء آخر. فالشمس شيء داخل الحدود، والشمس شيء آخر خارجها.