Archived: د. عماد بوظو: الحقبة البوتينية

د. عماد بوظو: القدس العربي

إذا أخذنا ما يردّده الإعلام الغربي ونتائج الاستطلاعات حول شخصيّة العام لسنوات عديدة، سنجد أنّ من الممكن تسمية هذه الفترة بالحقبة البوتينيّة، فهو صاحب القرار الوحيد في أكبر دول العالم مساحة وثاني قوّة عسكريّة ونوويّة، ذات التوقّعات الاقتصاديّة المستقبليّة الهائلة.
مع تراجع الدور الأمريكي عالميّا لرغبة الإدارة الأمريكيّة الحاليّة تخفيف التزاماتها الدوليّة، الّتي تراها مكلّفة اقتصاديّا وغير مضمونة النتائج، لم يعد غريبا مشاهدة أصحاب القضايا الدوليّة قاصدين موسكو للمساعدة بحل مشاكلهم. هذه العوامل تجعل دراسة هذه الشخصيّة والنظام السياسي الروسي والتوقّعات المستقبليّة، موضوعا مهما.
يرى الكثير من المهتمّين بالشأن الروسي أن نظام الحكم الحالي لا يستوفي المعايير الديمقراطيّة، فالقرار النهائي فيه بكل المواضيع الداخليّة والخارجيّة بيد شخص واحد هو بوتين الّذي صرّح بنفسه: «من الواضح ليس لروسيا النيّة في إنشاء الطبعة الثانية من النظام السياسي الأمريكي أو البريطاني، بل النظام الّذي كان أقرب إلى التقاليد في روسيا وظروفنا الخاصّة». ولا حاجة للشرح أنّ التقاليد السوفييتيّة وقبلها القيصريّة بعيدة تماما عن الديمقراطيّة. وفكرة الخصوصيّة هذه تجد لها صدى عند بعض الباحثين الغربيّين، ربّما لأسباب تتعلّق بتفاوت تطوّر شعوب عن أخرى، أو بصراحة أكبر نتيجة تفوّق حضاري لشعوب على أخرى، حسب رأيهم، فيروّجون لها كحقيقة.
ابتدأت شعبيّة بوتين مع القفزة الاقتصاديّة الّتي رافقت صعوده للسلطة بعد القاع الّذي وصلت إليه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. فخلال السنوات 2000- 2008 ارتفعت رواتب الموظفين عشرة أضعاف وبالنسبة نفسها ارتفع عدد الطبقة الوسطى وكان معدّل النمو7٪ سنويّا، مّا سمح له بترسيخ سلطته وإضعاف معارضيه.
وبدأ الإعلام الروسي الترويج لما سموه «البوتينيّة» للإيحاء بأنّها تتشابه مع نزعة استقلالية أوروبّية عن الهيمنة الأمريكيّة بعد الحرب العالميّة الثانية، أي الديغوليّة، لكن بمقارنة سريعة نرى أنّ سمعة ديغول لم تشبها أي شائبة من حيث الفساد، كما أنّه تنازل عن السلطة بكل سهولة عندما لم يحقّق الاستفتاء الّذي عرضه على الفرنسيّين لتطبيق المزيد من اللامركزيّة على النسبة الّتي أرادها، واختار بكل بساطة الاستقالة والعزلة.
في حين أن قرينه «بوتين» يتلاعب بالدستور للاستمرار بالسلطة «بوتين – ميديفيديف». كما أنّ العالم هو من أطلق مصطلح الديغوليّة بينما في الطرف الآخر جهاز إعلامي روسي متخصّص بالترويج لشخصيّة بوتين، يقوم بالتنقيب عن أي مقال أو تصريح يتناول بإيجابيّة شخصيّته ليسارع بنشره بكل وسائل الإعلام المحليّة. ووصل الأمر كمثال لطباعة سلسلة كتب باللغة الروسيّة بعنوان «مشروع بوتين» بأسماء صحافيّين ومحلّلين غربيّين معروفين، بدون علمهم أو موافقتهم مثل لوك هاردنغ وإدوارد لوكاس ودونالد جينسن، هذا الإعلام موجّه بشكل رئيسي للداخل وهدفه الترويج للقائد. وفوق ذلك لا توجد أي معالم لخط سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي مميّز يمكن تسميته البوتينيّة.
وحسبما يردّده الكثير من وسائل الإعلام والتقارير الخارجيّة، فقد رافق صعود بوتين وزيادة شعبيّته درجة غير مسبوقة من الفساد، وتتحدّث بعض التقارير عن ثروة كبيرة جناها خلال فترة حكمه. في حال صحّة هذه التقارير فإنّنا لن نتوقّع انتقالا سلسا للسلطة بعد انتهاء الفترات القانونيّة لرئاسة بوتين، ليس فقط في سبيل المحافظة على هذا الدخل، بل خشية أن تقوم سلطة جديدة بالتحقيق بمثل هذه الأمور. كما أنّه لا يتماشى مع الفساد وجود صحافة حرّة أو قضاء نزيه مستقل أو معارضة حقيقيّة متمكّنة، أي أنّنا ننتقل إلى شكل أقرب لديكتاتوريّات العالم الثالث، بل حتى سبب سياساته المعارضة دوما للغرب والولايات المتّحدة «خصوصا» يصبح من الصعب إرجاعها لأسباب وطنيّة وانتقاما من الأطراف الّتي هزمت الدولة السوفييتيّة العظمى، بل لأسباب شعبويّة داخليّة لترسيخ سلطته وصورته كبطل قومي، حتّى لو على حساب المصلحة الوطنيّة العليا، ومن جهة أخرى لتأكيد التباين مع المفاهيم الغربيّة «ديمقراطيّة وحقوق إنسان..». فمثلا بالموضوع الأوكراني صنعت سياسته شرخا كبيرا بين شعبين شقيقين أصحاب تاريخ متداخل ومشترك، فقط ليقوم هو بدور البطل القومي الروسي.
وفي الموضوع السوري ورغم أنّه لا توجد علاقة شخصيّة تربطه بالأسد ورغم معرفته بأنّ الأسد الابن ليس بخبرة أبيه.. ورغم معرفة بوتين أنّ أغلبيّة الشعب السوري تنشد التغيير الديمقراطي مثل باقي دول الربيع العربي، إلّا أن بوتين اختار الوقوف مع الأسد، أولا لأنّه كان واثقا من انتصار الجيش السوري على الاحتجاجات، نتيجة التركيبة الطائفيّة لهذا الجيش والسيطرة الأمنيّة المطلقة عليه من قبل عائلة الأسد. وثانيا تضامنا مع حليفه الإيراني صديق الأسد الوفي. وثالثا لمعرفته الأكيدة أنّ المواقف الغربيّة لن تتعدّى بيانات الإدانة والاستنكار، وأخيرا ليبدو أمام الرأي العام في الداخل الروسي كطرف مهيمن دوليّا، ولا يمكن حدوث أي شيء بالعالم إلّا عبر موافقته.
وبالعودة للموضوع الداخلي الروسي فهناك مشكلة أخرى مع مثل هذه الأنظمة الفرديّة: فكل سنة إضافيّة يقضيها هذا النوع من القادة في السلطة ينجم عنها تراجع إضافي بدور مؤسسات الدولة والمجتمع، فحزب روسيا الموحّدة مثلا اليوم تجده أقرب للطريقة الكوريّة الشماليّة من أي حزب آخر بالعالم، حتّى الحزب الشيوعي الصيني له مكتب سياسي ولجنة مركزيّة قد تطيح وتحاسب بعض القادة. وعلى الطريقة الكوريّة الشماليّة أيضا نرى المناورات العسكريّة وحوادث التحرّش بالطائرات وتجاوز الحدود الدوليّة وغيرها، من السلوك الّذي لا يمكن فهمه إلّا على أنّه شعبوي.
حالة حزب روســيا الموحّدة قريبة من وضع الكثير من مؤسسات الدولة الروسيّة وفي مثل هذه الحالات يصبح القرب من شخص الزعيم أهم من التراتبيّة الوظيفـــيّة والعسكريّة ممّا يزيد من ضعف هياكل الدولة.
بالنهاية لا يترك هذا النوع من الأنظمة أي سيناريو سهل لتداول السلطة، وقد عايشنا السيناريو العراقي والليبي والسوري، فهل يستطيع العالم تحمّل مثل ذلك في بلد بحجم روسيا؟

اقرأ:

د.عماد بوظو يعلق على عبارة “وحدة المعارضة السورية “