Archived: من الصحافة الاسرائيلية: الروس قادمون. وفشلهم معروف مسبقاً

يديعوت احرنوت: ترجمة اياد عماشة- السوري الجديد

سببت روسيا في السابق موت عشرات الألاف من الضحايا المدنيين في حروب شنتها ضد الإرهاب الجهادي، والنتيجة أنها لم تستطع تحقيق أي انتصار يذكر في كل تلك الحروب، سواء في حربها ضد الأفغان في سنوات الثمانينات أو في الحرب الشيشانية في تسعينيات القرن الماضي، ويبدو أن النتيجة ذاتها ستتكرر في سوريا، لكنها روسيا الآن مصرة على وضع ثقلها لإنقاذ نظام الأسد من السقوط، وخاصة للحفاظ على مصالحها الإستراتيجية والإقتصادية.

كيف سيؤثر ذلك على إسرائيل؟

تصاعد الإحتجاجات ضد النظام الفاسد أدى لحرب أهلية دفعت النظام لطلب المعونة الروسية من مستشارين وسلاحاً لقمع الحراك المتصاعد، وصل النظام لمراحل حرجة كادت أن تودي به وتؤدي لسقوطه مما دفع الروس للزج بقوات عسكرية والتدخل مباشرة في القتال على الأرض. المنظمات الجهادية بدورها أعلنت الجهاد ضد النظام الروسي، وآلاف من المتطوعين الإسلاميين إنضموا للقتال في الحرب المقدسة. العديد من الدول منها السعودية ودول الخليج قررت دعم هؤلاء الجهاديين.

الوصف أعلاه ليس عن الحالة السورية 2015، بل وصف للحرب الأفغانية عام 1979.

إنتهت يومها المغامرة الروسية بالانسحاب من أفغانستان بعد حرب طاحنة استمرت عشر سنوات و 15 ألف قتيل في صفوف الجيش الأحمر. تلك الهزيمة كانت أحد أهم المسببات لتفكك الإتحاد السوڤييتي.

خلافاً لأفغانستان، فإن نتائج الحرب الروسية الحالية، سنراقبها من الحدود الشمالية لإسرائيل

في الشهر الماضي اتخد الكرملين قراراً بالتدخل العسكري المباشر في الحرب السورية. أثار هذا القرار خشية إسرائيل والمملكة العربية السعودية، في المقابل فإن القرار كان أثره جيداً عند حزب الله وإيران.

في سوريا، الفصائل السنية المعارضة بدأت تشعر بتهديد حقيقي، فيما نظام الأسد يشجع الروس على التدخل. قبل عامين فقط كانت قوى المعارضة تأمل أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بتنفيذ تهديداتها بضرب نظام الأسد وجيشه فيما لو رفض النظام التخلي عن أسلحته الكيميائية وأسلحة الدمار الشامل التي كان يمتلكها. لم يتم إلغاء الهجوم الأمريكي المرتقب فحسب، بل تطور الوضع الآن لتدخل الروس حمايةً لنظام الأسد.

لماذا تأخر تدخل الروس حتى الآن؟ هل يمتلك الروس أدوات الحل حيث فشلت الدول الأخرى؟ كيف سيؤثر هذا التدخل على إسرائيل؟

ممنوع لروسيا أن تخسر سوريا

وقفت روسيا إلى جانب نظام الأسد منذ اندلاع أعمال العنف مارس 2011 عن طريق إرسال الاستشاريين وفتح قنوات لتدفق السلاح، مصالح موسكو هي مصالح إستراتيجية وإقتصادية، فهم غير معنيون بفقدان موطئ القدم الوحيد لهم في الشرق الأوسط، وغير معنيون بفقدان ميناء طرطوس ومطار اللاذقية الإستراتيجيين. تعود العلاقة الوثيقة بين الروس والنظام السوري لبداية سنوات السبعينيات، حينها رأى الروس بنظام حافظ الأسد البديل عن نظام أنور السادات في مصر، والذي قام بطرد المستشارين الروس حينها من بلاده. وبعد إكتشاف خزانات الغاز مقابل السواحل الإسرائيلية اليوم أضيف بُعدٌ إقتصادي لتواجد الروس في المنطقة، حيث تتزايد الأن فرص وجود خزانات وآبار نفط قبالة السواحل السورية.

إن انتقال الروس للواجهة إنما يدل على عمق محنة النظام السوري، فالجيش السوري لم يعد يحقق أي إنتصارات تذكر على الصعيد الميداني منذ فبراير 2014، كما أن حزب الله اللبناني حليفه الأبرز، بدأ يتلقى الهزائم بعد فشله الأخير في إحتلال مدينة الزبداني المحاذية للحدود اللبنانية.

زد على ذلك تناقص الرغبة لدى المؤيدين لنظام الأسد وحزب الله بالإنخراط في وحدات الجيش المشاركة بالقتال في ظل التراجع على الأرض، وكم الخسائر البشرية التي يتكبدها النظام السوري وقوات حزب الله. وفي ذروة كل ذلك تتجه أعين العلويين والشيعة “لأسيادهم” الروس والإيرانيين.

يتكهن المعلقون في العالم العربي أن القوات الروسية سارعت للزج بقواتها في سوريا قبل أن تتخذ إيران ذلك القرار. مع ذلك، سيقوم الإيرانيون باستغلال الضربات الروسية لتحقيق انتصارات ضد المنظمات التي تدعمها المملكة العربية السعودية، وذلك للتعويض عن خسائر حلفائهم الحوثيين في اليمين.

ليس هنالك شك أن القرار الروسي بالتدخل عسكريا للقتال على الأراضي السورية بالرغم من الأزمة في أوكرانيا، والضائقة الإقتصادية التي تعاني منها البلاد إنما يدل إلى الحاجة الملحة لهذا التدخل. هل ستحضى مغامرة ڤلادمير بوتين بفرصة للنجاح؟

الفشل المعروف مسبقاً

تاريخ تدخل الدول الكبرى في النزاعات الشرق أوسطية لا يبشر الروس بالخير، فقد فشل الروس في أفغانستان في الثمانينات، وفشل الأمريكيون في العراق سنوات الـ 2000. ويمكن القول أيضاً أن إسرائيل فشلت في لبنان في الثمانينات من القرن الماضي، وإنسحاب الأسد المخزي من لبنان وفشله في عام 2005.

جميع تلك الحروب أتت بحلول مؤقتة لمشاكل معقدة لكنها أنتجت وحوشاً مخيفة ما زالت قائمة حتى اليوم ولا يمكن القضاء عليها بسهولة؛ حزب الله، القاعدة والدولة الإسلامية داعش. روسيا التي أدت إلى مصرع عشرات الآف من المدنيين في حروبها ضد الجهاديين ولم تهزمهم قط، لا في أفغانستان في سنوات الثمانينات ولا في الشيشان التسعينات، ويبدو أنها لن تهزمهم اليوم أيضاً في سوريا.

معظم المعلقين في العالم السني يعربون عن عدم ثقتهم بالتدخل الروسي، هم يدعون أن السلاح الروسي مكّن الأسد من حكم الشعب السوري بالترهيب والرعب، والسيطرة المطلقة على الأرض اللبنانية بدلَ تحرير الجولان من إسرائيل. هم يرون غياب الأفق السياسي للخطوة الروسية، مؤكدين أن الروس يساندون الأقلية العلوية (11 بالمئة من السكان) ضد الأغلبية السنية (80 بالمئة من السكان). ويرون أن تدخل الروس جاء ليساند “القائد” الذي حول البلاد لخراب، وسبب بموت 220 ألف سوري، وتهجير نصف السكان وكل ذلك من أجل البقاء في سدة الحكم.

روسيا ستغرق بالوحل السوري

عند هبوط الروس في سواحلهم، يضع العلويون أنفسهم تحت وصاية قوة عظمى كما حدث في عهد الإنتداب الفرنسي. وبذلك فأنهم يفقدون البقية المتبقية لهم من شرعية حكمهم لسوريا. فالموقف الروسي ضد الغالبية السنية.

بعبارة أخرى، روسيا اليوم في نظر العرب كما كانت فرنسا بعهد الإنتداب سابقاً، تقف ضد القومية العربية في سوريا. حتى لو كانت الحرب ضد داعش حرباً مقدسة؛ فإن روسيا تضع نفسها في موقف العدو للإسلام السني بإختيارها دعم إيران وحزب الله.

يمكن الإفتراض أن الروس سيحاولون تلافي أخطاء الماضي في المرحلة الأولى ويسعون فقط للحفاظ على مصالحهم الحيوية في منطقة الساحل السوري،(الحوض الشمالي الغربي معقل العلويين) لكن تقدم قوات المعارضة سيجبر الروس على الدخول تدريجياً عميقاً في الحرب السورية الأهلية الموحلة.

ستحاول روسيا منع قوات المعارضة من السيطرة على مخازن سلاح الجيش السوري (والذي قد يحوي على أسلحة كيميائية مخبأة). بدورها قوات المعارضة ستحاول استهداف مواقع روسية بهدف توريط الروس أكثر وتعقيد مسألة بقائهم وبالتالي دفعهم للمغادرة، الأمر الذي سيؤدي لعمليات إنتقامية. والوحشية المعروفة للقوات الروسية تغذي الأصولية الإسلامية، هذه الوحشية التي لن تولد سوى مزيداً من الكراهية وتعطي شرعية لتوافد الجهاديين من جميع أنحاء العالم للمقاومة.

سوريا ذات تضاريس وطوبوغرافيا أسهل من تلك التي واجهت الجيش الروسي في أفغانستان، لكن سيترتب على الجنود الروس مواجهة الصحراء السورية الحارة في الشرق والمناطق الجبلية الوعرة في الغرب. الحرب في المدن ستتم على أنقاض الدمار ومن خلال الأنفاق. أما عن الظروف السياسية التي تواجه الروس فيعتبر دعمهم لأقلية دينية ضد غالبية الشعب السوري ضرباً من الجنون.

الواقع على ساحة المعركة معقد جداً؛ عدد لا يحصى من الجماعات الإسلامية، ميليشيات لأقليات مسيحية، الدروز في الجنوب والأكراد في الشمال، ميليشيات دفاع وفرق عسكرية إعتباطية تقاتل بجانب النظام، فرق عدة لحزب الله والحرس الثوري الإيراني متناثرة على طول المناطق الواقعة تحت سيطرة الأسد، وفوق كل هذا الواقع المعقد هنالك “الدولة الإسلامية” التي تسيطر على مساحات شاسعة من غرب العراق حتى محافظة إدلب في سوريا.

المجال الجوي هو أيضاً غير متاح بكل تلك السهولة أمام الروس، فحركة طائرات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من جهة والطائرات السورية التي تقوم برمي البراميل المتفجرة لن تفسح مجالاً أمام الروس للحركة بسهولة في الأجواء السورية. ناهيك عن الطلعات والغارات التي يشنها سلاح الجو الإسرائيلي ضد مواقع سورية رداً على سقوط بعض الصواريخ في الأراضي الإسرائيلية.

هذا الواقع قد يفتح المجال لوقوع العديد من الحوادث كإصابة الروس مواقع لحلفائهم أو لطائرات أمريكية، أو لا قدر الله إطلاق دفاعات جوية يزودها الروس لحلفائهم قد تصيب الطائرات الإسرائيلية.

المصلحة الإسرائيلية

ليس هناك شك أن تفكك الجيش السوري في السنوات الأخيرة أحدث تخلخلاً ملحوظاً من الناحية الأمنية للحدود الشمالية لدولة إسرائيل. المناوشات والحرب الدائرة بين السنة والشيعة لن تنتهي بحسم ما، لكن ذلك يدفع لإرهاق الطرفين.إلا أن التدخل الروسي سيرجح الكفة قريباً لصالح المحور الشيعي وقد يفضي هذا إلى نتائج سلبية وخطيرة في المنطقة. فتسليح الروس للجيش السوري قد يدفع بالأخير لتهديد الأراضي الإسرائيلية بأسلحة متطورة للغاية، أو من خلال نقل هذا السلاح لقوات موالية كحزب الله.

فقط الإطاحة بالأسد ستسمح بتشكيل حلف قوي من السعودية وتركيا والدول الأوروبية لمحاربة داعش وجبهة النصرة (فرع تنظيم القاعدة)، تحالف عربي موحد سيكون لديه الشرعية من الشعب السوري والمجتمع الدولي، حينها يمكن تحرير سوريا من براثن الإرهاب، مثل هذا التحالف هو من أخرج صدام حسين من الكويت عام 1990. فالتدخل الروسي لم يجيء لحماية سوريا، بل قدم لإحتلالها وهو لا يخدم مصالح المنطقة بل يخدم المصالح الروسية وحدها، ومن المؤكد أنه لا يدفع المنطقة نحو الإستقرار والسلام بل نحو الخراب والدمار والحروب طويلة الأمد.

سيقوم الروس بداية بالقضاء على مقاتلي المعارضة من الجماعات المعتدلة ليبقى أمامهم في الساحة الجماعات المتطرفة من النصرة وداعش. بذلك يتم تبييض صفحة النظام وإظهار الأسد على أنه الخيار الأفضل لمستقبل سوريا، ومما لا شك فيه أن المحور الشيعي سيقوم باستغلال الوجود الروسي لمحاولة تحقيق مكاسب على حساب إسرائيل، السعودية ودول الخليج، بهدف تعميق السيطرة الإيرانية في سوريا، لبنان، العراق واليمن.

اقرأ:

من الصحافة الاسرائيلية: سوريا بداية توغل روسي إقليمي بضمان روحاني والسيسي