Archived: ميسرة بكور: أمريكا.. عاجزة أم لا تريد؟

ميسرة بكور: القدس العربي

أصبح مصطلح «العجز الأمريكي» شائع بين عامة المثقفين ويتصدر أقوال المحللين السياسيين والاستراتيجين، كغيره من مصطلحات الإعلام الحديث «العالم الافتراضي، الإرهاب.. الخ..».
لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية أقوى قوة عسكرية واقتصادية في العالم، ولم يزل أسطولها البحري يغطي محيطات وبحار القارات الخمسة، ولديها من الرؤس النووية ما يمكنها من تدمير العالم. فهل هي عاجزة أم لا تريد؟
قد يكون من المناسب في هذا المقام استخدام مصطلح «لا مبالاة» أو عدم الرغبة، وهو أقرب للواقع وللمنطق. وقد يسوق المتبنين لمصطلح «العجز الأمريكي» الكثير من الشواهد على مقولتهم هذه. ومن الأمثلة التي قد يسوقونها عن العجز الأمريكي احتلال الروس لشبة جزيرة القرم وما فعلته في أوكرانيا، وفشلها في محاربة تنظيم الدولة، ورضوخها للإملاءات الروسية والواقع الذي فرضته بالقوة العسكرية كما يحدث اليوم في سوريا.
قد تكون هذه المؤشرات والأمثلة التي يتم طرحها للتدليل على العجز الأمريكي واقعية من حيث الحدوث. لكن هذا لايعطي مقياسا علميا للتدليل على العجز الأمريكي أمام تصاعد القوة العسكرية الروسية.
قد يكون الرد بسيطا جدًا. ما الذي فعلته أمريكا عمليا للوقوف في وجه الغطرسة الروسية؟ لا يخفى على مراقب أن كل ما فعله الرئيس أوباما يتلخص بفرض عقوبات اقتصادية على روسيا عقابا لها على تصرفاتها في القرم وأوكرانيا، واكتفت بالمراقبة. أما على الصعيد السوري فلم تفعل أمريكا أي شيء حقيقي لدعم المعارضة السورية المعتدلة، وتصريحات إعلامية هي أشبه بالفقاعات التي سرعان ما تذهب مع الريح.
وفي ما يخص محاربة تنظيم الدولة، فصحيح أنها شكلت تحالف دولي بقيادتها، لكن الأمريكان قالوا بأنفسهم منذ أول يوم للحرب على التنظيم إن الأمر يستغرق سنوات طوال. بعبارة أخرى هم كانوا على علم بمآلات الأمور، ولم يكن لديهم رغبة أصلا في محاربة التنظيم، وأطرت إدارة الرئيس أوباما على حربهم، بسبب مهاجمتهم مدينة «أربيل»عاصمة حليفهم الكردي، وقتل الصحافي الأمريكي «جيمس فولي». وعندما حققت أمريكا أهدافها في حماية أهل جبل سنجار في العراق وحماية حليفه الكردي، تراخت فعاليات غاراتها الجوية ضد التنظيم.
جدير ذكره أنه عندما عجزت مليشيا الحشد الشعبي عن اقتحام مدينة «تكريت» تدخلت الطائرات الأمريكية وحسمت المعركة. وهذا مؤشر إضافي إلى أن أمريكا غير عاجزة لو أرادت هي ذلك.
إذن علينا أن نفرق بين «العجز» ومصطلح آخر قد يكون أقرب للواقع «عدم الرغبة»، وهو الذي ينطبق على الواقع الأمريكي الذي يروق لإدارة أوباما.
دعونا نتذكر دوما أن الرئيس أوباما صرح بنفسه بأن على دول المنطقة أن تعتمد على نفسها في حل مشكلاتها، وأن أمريكا ليست شرطي العالم، وهذا ما طبقه قولاً وفعلاً، وبدأ حكمه تحت عنوان «انسحاب أمريكا من الشرق». ويرى أوباما أن المشكلات الكثيرة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط تجعل أمريكا تبتعد عنها قدر المستطاع. كما أن المشكلات و النزاعات التي تدور في هذه المنطقة لا علاقة لها بحياة الأمريكيين الباحثين عن حياة أفضل.
لكن من الخطأ بمكان أيضا أن نعتقد أن أمريكا ترغب في «توريط» الروس أكثر فأكثر في النزاعات المحلية والدولية، هذا غير دقيق. والدليل على ذلك أن أمريكا لم تفعل شيئا لدعم من يحاربهم الروس. لو كانت أمريكا فعلاً تريد توريط الروس لكانت قدمت لهم الدعم اللوجستي والعسكري. وعلى سبيل المثال فهي حتى اليوم لم تقدم سلاحا مضادا للطيران لمجابهة الطائرات الروسية.
قد تكون العبارة المناسبة والأدق هي أمريكا سعيدة بأن روسيا تستنزف نفسها بدون أي تدخل أمريكي، وتكتفي بالمراقبة. والبعض يعتقد أن روسيا بوتين وجهت لكمات قوية لأمريكا بينما انشغلت إدارة أوباما برد اللكمات.، وخير دليل على ذلك هو التدخل الروسي في سوريا تحت عنوان واضح: «دعم نظام بشار الأسد في دمشق»، الأمر الذي ترفضه أمريكا على الأقل من خلال ما نشاهده من خطابات وتصريحات أمريكية.
لكن دعوني أذكركم وأذكر نفسي.. أن التدخل الروسي في سوريا كان بالتنسيق مع الكيان الصهيوني، ولم تكد تمضي أيام على زيارة نتنياهو لموسكو. ولطالما قال أوباما إن أمن إسرائيل من مسلمات أي إدارة أمريكية. وبما أن التدخل الروسي كان بتنسيق مع إسرائيل ومباركتها، هذا يعني أن لامشكلة لدى أمريكا طالما أن التدخل الروسي سيصب في خدمة ربيبتها الصهيونية.
اعتقد جازما أن الاستراتيجية التي يعمل عليها أوباما في ما يخص الشؤون السورية، ناتجة عن رؤية الكيان الصهيوني. ولنعد إلى عام 2011، ونتذكر زيارة نتنياهو إلى واشنطن ولقاءه أوباما. حينها قال نتنياهو إن إسرائيل غير مستعجلة لإنهاء الوضع في سوريا، وقد حفظها أوباما وعمل عليها طول فترة حكمة.
كما أن أوباما يجد في التدخل الروسي بعيدا عن الاستنزاف مخرجا له من الحرج الذي يسببه له التدخل الإيراني في سوريا أمام حلفاء أمريكا التقليديين دول الخليج العربي، وهو الذي عقد اتفاقا مع إيران وسوق لذلك بأنه سيكون دافعا لإيران لتغيير سلوكها السياسي في المنطقة ودعم المليشيات، الأمر الذي لم يتحقق.

ميسرة بكور: سوريا.. ماذا بقي في الجراب الاميركي