Archived: مرح البقاعي:قُرم ذات العماد

مرح البقاعي: الحياة

سأستعير من الراحل الفيلسوف الشعبي والسيناريست السوري نهاد قلعي عبارة شهيرة كانت تشكل لازمة الحوار الدرامي الكوميدي الذي كتبه ومثّل فصوله التلفزيونية في سبعينات القرن الفائت: إذا إردنا أن نعرف ماذا في سوريا فيجب أن نعرف ماذا في القرم! وكما أن قلعي هو أحد الثروات الوطنية الفكرية التي لم نقدّر يوماً قدرها، نستطيع أن نضع في الميزان عينه اضطلاع العديد من المفكّرين الوطنيين منذ بداية الثورة السورية بمسؤولية رسم مسارها الديمقراطي المدني السلمي لحمايتها من الانحرافات التي تعرّضت لها على المستويين السياسي والميداني والتي أودت بفصائلها إلى هذا الحائط المخروم الذي يدعى جزافاً “مفاوضات الانتقال السياسي” بفعل من المغرضين والمرتزقة الذي تسلّقوا أسوارها وتعمدوا تغييب تلك الأصوات العارفة والوطنية بهدف ردم آبار ذهب التغيير التي كانت تتفجّر في المدن والقرى السورية كافة في العام 2011، وذلك في حالة موازية من دفن ثروة وطنية أخرى والتنكّر لقيمها وقيمتها.

وفي عودة إلى ما يحدث في القرم مقارنة بما يحدث في سوريا، فإنه من المفيد النظر إلى تاريخ شبه الجزيرة التي تكاد تتصل جغرافياً مع البرّ الروسي من جهتها الشرقية، كما أنها تستضيف على ساحلها الجنوبي في ميناء سباستوبول المقر الرئيس لأسطول موسكو على ساحل البحر الأسود. ففي القرن الثامن عشر استولت روسيا على القرم إثر غزو جيوش الامبراطورة الروسية كاثرين الثانية في العام 1783 وسيطرتها على تتار القرم المسلمين الذين كانوا متحالفين مع العثمانيين. وفي العام 1944 قام الزعيم السوفييتي جوزف ستالين بطردهم من المنطقة لتحالفهم مع النازيين خلال الحرب العالمية الثانية ولم يعودوا إليها إلا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. أما عن علاقتها مع أوكرانيا فشبه جزيرة القرم  لم تصبح جزءاً من الأخيرة إلا في العام 1954 عندما قرر الزعيم السوفييتي نيكيتا خروتشوف، الأوكراني الأصل، اهداء شبه الجزيرة إلى مسقط رأسه!

ارتفع منسوب هواجس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حيال نفوذه العسكري في القرم حين قام الرئيس الأوكراني الأسبق فيكتور يوشنكو في العام 2009 بالإعلان أنه يتوجب على روسيا إخلاء  قاعدتها البحرية في سباستوبول بحلول العام 2017؛ الإعلان الذي دقّ جرس الإنذار في موسكو نظراً لأن خروج الأسطول الروسي بعديده وعتاده من موقع مفتوح على مضيقيّ البوسفور والدردنيل من جهة، وعلى شمال القوقاز الروسي من جهة أخرى، سيشكّل خسارة استراتيجية جيوسياسية غير مسبوقة لروسيا منذ أن  تفكك الاتحاد السوفييتي العام 1991 وتمّ تقاسم أسطوله في البحر الأسود بين روسيا الاتحادية وأوكرانيا؛ ومنذ ذلك الوقت غدت شروط بقاء الأسطول الروسي في القرم موضوعاً غاية في الحساسية بين موسكو وكييف. وفي العام 2010 وصل إلى الحكم في أوكرانيا قوى لا تخفي عداءها لفلاديمير بوتين شخصياً، الأمر الذي أثار “نرفزة” سياسية عالية التوتر في موسكو كانت الدافع الرئيس لدعمها لحركة انفصالية وصلت إلى إطلاق استفتاء لضم شبه الجزيرة إلى روسيا، وحدث الضم الكيدي بصمت كامل من الغرب الأوروبي والأميركي معاً.

أما في سوريا حيث أعلنت موسكو انخراطها المباشر في العمليات العسكرية الدائرة هناك فالأمر ينسحب على تطلعات روسيّة في إقامة جدارها الجديد بعد تهاوي جدار برلين وانحسار هيبة المعسكر الشرقي بانتهاء الحرب الباردة؛ تطلعات لتواجد عسكري مباشر على سواحل البحر الأبيض المتوسط من خلال نقطة عسكرية متواضعة في ميناء طرطوس تمّ تأهيلها بسرعة قياسية لتمكينها من استيعاب حجم العمليات العسكرية الروسية، وكذا تحديث مطار حميميم المهمل وتحويله إلى قاعدة جوية لانطلاق أحدث طائراتها الضاربة من طراز سوخوي بكافة فئاتها والتي قد يتجاوز عدد طلعاتها الثلاثين غارة يومياً. وترتبط هذه القاعدة العسكرية التي يفضّل العسكريون الروس أن يطلقوا عليها صفة “نقطة إمداد ومساعدة تقنية” نظراً لصغر مساحتها وضحالة مياه مينائها بحيث يتعذر رسو البوارج العسكرية فيه، ترتبط برمزية “الضرورة” في رفع العلم الروسي هناك، مرافقاً مع والتواجد العسكري التقني جواً وبراً وبحراً، ما يجعل من من مرفأ طرطوس نقطة انتشار روسيا الوحيدة في البحر المتوسط رغم أنه من المستبعد تحويلها إلى قاعدة موسّعة حسب ما صرّح  الرئيس بوتين في مؤتمره الصحافي السنوي حيث تساءل عن “:جدوى إهدار الأموال في إقامة قاعدة عسكرية كبيرة في طرطوس وصواريخ روسيا البالستية تنطلق عند الحاجة من بوارجها في بحر قزوين سديدةً باتجاه أهدافها”!

فصل المقال يكمن في حجم وطبيعة المطامح الروسية الطويلة الأمد في إرم ذات العماد؛ المطامح التي بدأت تطفو بوضوح على ساحل طرطوس المضطرب. فناهيك عن العمليات العسكرية اليومية التي أسقطت بشكل نهائي ورقة توت السيادة عن عورة النظام، بدأت تلك المطامح تأخذ شكلاً هو الأقرب إلى انتداب فعلي بصورة تدخّل موسكو المباشر والعلني في القرارات الأممية المتعلّقة بالانتقال السياسي في سوريا، وفرضها أجندات بعينها على برنامج المفاوضات المرتقبة، واختيار أعضاء للوفد المعارض، وصولاً إلى التلميح بمنح بشار الأسد لجوءاً سياسياً في روسيا إثر إنجاز الفترة الانتقالية أو ــ بمعناه المضمر ــ حين ينتهي دوره الفعلي بتسليم المقدّرات السورية كاملة إلى الدب الروسي الذي تقطر الدماء السورية من أنيابه المتشابكة.