on
Archived: جلال زين الدين: الروس في خدمة “داعش”
جلال زين الدين: ناو
لن يكون أحمد ابن مدينة الراعي من الأفراد القلائل الذين انتسبوا لتنظيم داعش مؤخراً عقب رفض والده ذلك الانتساب، فقد عادت وتيرة الإنتساب إلى الانتعاش من جديد عقب التدخل الروسي في الصراع السوري بهذا الشكل الفجّ.
يعيش تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) فترةً ذهبية عقب التدخل العسكري الروسي المباشر، ويأمل قادته وأفراده أن تتغيّر المعطيات على الأرض لصالحهم، بعد أن كان التنظيم قد بدأ يعاني نزفاً في مقاتليه واحتقاناً شعبياً ضده في المناطق الخاضعة لسيطرته. ولذلك استقبل تنظيم الدولة التدخل الروسي بما يشبه الاحتفالات، لاسيما عقب تصريح أحد الأساقفة الأرثوذكس بأنها “حرب مقدّسة”، فهذه أمنية التنظيم.
يقول خطيب الجمعة في منبج، أبو مسلم: “اتهمونا بالتطرّف والغلو، وها هي الحقائق تتكشف وتظهر نوايا الغرب الكافر والشرق المُلحِد على حقيقتها دون أقنعة، جمعوا قضّهم وقضيضهم للانقضاض على دولة الخلافة التي ستصل لموسكو رغم أنوفهم”. ويسعى التنظيم بذلك جاهداً لإقناع الجميع بأنه يخوض فعلاً حرباً مقدسة ضد الكفر والإلحاد.
ولا يلفت الانتباه الخطب النارية التي ينهجها التنظيم دائماً، إنما الجديد أنَّ كثيراً من المساجد أُوكلت مهمة الخطابة في الأسبوعين الماضيين فيها، لشخصيات من الشيشان وغيرها من الجمهوريات الروسية. ويرى الأستاذ محمد من منبج أنَّ الهدف “إقناع المسلمين بهوية التنظيم الإسلامية”، وأنَّ “الحرب التي يخوضها لأجل إعلاء راية الإسلام”، وذلك بحشد الناس ضد الروس. وقد ركز الخطباء على مسألة الولاء والبراء، وعلى اضطهاد الروس للمسلمين ومحاربتهم لهم عبر عقود طويلة، وأن حربهم اليوم ما هي إلا امتداد لتلك الحروب.
وانسحب التجييش إلى الشارع الشعبي، فلم يقتصر على المساجد، وقد عقد التنظيم اجتماعاً لوجهاء العشائر العربية في الشدادي والهفل في ريف الحسكة حيث بايعوا هؤلاء زعيم التنظيم (خليفة المسلمين) أبو بكر البغدادي، وتوعدوا كل من يقف إلى جانب الروس. ويقول الشيخ موسى من الباب إن “المثير للغرابة أن المنطقة خاضعة للتنظيم منذ فترة، وشيوخ العشائر أُجبِروا سابقاً على مبايعة الخلافة، فعلامَ تكرار المشهد في هذا الوقت؟”.
يعزف التنظيم اليوم على وتر أنه الممثل الشرعي الوحيد للمسلمين السُنّة، وأنَّ العدو ليس بشار الأسد وحسب بل كل الأنظمة العربية والقوى العالمية التي تكالبت على أهل السُنّة. ويقول أبو مسلم: “خَدعت الأنظمة العربية أهل السُنّة في سوريا، وأغروهم بوعود كاذبة خدّاعة، فأمطرهم الأسد بحممه وقذائفه وبراميله، ولم يعطوهم سلاحاً لمواجهة الطائرات التي دمّرت البلاد وأهلكت الحرث والنسل رغم امتلاكهم له، فولاء هؤلاء الحكام للغرب الكافر، بل وصوّروا لهم المجاهدين الذين يسعون لتطبيق شرع الله وإقامة الخلافة أعداء، فحصل اقتتال بين أهل السُنّة أثلج صدور أعدائهم من الشيعة الروافض والحكام الخونة”. ويُرِجع التنظيم اقتتاله مع الفصائل لولاء هذه الفصائل للغرب الكافر على حد زعمه.
ويأمل التنظيم أن يسهم التدخل الروسي في تغير المزاج الشعبي، وحصول مراجعات فكرية تدفع الشارع السنّي نحو التطرف، ما يزيد من عدد منتسبيه، بل وقد يدفع بفصائل معارضة لمبايعة التنظيم. وأكد معتز من جرابلس، وهو يعمل في التهريب، أن الحدود التركية السورية شهدت مؤخراً تدفقاً لمقاتلين أجانب من فرنسا وبريطانيا إضافة لعدد من الخليجيين ولاسيما السعوديين. ويتابع معتز: “تراجعت في الفترة الأخيرة نسبة المتطوعين الأجانب جداً، لكنها الآن تعاود وتيرتها وإن بصورة أخف نتيجة التشديد الأمني التركي، ولولاه لتتدفق المجاهدون بالآلاف”.
ويستفيد التنظيم ميدانياً من التدخّل الروسي، إذ إنَّ معظم الضربات الروسية موجّهة لما يسمى الفصائل الإسلامية والمعارضة المعتدلة بما فيها تلك التي درّبتها الولايات المتحدة. ويقول أبو وليد قائد ميداني في جبهة الرفّ الشمالي: “قدّمت روسيا خدمة جليلة للدواعش، فالدواعش يخشون الفصائل الإسلامية أكثر من الأسد، فقتال الأسد يمنحهم الشرعية الجهادية، كما قواته لا تملك عقيدة قتالية لمحاربة التنظيم خلافاً لفصائل الثوار”، في حين إن الضربات الروسية وفق صيغتها الحالية تضعف الثوار دون التنظيم. وكان رئيس وزراء تركيا أحمد داود أوغلو قالها صراحة إن “الضربات الروسية تستهدف المعارضة المعتدلة ولا تستهدف تنظيم الدولة”.
ويبني تنظيم الدولة آمالاً عريضة على هزيمة الثوار في المواجهة. ويرى أبو مسلم انه “لن يبقى قي سوريا سوى فسطاطين، فسطاط الإيمان وتمثله دولة الخلافة، وفسطاط الكفر ويمثله النظام النصيري المدعوم من قوى الكفر، لذا على المجاهدين اختصار الطريق وحقن الدماء ومبايعة الدولة الإسلامية للذود عن المسلمين ورفع راية الإسلام”. ويحاول التنظيم جاهداً إقناع الشارع بأنّ هدفه القضاء على الأسد “لكنّ المرتدين” (الثوار) على زعم أبو مسلم “يَحُوْلُون درعاً بينهم وبين مناطق النصيرية ومعاقله”.
كما استثمر تنظيم الدولة التدخل الروسي في عمليات عسكرية على الأرض، فسيطر على ثماني مناطق هامة شمال مدينة حلب في ليلة واحدة: كلية المشاة وسجن الأحداث والمنطقة الحرة، إضافة لقرى عدة منها فافين وتلقراح وتل سوسين ومعراتة، ومنها مناطق محاذية لمواقع سيطرة النظام. ورغم ذلك لم يحدث أي احتكاك أو اشتباك بين الطرفين، وتتوارد أخبار شبه مؤكدة من داخل التنظيم عن نيّته القيام بعمليات عسكرية كبيرة لابتلاع الريف الشمالي كاملاً، ويمهد لذلك بسياسة المفخخات.
الطيران الروسي أسهم في تقدّم تنظيم الدولة الأخير، فقد خفّت وتيرة ضربات التحالف الدولي خشية حدوث اصطدام في الأجواء السورية، ما مكن التنظيم من استثمار الفرصة وتحقيق التقدم، ويخشى التنظيم من دعم الطيران الروسي للأسد في فكّ الحصار عن مطار كويرس. ويشير يوسف من أحرار الشام في ريف حلب الجنوبي إلى أن “هناك معارك طاحنة تأخذ طابع الكر والفر على جبهة الصبيحية بين النظام المدعوم بالطيران الروسي وتنظيم الدولة، وقد تبادل الطرفان السيطرة على المنطقة مرات عدة، وفي حال فُكّ الحصار عن كويرس فإن ذلك سيشكل نكسة للتنظيم” لأن النظام سيحاول التمدد نحو مدينة الباب معقل التنظيم التجاري.
في المحصّلة أياً تكن مبررات التدخل الروسي فإنّ المعطيات على الأرض تشير إلى تمدّد التنظيم وسيطرته على مساحات جديدة، فضلاً عن استرجاعه قدراً ما من الشرعية، وستسهم الضربات الروسية إن بقيت تسير وفق المنهج الحالي بتقوية النظام السوري والتنظيم معاً، وإضعاف المعارضة الوطنية ما يعني استمرار أمد الصراع وغياب أفق للحل بالمدى المنظور.
اقرأ:
جلال زين الدين: تداعيات الاتفاق الأمريكي التركي