Archived: الناشيونال: صمت عالمي إزاء هجرة اللاجئين السوريين المعاكسة تجاه سورية

الناشيونال: ترجمة ديمة الغزي- السوري  الجديد

مع الصعوبات التي تواجهها دول الغرب في استقبال الآلاف من السوريين في أوروبا، يغفل معظمنا عن هجرة أخطر بكثير يقوم بها المئات من السوريين كل يوم. فخلال الشهرين الماضيين، رصدت الأمم المتحدة وعدد من وكالات الإغاثة العالمية ظاهرة جديدة متزايدة لرجوع اللاجئين السوريين من الأردن ولبنان إلى الأراضي السورية التي تنهشها الحرب.
وقد زاد عدد هؤلاء المهاجرين حوالي ثلاثة أضعاف من 50 في اليوم الواحد خلال شهر تموز (يوليو) إلى حوالي 150 يومياً في آب (أغسطس)، وبلغ عدد الراجعين قرابة الـ 4000 في شهر آب فقط. هذا وقد أحصى لبنان خروج 140 ألف سوري منذ بداية عام 2015.
وعن رحلتهم تلك قال السوريون أنهم واجهوا الميليشيات المتنقلة ومئات الحواجز مضافاً إليها الحملات الجوية من الطيران السوري والروسي. لماذا إذاَ يقدم أحدهم على ترك الأمان النسبي المتاح له ولعائلته ليعود إلى منطقة حرب؟

الأسباب وراء هذه الهجرة المعاكسة هي اقتصادية بحتة، ففي آب (أغسطس) أوقف برنامج الغذاء العالمي المساعدات التي يقدمها لـ 220 ألف سوري، وخفضها لـ 212 ألف آخرين لتصبح 14 دولار أمريكي للشخص في الشهر الواحد. أما اللاجئين في لبنان فقد تم تخفيض المساعدات الغذائية لهم إلى 14.5 دولار أمريكي في الشهر. بينما علقت منظمات أخرى مساعداتها في دفع الإيجارات ومصاريف الغذاء مع ضمور التبرعات.
وفي مسح أجرته وكالة الأمم المتحدة للاجئين كان تخفيض برنامج الغذاء العالمي للمساعدات وراء عودة 72% من اللاجئين إلى سوريا، في حين قال 27% أن غلاء المعيشة في الأردن هو الدافع الأكبر لهم. وقد وجد السوريون في الأردن أنفسهم في ضائقة حتى قبل قطع المساعدات، إذ يعيش أكثر من 86% منهم هناك تحت خط الفقر (3.20 دولار أمريكي). ومع الاقتطاع الجزئي الذي شهدته المساعدات خلال العام الماضي تراكمت الديون على السوريين بمعدل 1000 دولار أمريكي لكل عائلة سورية في الأردن بحسب إحصائيات الأمم المتحدة، وأصبح عدد المغادرين من الأردن ثلاثة أضعاف القادمين إليه.

تقول دول الغرب أنها قد انتبهت للمشكلة وتعهدت بالمساعدة عبر زيادة دعمها لبرامج الأمم المتحدة للاجئين السوريين، وقد قامت الدول الأوروبية في مبادرة مشتركة بتخصيص مبلغ 1.1 مليار دولار أمريكي في أواخر أيلول (سبتمبر) لهذا الغرض. إلا أن السنوات الأربع الأخيرة من عمر الأزمة السورية أثبتت أن التعهد بمبلغ ودفعه أمران مختلفان.
وحتى إن أوفت دول الغرب بتعهداتها فإن تدفق المساعدات لن يعالج جذور المشكلة بل سيخفف من أعراضها فقط. فالسوريون في الأردن ولبنان ما زالوا ممنوعين من العمل بشكل قانوني ويعتمدون على ضمير وجيوب المجتمع الدولي لتأمين  قوتهم.
لا بد للقوى الدولية أن تعمل على إيجاد حل أكثر استدامة للـ 1.5 مليون لاجئ في المنطقة، سواء كان ذلك بإقامة مناطق آمنة في سوريا أو بالاستثمار بشكل واسع في الدول المضيفة، ولا بد من التحرك بسرعة لمنح الأمل للعائلات التي تجد نفسها مضطرة للعودة إلى أتون الحرب.

وعلى صعيد آخر.. يتواجد الصحفيون والمراقبون على شواطئ اليونان وتركيا وكذلك في محطات القطارات المزدحمة في فيينا ليرصدوا مأساة آلاف السوريين وهم يخاطرون بكل شيء سعياً لعيش أكرم في أوروبا. وفي لحظة واحدة ينشرهؤلاء الصحفيين مشاهد تعتصر القلب بشكل يمكنه أن يحرك الشعوب الأوروبية برمتها كما فعلت صورة الطفل الكردي الغريق أيلان كردي. لكن أين تلك الكاميرات لترصد المستحيل الذي تقوم به العائلات بالعودة إلى منطقة حرب؟ من يسجل تلك اللحظات التي يرجع السوريون فيها “إلى الجحيم” كما وصف بعضهم الأمر؟ يبقى الواقع أن السوريين الذين يعانون لإطعام عوائلهم في الأردن ولبنان بعيدون عن الأوروبيين كبعد  سوريا ذاتها.
إن أراد الغرب حقاً معالجة أزمة اللاجئين السوريين عليه أن يساعد عشرات الآلاف منهم الذين يبلغون شواطئه بالإضافة إلى مساعدة عشرات الآلاف غيرهم الذين لم يعد لهم مكان يلتجئون إليه، فالتاريخ.. وجيل كامل من السوريين.. شهود عليهم.

اقرأ:

ذا ناشيونال: بشار الأسد على وشك الانهيار , فما هي نهاية اللعبة في سوريا؟