Archived: د. هاني ضويحي: الجريمة الممنهجة للنظام الاسدي بحق المجتمع السوري

د. هاني ضويحي: كلنا شركاء

تعرض المجتمع السوري لكثير من انواع الحصار اجتماعيا وثقافيا في حقبة حكم الديكتاتور حافظ الاسد. حيث عمد الاخير الى الغاء شخصية المواطن السوري وطمس كل طموحاته واحلامه وحصره في مسار محدد لايسمح له بالخروج منه او الانزياح عنه. لم يكن عبثيا على سبيل المثال ان يقوم حافظ الاسد بطباعة صوره على كافة جدران المدارس والساحات العامة ودفاتر الطلاب المدرسية وتنصيب تماثيله في كافة المدن والقرى والبلدات، فهذا كله كان من ضمن خطة متبعة تقضي بترسيخ صورته كقائد للامة ومثال اوحد للشعب والاطفال قبل الكبار كونهم يكونون ثروة مستقبلية للديكاتور، فكان ينشر فكره وثقافته وطرائقه في التفكير في اذهان الاطفال ويجهد في ابعادهم عن التفكير في اشياء مفيدة في حياتهم المهنية والدراسية.

حاول رجال سلطته نشر ثقافة مسطحة تدور حول شعارات مفرغة لاتتعدى كونها شعارات غير قابلة للتطبيق، كشعار استعادة الاراضي المحتلة والتركيز على فلسطين كقضية مركزية دون الجولان، كونها لاتتسبب باي ضرر معنوي للديكتاتور وتخاذله في تحرير اراضي دولته، فلو كان حافظ الاسد يريد فعلا تحرير فلسطين لبدء بتحرير الجولان الذي باعه لاسرائيل مقابل بقائه في السلطة وهذا امر بات يعرفه الطفل الصغير قبل الكبير.

عملية القرصنة الفكرية للشعب السوري بدءت منذ الطفولة فكان حافظ الاسد يسعى لبناء جيل مقرصن فكريا راضخ نفسيا لما يريد، لم يكن امام الاطفال السوريين منذ استلام حافظ الاسد الا وجبات المعلومات الجاهزة المصادق عليها من قبل شعب واجهزة مخابرات حافظ الاسد، فكانت وسائل التعليم امام الاطفال مقيدة بما يسمح به وبالتالي ابداع اطفال سورية مقيد بما يتلى عليهم مما يجعل فكرهم محصورا بمجالات بعيدة كليا عن الابداع والتفكير.

كانت خطة حافظ الاسد تتضمن تكريس جيل كامل وتعليمه منذ نعومة اظفاره ثقافة موروثة وموجهة، فكان يامل في بناء جيل مطيع  ياتمر بامره ولايرفضها تماما كما كان يفعل ستالين الاب الروحي لحافظ الاسد والملهم الحقيقي لتصرفاته. وبالمناسبة فان الكثير من مقولات حافظ الاسد التي ينسبها لنفسه ماهي الا مقولات روسية لقادة روس في الاتحاد السوفياتي سابقا مترجمة للعربية، فحافظ الاسد لم يكن ذكيا بمعنى الذكاء وانما كان التلميذ الذي يسير على خطى اسياده ويتبع طرقهم في سبيل الوصول الى اهدافه مهما بلغت بشاعة الوسائل ومهما كانت هذه الوسائل سبب في تعاسة الاخرين، فاقل مايقال عن حافظ الاسد انه وصولي بكل معنى الكلمة.

كانت الفكرة الشيطانية التي تدور في ذهن حافظ الاسد هي السيطرة على الفكر قبل السيطرة على التصرفات، وكان يراهن على امتلاك افكار الاطفال وقتل امالهم واحلامهم  ليصبحوا مرددين لما يقوله مصفقين لما يتلوه من خطب، يطيعونه كيفما امر.

مرت الازمنة وكبرت اجيال متعبة تحت حكم حافظ الاسد، ولكن لسوء حظه لم يتمكن من اقفال كافة الوسائل المتاحة امام تفتح فكري جديد للجيل الصاعد الذي حاول السيطره عليه وارضاخه بكافة السبل والوسائل كمعسركات الشبيبة والطلائع والمعسكرات الالزامية التي يرضخ لها طلاب التعليم الثانوي والجامعي ويجبرون فيها على سماع افكار حافظ الاسد ومنطلقات حزب البعث النظرية الخشبية. كانت الضربة القاضية في مشروع حافظ الاسد هي  وصول الانترنت واتاحته امام جيل الشباب،

فلم يتمكن بكافة الوسائل والاحوال من منع انتشار الانترنت في سورية بسبب وصوله بطريقة او باخرى الى الجامعات وانتشار شبكات الاتصالات، لم يكن امام حافظ الاسد سوى الرضوخ للامر الواقع، مع ذلك حاول جاهدا فرض مراقبة صارمة لما يتم نقله من معلومات وخاصة فيما يتعلق بشخصه وطريقة حكمه وتاريخه، وكانت هذه الرقابة سببا في اعتقال الكثير من الشبان السوريين الجامعيين بمجرد دخولهم الى مواقع تحكي عن فساد عائلة الاسد او تنشر صورا كاريكاتورية لحافظ الاسد.

المحاولة الاولى لحافظ الاسد في مواجهة الانترنت والافكار الخارجية التي ترعبه وتهدد حكمه بالانهيار كانت هوسه الهستيري في طرح مناظرات ثقافية تنظمها فروع حزب البعث العربي الاشتراكي في كافة الانشطة وتتحدث فيها عن ضرورة التصدي للعولمة، وكان حافظ الاسد يريد من خلالها بث الرعب في قلوب الشباب من خلال رسم صورة سوداوية لوسائل الاعلام الغربية وطريقة العيش في الغرب، فكان الهدف من هذه المناظرات  نقل رسالة مفادها انه لايجب تقليد الغرب في نمط معيشتهم و حريتهم، لان تقليدهم يعني لحافظ الاسد تقليص سلطاته وتوعيه الشعب بحقوقهم المسلوبة.

من اكبر جرائم العصر التي مورست ضد الشعب السوري وضد اي مواطن سوري هي عدم معرفته بحقوقه وواجباته. لم يكن يعلم اي مواطن سوري في حقبة حافظ الاسد اي حق من حقوقه، بالاضافة الى انه لم يكن يعرف ماهي واجباته تجاه المجتمع، لم يكن يعرف دستوره اصلا، ولم يدخل الدستور ومواده في الكتب الدراسية اصلا،  كان كل مايقوم به المواطن السوري مبرمج تماما، من ذهابه الى العمل، الى هتافه في المسيرات للقائد الاوحد، الى انتخابه للقائد الرمز كلما اضطر حافظ الاسد لتنظيم مسرحية هزلية كل سبع سنوات يطلق عليها اسم “تجديد البيعة” لابعاد اي فكرة تعددية، فلم يكن له منافس اطلاقا ولم يكن يقبل باي منافس حتى لو كان خاسرا في الانتخابات، فخلاف مايروج له اتباعه في الصحف الاوربية من انه كان منتخبا، لم يكن حافظ الاسد منتخبا بيوم من الايام ولم تعقد اي انتخابات تعددية في عهده.

وصل ابنه بشار الاسد بعد ذلك ضمن خطة وضعها مستشاروه بعد وفاه باسل الاسد الذي كان الوريث الرسمي لحافظ الاسد وشكل رحيله ضربة نوعية اربكته كثيرا، كونه تعب على تاهيله على عكس ابنه بشار الذي لم يكن مخصصا لاستلام الرئاسة، تابع بشار بعد ذلك نهج والده في تسيير المجتمع السوري كقطيع من الاغنام لايسمح له بالسير في طرقات جديدة، كل ماكان يفعله بشار الاسد هو تقليد والده تقليدا اعمى فيما كان يخطط له، لذلك كان عليه اطاعة الاوامر التي كان يصدرها الحرس القديم المحيط بحافظ الاسد ، فكان هو الاخر احد ضحايا ولده واحد اغنامه المطيعة ولو انه كان يحمل جرص كبيرا و يمشي به امام القطيع.

اندلعت الثورات العربية في تونس و مصر، وكان لوسائل الاعلام المرئية والمسموعة اثر مزلزل على السوريين، بالاضافة الى حقن المجتمع السوري بحقنات نقمة اضافية ضد النظام الاسدي قادمة من الخارج تتمثل بمن ياتون لزيارة سورية ويتحدثون مع من حولهم عما شاهدوه في الخارج من حريات غير متاحة لاقرانهم في بلدهم.

كل هذا الضخ الاعلامي والفكري نشط ذاكرة المجتمع السوري وفتح امامها مسارات ضيقة تتضارب مع المسارات المسبقة التي رسمها حافظ الاسد ومن بعده اتباعه، هذه المسارات الضيقة بدءت تتسع رويدا رويدا لتشمل قضايا اكبر كانت غائبة عن ذاكرة المجتمع السوري كحقه في التعبير وفي تداول السلطة، شاركت بعد ذلك طبقات اكبر من المجتمع السوري في هذا الوعي، وزاد من توسع المشاركة وجود تيارات ناقمة على حكم عائلة الاسد كانت ضحايا لجرائم سابقة ارتكبتها عائلة الاسد في انتفاضة السوريين الاولى ضد حكم الشعب عائلة الاسد والتي انتهت بمجزرة كبيرة في مدينة حماة راح ضحيتها زهاء اربعون الف مواطنا سوريا وانتهت بانتصار الطاغية،  ساعد كل ذلك في تكبير الفجوة بين عائلة الاسد والشعب السوري المصدوم من سوء احواله والمستفيق من السبات الاسدي العميق الذي كان يعانيه منذ زمن بعيد.

بدءت النيران تزداد اكثر واكثر، خاصة بعد ان وصل الفقر الى شرائح كبيرة من المجتمع السوري اليائسة من سوء احوالها، فكان يلزمها شرارة بسيطة حتى تنفجر بوجه عائلة الاسد، فلم يعد الامر يطاق او يحتمل.

كان نظام عائلة الاسد مهيئ لتوجيه المجتمع وقمعه ولكنه لم يكن مهيء لاستيعاب ثورته، لذلك لم يكن قادرا على التصرف مع الثورة والتعامل معها بطريقة سلمية، فكان امامه طريق واحد وهو استعمال ماهو متاح امامه من وسائل، وكعادته لم يكن يستخدم اقلاما ولا مفاوضات لمواجهة مخالفيه، كانت وسائله الانجع  هي الارهاب والقتل والتشريد كما اعتاد ان يفعل مع معارضيه وتعقدت الامور الى ان وصلت الى معضلة حقيقية اليوم ادت الى تدمير الوطن السوري ارضا ومجتمعا.

اقرأ:

د. هاني ضويحي: عقدة النقص الروسي من الغرب