on
Archived: د. حبيب حداد : متى تتوقف قوافل التغريبة السورية؟
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
السوريون اليوم امام استمرار فصول المأساة التي يعيشونها , وامام انسداد الأفق , حتى الساعة ,عن أي ضوء مطمئن أوعن اي مؤشر مقنع على ان محنتهم الدامية يمكن ان تتوقف او تجد لها نهاية في المدى المنظور . ,وذلك على الرغم من الجهود الدولية الحالية المكثفة والتي كانوا وما يزالون يعلقون عليها بعض الأمل في ان تضع حدا لهذه المأساة التي اضحت بكل تعقيداتها وامتداداتها تمثل شأنا دوليا وخطرا مباشرا يهدد الجميع . على امتداد سنوات خمس انقضت حتى الآن , تابع العالم كله وعايش مسلسل هذه التراجيديا الانسانية التي كان بطلها الشعب السوري , شعب الحضارات العريقة التي اسهمت في مسار التقدم الانساني بأسبقية انجازاتها المادية والمعرفية والروحية . الشعب السوري الذي انتفض في سياق ثورة شعبية سلمية حضارية من اجل التخلص من حياة القهر والتهميش والاستبداد , وتحقيق تطلعاته المشروعة في الحرية والكرامة والمستقبل الأفضل . اليوم لا بد ان كل فرد فيه يطرح على نفسه في كل لحظة السؤال الذي تفرضه المعاناة المستمرة والمصير المعلق او المجهول حول دور ومسؤولية المعارضات السورية والمجتمع الدولي في تواصل عملية تدمير سورية : مجتمعا وكيانا ,تاريخا وحضارة , حاضرا ومستقبلا .
فهل نحن بعد بحاجة لاستعراض بعض المؤشرات التي تمثلها ارقام تقارير الأمم المتحدة التي نشرت قبل شهرين عن بعض جوانب محنة الشعب السوري التي كما يجمع كل المراقبين المحايدين انها فاقت في عنفها وضراوتها ومخاطرها ما واجهه اي شعب آخر منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن . تشير تلك الاحصائيات على ان اكثر من 60 بالمئة من السوريين هم الآن تحت خط الفقر ,واكثر من ذلك يعانون سوء التغذية , وأن25 بالمئة منهم لا يستطيعون تأمين حاجاتهم الغذائية اليومية ,وان هناك اليوم اكثر من اربعة ملايين طفل سوري خارج المدارس بما يعنيه ذلك من تجهيل جيل كامل وضياع حاضره ومستقبله وتهيئة التربة والمناخ الملائمين لنشوء كل الظواهر والاتجاهات الإجتماعية المنحرفة والمدمرة . كما تشير تلك الاحصائيات الى جوانب اخرى في المأساة السورية من خلال تواصل موجات وقوافل التغريبة السورية , وهي المتعلقة بموجات النزوح والتهجير واللجوء والاقتلاع السكاني في داخل البلاد وخارجها فهناك حتى الآن اكثر من اربعة ملايين سوري مهجر في الخارج واكثر من سبعة ملايين مهجر في الداخل , .بما تتركه هذه العملية الواسعة وشبه الجماعية من نتائج سلبية خطيرة على واقع الاجتماع السوري وامكاناته وراسماله البشري في عملية اعادة الاعمار والتنمية التي تتطلب اذا ما توقفت هذه الحرب المدمرة الى اكثر من عقدين من الزمن ,و ربما لأكثر من ثلاثمائة مليار دولار, لاعادتها الى ما كانت عليه قبلا؟؟؟ لقد ترافق استمرار موجات التغريبة السورية سواء الى الخارج او الداخل تحديات ونتائئج مجتمعية وبنيوية خطيرة ومهددة , ربما لم تعرها فصائل المعارضات السورية التي تتطاحن اليوم على الوجاهة ومواقع التمثيل في اطار اجندات الدول الاقليمية والأجنبية ,ربما لم تعرها اي اهتمام وكانت اخر ما تفكر فيه ,وفي مقدمة تلك النتائج الخطيرة :هجرة ونزيف الأدمغة الى الخارج وهذا يشمل اكثر من 70 بالمئة من الكفاءات السورية ,وهذه الهجرة الى الخارج تغلب عليها هجرة الشباب الذكور مقابل الاناث ومعظم المهاجرين هم من الشباب الذين تتراوح اعمارهم بين 20 و30 سنة ولنا هنا ان نلحظ نتائج ذلك على الاختلال الجندري أي الجنسي وما يؤدي اليه سواء في داخل القطر او في مخيمات اللجوء في الدول المجاورة , كذلك علينا ان نلحظ اختلال التوزع الديمغرافي الذي كان قائما بين مختلف محافظات القطر بسبب تواصل موجات النزوح الداخلية طلبا للأمان والاستقرار . هذه بعض نتائج النزوح والهجرة الملموسة والعيانية فهل يجوز لنا هنا ان نتغافل عن نتائج هذه العملية المعنوية والوجدانية ,عملية الانخلاع الوجداني والرمزي بالنسبة للإنسان السوري من بيته ومستقراحلامه وماضيه ,الى واقع جديد بكل ما تنطوي عليه هذه الغربة بل المحنة من مشاعر انسانية مستجدة ومن معاناة وحرقة وشوق مستديم الى الوطن الأم .
المأساة السورية المستمرة والمتفاقمة التي قدم اطفال سورية طوال السنوات الماضية ابلغ الصور والمشاهد التي تدعوا الضمير العالمي كي يستيقظ ويتحمل مسؤولياته في وضع نهاية لهذه الماساة التي لم يكن لها في بشاعتها وهولها نظير ,فمن الجريمة الوحشية التي انشبت اظفارها في جسد حمزه الخطيب الى تكسير ايدي غياث مطر واغتياله ومنعه من مواصلة توزيعه ورود السلام والاخوة الوطنية على افراد الجيش والامن ,الذي تصدوا تنفيذا لأوامر سلطتهم الغاشمة ,لقمع تظاهرات داريا السلمية المطالبة بالحرية والكرامة والمساواة , الى اقتلاع حنجرة القاشوش صوت الجماهير السلمية من اجل انهاء ليل الظلم والاستبداد والفساد , الى النداء الذي اطلقته جثة الطفل آلان التي قذفتها امواج البحر الهائجة على شواطئ بحر ايجه والذي كان يفترض فيه ان يبلغ مسامع العالم ويضعه امام مسؤولياته لوقف فصول هذه المأساة الانسانية . هل اصبح العالم اليوم مدركا لابعاد خطر الارهاب الذي اصبحت سورية مستقرا وممرا له وان التهاون في تقدير ابعاد هذا الخطر
حتى وقت قريب واعتباره شأنا اقليميا او محليا تقتصر نتائجه على استكمال تدمير سورية دون ان تمتد نيرانه الحارقة الى مختلف قارات العالم ,هذا الموقف هو الذي اسهم بدوره في استمرار المحنة السورية ووصولها الى الحال التي هي عليها الآن . اليوم والجهد الدولي ومن خلال توافق مصالح الأطراف المؤثرة فيه ,وتقاطعها مرحليا مع مصالح شعبنا مرحليا , يتجه لوضع حل سياسي للمسألة السورية ,وحيث يتأكد لشعبنا ان التفكير بالحلول العسكرية واستمرار المراهنة عليها هو جريمة وطنية بحق شعبنا وجريمة دولية بحق الامن والسلام والاستقرار في هذه النطقة من العالم . وان الاستمرار في المواقف الخطابية الاعلامية في ادانة جرائم الاستبداد وكوارث الارهاب لا يمكن ان توقف مأساة شعبهم . فهل يتمكن السوريون بواسطة معارضاتهم الداخلية والخارجية المفترضة ان يتكلموا بصوت واحد , وان يستجيبوا لتطلعات شعبهم التي قدم في سبيلها اغلى واعز التضحيات , ويدركوا ان الوحدة الوطنية السورية والتي ينبغي ان تتجسد في اية هيئة تشارك في مفاوضات جنيف القادمة هي السلاح الأمضى والخطوة الأولى التي ينبغي ان تتحقق اذا كان هناك من امل يرتجى من هذه المفاوضات . وهذه المهمة الوطنية الملحة لا يمكن تحقيقها الا بتحرير القرار الوطني المستقل من هيمنة الدول الاقليمية والخارجية والتخلي الفعلي بكل صدق وقناعة عن اطروحات مثل: المشروعية الشعبية ووحدانية التمثيل للثورة والشعب السوري ,لأن الذين يطلقون مثل هذه الإدعاءات هم اول من يدرك بطلانها وزيفها ومخاطرها على مصيرنا الوطني .