on
Archived: نديم قطيش: هكذا رضخ الاسد لبوتين
نديم قطيش: المدن
بعد ثلاثة اسابيع بالتمام والكمال، من بدء الغارات الروسية في سوريا، إستدعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشار الاسد الى موسكو، وعقد معه إجتماعات تصدر حصيلتها البحث في حل سياسي للأزمة في سوريا.
سيكون من الصعب الجزم أن العملية العسكرية الروسية، التي قيل مراراً وبأشكال مختلفة أنها محدودة زمنياً، قد وصلت الى ختامها. لكن السياق العام يشي بأن موسكو مستعجلة لتوظيف رأسمالها العسكري الميداني في إستثمارات سياسية لحل الازمة، بدل الغرق أكثر في عملية عسكرية مديدة.
اللافت أن القليل تحقق ميدانياً بفعل التدخل العسكري الروسي، في ظل فشل جيش الاسد وحلفائه من المليشيات السورية واللبنانية والعراقية المرعية إيرانياً، في إنتزاع أي نصر ميداني حقيقي. واللافت ايضاً أن العملية العسكرية الروسية نفسها لم تسقط في فخ اعلان اهداف محددة لها، خارج العنوان العام لضرب الارهاب في سوريا، في حين لم تتجاوز الغارات على أوضح فصائل الارهاب، أي داعش، العشرين في المئة من مجمل الغارات الروسية.
روسيا لا تملك إقتصادياً ترف المغامرات العسكرية المكلفة، ولا تغامر بأكثر من إستعراضات تأمل أن تعطيها ما يكفي من سمعة ورأسمال معنوي يفيد اولاً في اعادة ترميم صورة وموقع فلاديمير بوتين الدولي بعد أثمان مغامرته الاوكرانية!
كما أن إتصالات الزعيم الروسي بقادة الدول في المنطقة لا سيما بالعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، عشية بدء الغارات اولاً، ثم بعد اللقاء مع الاسد في موسكو، تفيد أن بوتين حريص على الإنتقال الى الموجة السياسية سريعاً، وعدم المغامرة بإستعداء الدول العربية والاقليمية المعنية بالملف السوري، لا سيما السعودية وتركيا وإسرائيل.
عليه، سلف بوتين الاسد ثم سارع الى مطالبته بفوائد التسليف. بدا هذا واضحاً في تصريحات الاسد التي جاءت في جانب منها تكراراً حرفياً لمواقف روسية سبقت اللقاء، لا سيما في مضمونها المتمحور حول الحل السياسي الذي قاومه الاسد ومانعه كثيراً، الى حدود إثارة حساسية بوتين نفسه بحسب بعض التقارير ومنها ما نشرته بالامس صحيفة نيويورك تايمز.
ففي حين كانت موسكو تركز على الحل السياسي منذ اشهر باعتباره المدخل الرئيسي والعاجل لحل الازمة كان الاسد يعيد التأكيد في مقابلة مع الاعلام الروسي قبل اسابيع على أنه “إذا أردنا تقدماً حقيقياً، فهذا لن يحدث طالما استمر القتل، وسفك الدماء، وانعدام الشعور بالأمان التام. نحن بإمكاننا التوصل إلى توافق، ولكن فقط حين نهزم الإرهاب في سوريا”.
اللقاء بين بوتين والاسد أحال هذا النص على التقاعد، وفرض بديلاً عنه الحل السياسي بصرف النظر عن عنوان، هزيمة الارهاب، الذي يصعب تحديد معايير له تُعِّرف الانتصار وبالتالي تعيين الزمن الذي تبدأ عنده مباحثات الحل السياسي. في المحصلة رضخ الاسد لمنطق الحل السياسي بصرف النظر عن نتائج الميدان، وهذه ابرز نتائج لقاء موسكو. لا يخفى أن الاسد إجتهد لإفشال جولات حوار سابقة رعتها الخارجية الروسية في موسكو بل عمل بشكل ممنهج على ترهيب معارضين واعتقال بعضهم قبل او بعد بعض اللقاءات الحوارية.
فتح اللقاء في موسكو صفحة جديدة في ترتيب اولويات الاسد الذي اعلن رضوخه للتصور الروسي للحل، وكان لافتاً، في معرض الامتنان، أن يكرر الاسد حرفياً ما قاله بوتين أمام قمة منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تضم عددا من الجمهوريات السوفياتية السابقة، في دوشنبي، من أنه لولا المساندة الروسية “لكان الوضع في البلاد أسوأ (مما هو في ليبيا)، ولكان تدفق اللاجئين اكبر بكثير”.
الفرصة المتوافرة لبوتين لاعادة ترميم وضعه دولياً من البوابة السورية ليست مفتوحة وهي فرصة فيها الكثير من المعطيات المعنوية والزمنية اكثر من كونها مدعومة بعناصر مادية كالقوة العسكرية او الاقتصادية او قوة النموذج! وبالتالي لن يسمح بوتين للاسد بحرمانه منها. من حسن الفطن ان يتوقع بوتين الا يتكرر رئيس أميركي يتيح لبوتين التلذذ بإهانته كما يفعل مع باراك اوباما، الذي لم ينعم عليه بإتصال البارحة. ولن تبقى تركيا اسيرة موسمها الانتخابي ولا السعودية اسيرة اولوية حربها في اليمن ولا اوروبا اسيرة رد الفعل على فداحة ملف اللجوء اليها، ولا العلاقة الاسرائيلية الاميركية سيئة ليستثمرها لصالح تفاهمات عسكرية بخصوص سوريا مع تل أبيب.
بوتين يعتبر أنه ضرب ضربته ويسعى لجنى ثمارها. يعرف ان الاسد يحتاجه بشدة وأن ايران اعلنت انها فشلت في حمايته من دون أن يعني ذلك انها ستسلم اوراقها للكرملين.
كيف ستتصرف ايران، والى أي حد ستراعي تبعات الإتفاق النووي الذي أمر المرشد على خامنئي بالبدء بتنفيذه، بالتزامن مع خبر لقاء موسكو؟ سيكون لذلك الاثر الكبير في تقرير مصير الاستثمار الروسي في سوريا
اقرأ:
نديم قطيش: ايران -روسيا.. تحالف ام وراثة؟