on
Archived: محمد إبراهيم: جمهورية الفساد والعبودية في ظل آل الأسد
محمد إبراهيم: كلنا شركاء
نظام جعل من مواطنيه طبقات ومستويات تدور في فلكه، تؤدي الخدمات من أجل ديمومة القائد ومنظومة الفساد التي بناها على الجماجم والدماء، ويصورونها على أنها انجازات القائد الملهم والتاريخي، استعدى طبقات النخب من أصحاب الفكر والعلم والمؤهلات العالية، والذي افترض فيهم الخطر المحدق على ديمومة الكرسي، حتى انقلابه على رفاق دربه ومن أحسن إليه مسرحاً مشرداً واستدعاه للخدمة انقلب عليهم وكافأهم بالاعتقال حتى الموت أو بالسحل والتغييب، ما سموها بالحركة التصحيحية، وصرفوا عليها مئات الملايين من الدولارات على مدار 40 عاماً ويزيد، من تنظيم الاحتفالات وهدر الأموال والعطلات والمسيرات والكرنفالات وتشويه كل الحيطان والمباني والجدران في انحاء الوطن بصور القائد، وكلمات القائد التي لم يعلم عنها شيئاً، ولم يتفوه بها، كتبها له منافقون متخصصون، هو النظام الذي جعل من مواطنيه أعضاءً في حزبه الدموي بالإجبار منذ بلوغ الشاب الـ 15 من العمر، وعلموه فنون التصفيق والهتاف بحياة القائد وأخوة القائد، وزوجة القائد ” السيدة ألأولى”، والتسبيح بحياة كل آل القائد وكل من تفوه بلهجة تقارب لهجة أهل القائد، حتى وان لم يكن صاحبها سوى مقلداً.
برعت منظومة الاستبداد في استعباد السوريين، خاصة من طائفة القائد، عندما قدم لهم المزايا والتسهيلات لتعيينهم في أجهزة المخابرات والامن ومؤسسات الدولة المختلفة واعطاءهم العلاوات والمزايا التي لا يتمتع بها أقرانهم الآخرين في نفس المواقع الوظيفية، علاوة على تمتعهم بكل المزايا التفضيلية والحظوة والنفوذ أينما صالوا أو جالوا، فكان ذلك بدافع خبيث لملء المواقع والمناصب والمسؤوليات من نفس الصنف، من طائفة القائد، والذي لم يثق بالآخرين إلا في إطار تركيب أراجوزات صورية ومن وراءها أصحاب النفوذ الحقيقيين، فكان ذلك سبباً لاستقطاب فئة بعينها، لما تتمتع به من مزايا ونفوذ، وقدرتها على ممارسة كل أنواع البلطجة والفساد وجمع الأموال بواسطة استغلال مناصبهم أو حتى العمل كوكلاء لفاسدين اعلى وحسب كل مصلحة لتمريرها مقابل مبالغ مالية كبيرة، ما أدى إلى توجه الشباب وبنسب عالية جداً منهم الى الالتحاق بتلك المواقع والوظائف التي تجعلهم ينتقلون من القاع الى أصحاب الحسابات والمال والمواقع والنفوذ، والتسرب من اكمال التعليم، والذي يجعلهم في فترات لاحقة أسرى لتلك المنافع والمصالح التي تمكنوا من الحصول عليها، وبالتالي التمسك بما تربى عليه من فساد وافساد قيمي وأخلاقي وبالتالي الدفاع عن موقعه أياً كان بكل الوسائل، لأنه تحول الى كائن آخر بفضل النعم والمزايا والمكرمات التي أغدق بها عليه نظام القائد، فتحول عبداً صاغراً طائعاً، يسبح بحمد القائد وأهله.
جعل النظام من أغلبية السوريين مهمشين مبعدين في أقذر طريقة اقصاء جماعي الا من ارتضى لنفسه التبعية العمياء في حظيرة الطاعة والتصفيق والهتاف بحياة القائد، ومنهم أنشأ جماعات من المخبرين وعملاء الأجهزة الأمنية مقابل لقمة العيش أو تمرير معاملة بسيطة والتهديد بتعريضه لأبشع أنواع الاذلال والتي قد تصل الى الاعتقال او التغييب او حتى يطال ذلك أهله ومقربين منه، فتحولت طبقة “كتبة التقارير” والتي أمعنوا في إذلالها وتدريبها على الفساد والافساد وايقاع الضرر بأي كان ولو من حلقات القرابة الأولى، والسوريون يشهدون وفي كل أنحاء الوطن حيث يتداول العامة الكثير من الروايات والقصص والمآسي التي تعرض لها الكثير من الشباب السوري حتى وان كانت تهمة ملفقة او تفسير لنكتة او قراءة لتعابير وجه أمام صورة مسمرة على حائط لفخامة القائد أو أي من أبناءه، ليتم توجيه تهمة خيانة الوطن واضعاف الشعور القومي وتهديد أمن الوطن و وهن شعور الأمة، ويتم ايداعه أحد سراديب الاعتقال في أنحاء الوطن والتي أصبحت أكثر ما في سورية من مدارس ومستشفيات.
وبطريقة أكثر جهنمية ومنهجية تم تعميم الفساد والافساد ليضرب في جذور الحياة في سورية وليكون أحد أهم عناوين المرحلة التي مرت بها سورية، خاصة بعد مجزرة حماة عام 19882م وقيام حافظ الأسد وبواسطة منظومته الفاسدة بحل العمل النقابي والتضييق على الحياة السياسية وربط المجتمع بأجهزة المخابرات ليكون كل فرع دولة قائمة بذاتها، في حين يحق لأي منها العمل في ميدان الآخر وبما يتوافق مع هوى وسلطة ونفوذ رئيسه، ومدى قربه ونفوذه وحظوته لدى القائد الملهم.
كان السوري وحسب رضا الأجهزة الأمنية والمخابراتية عنه وخلو سيرته من أي ما يلوثها أو أي تقرير أو وشاية وبالتالي يصنفونه بأنه موال أو إيجابي أو محب للوطن، وكان حتى من يتم اختيارهم في أي تشكيل حكومي أو منصب كبير يكون آخر من يعرف، فهو رقم في تشكيلة اقترحتها الأجهزة الأمنية لسيادة القائد، مع مراعاة النزاهة بمقاييسهم والاستقامة على الطريقة البعثية والتوزيع الطائفي والمذهبي والصفة الغالبة هي الطاعة وتنفيذ الأوامر دون حق المناقشة، وأحياناً يعلم من وقع الاختيار عليه بانه أصبح وزيراً مثلاً من نشرة أخبار التلفزيون الرسمي، وغالباً في وقت متأخر من الليل، ولا يملك الا الاستجابة والهرولة الى المكان الذي يتم تحديده لأداء قسم الولاء في منصبه الجديد، والذي لابد أن يتربع له على باب مكتبه علي أو حيدر ومكتبه وكل ما حوله مرصود بأنظمة التنصت والمراقبة الالكترونية المربوطة الى غرف عمليات الأجهزة الأمنية المكلفة بمراقبة أداءه وتعداد أنفاسه.
أما الأجهزة الأمنية والمتربعين على عروشها فهم دول مستقلة ذات سيادة وصاحبة قرار في كل مناحي حياة السوريين، تحكم وترسم وتصول وتجول بما يحقق أمن واستقرار منظومة الفساد المتكاملة، وتحبس أنفاس السوريين حتى الحجر على أحلامهم، ولا يفلت طالب وظيفة حتى لو كان مستخدماً في مدرسة، أو في مبنى بلدية في اقاصي الريف من دراسة حالته وجمع المعلومات عنه حتى ينال رضا أرباب عروش الأجهزة الأمنية ليمنح الموافقة على تعيينه، في حين يصبح تمرير أي معاملة أو طلب من قبل تلك الأجهزة مصدر ابتزاز لطالبه من قبل المتمترسين في زوايا تلك الأجهزة، والمكاتب من أصغر الرتب ومن فئة بعينها ليمنح التصريح بالموافقة في حال تم دفع مبالغ مالية يحددها صاحب الشأن بتمريرها وإلا فلن يكون، وبالتالي فان تلك الأجهزة تتحكم في قوت أصغر فئات المجتمع السوري، ولا نستثني هنا طبعاً كل قطاع الأعمال والتجارة كبيرها وصغيرها فلكل منها لابد أن يكون له سند أو راع في تلك الأجهزة ليقدم له الحماية والدعم على طريقة المافيات في روسيا بعد مطلع تسعينيات القرن الماضي حتى اليوم.
هي عصابة لا تمتلك مقومات دولة، حتى الفاشلة، وفق تصنيفات اصغر الدول، يقودها جمع من البلطجية والمفسدين والفاسدين، لاهم لهم الا جني المال وبأي طريقة كانت، حتى لم تسلم منها مؤسسة الجيش الذي تأكل ميزانيته الافتراضية ما يزيد عن 80% من ميزانية الدولة، حيث ترعرعت فيه القطط السمان وتحولت الى حيتان، في بيئة صارت الأنسب للفساد، والذي يبدأ من فرز المطلوبين للخدمة الاجبارية الى الأماكن المريحة، ذات الوجاهة والقريبة من مكان إقامة المنتسب الجديد حسب درجة الواسطة والمبالغ التي يدفعها، ولم يسلم منها حتى الضباط العاملون وتنقلاتهم وتعيينهم بالمناصب وصرف العلاوات والمكافآت والابتعاث والتكليفات والتزكيات بالترفيع السريع والاستثنائي بقدر قربه وتزلفه من صاحب شأن أو لباقته في اظهار أقصى درجات النفاق والبهلوانية في الولاء للقائد والوطن الذي يتجسد في مقاييس وحدود جسد القائد الملهم.