Archived: فادي الأحمر: قراءة جيوسياسية في (الإنزال) العسكري الروسي في سوريا

فادي الأحمر: السفير

لا شك في أن الدخول الروسي العسكري المباشر على خط الصراع السوري خلق دينامية جديدة في الأزمة السورية المستمرّة منذ خمسة أعوام. فهو أحدث «صدمة» لدى الدول الداعمة للمعارضة، خصوصاً عندما رأت جدّيته. كما فرض على الولايات المتحدة تنسيقاً عسكرياً كانت ترفضه في البداية. الطائرات الروسية لا تقوم بطلعات استكشافية او تدريبية، ولا «تمزح». فهي تقصف بجدّية (وليس كما تفعل الطائرات الأميركية). كما تنسّق مع جيش النظام ووحدات «الحرس الثوري» الايراني و «حزب الله». وبدأت النتائج تظهر في الميدان خصوصاً في الجزء الشمالي من «سوريا المفيدة» (الممتدّة من حلب الى السويداء مروراً بالعاصمة دمشق).
لا يقتصر التغيير الذي أحدثته موسكو منذ أسابيع على الواقع العسكري، إنما ينسحب على الواقع الجيوسياسي للصراع، ليس فقط في سوريا إنما في المنطقة والعالم. فما قبل التدخّل العسكري الروسي غير ما بعده. لماذا؟
أولاً، على المستوى السوري، لم تعد روسيا مجرد لاعب في الازمة، إنما غدت طرفاً مقرّراً في الصراع الدائر اليوم وفي مستقبل سوريا غداً. تدخّلها العسكري المباشر سيحدث تغييراً في ميزان القوى لمصلحة النظام، وهو ما قد بدأ. والسبب ليس فقط جدّية القصف الروسي إنما ايضاً قوة جيش النظام الذي، وبرغم من تقهقره في الاشهر الاخيرة، لا يزال القوة العسكرية الأبرز مقارنة بالمجموعات العسكرية للمعارضة المشرذمة.
ثانياً، وفي سوريا أيضاً، تسعى موسكو الى السيطرة على الساحل السوري ومنه على كامل سوريا. من هنا استهدفت أولى طلعاتها الجوية مناطق في سهل الغاب الذي يشكّل عمقاً عسكرياً استراتيجياً للمنطقة الساحلية، ونقطة وصل بين محافظات ادلب وحماه واللاذقية، وضرورة اقتصادية لأي دولة ساحلية قد تُقام في المستقبل في حال «تكريس» التقسيم في سوريا.
ثالثاً، لقد أصبح لروسيا اليوم قاعدة عسكرية على شرق البحر المتوسط وفي منطقة الشرق الأوسط. قبل ذلك كانت لقاعدة طرطوس البحرية أهميتها من دون أدنى شك. فهي موطأ قدم روسي في المياه الدافئة. أما اليوم، فالقاعدة الجوية في اللاذقية تثبّت الوجود العسكري الروسي في سوريا. وانطلاقاً منها يمكن لروسيا التدخّل في أي من جغرافيا بلدان المنطقة بحجّة ضرب الإرهاب، ولا يمكن للدول الغربية والإقليمية منعها. فهذه الأخيرة سبقتها الى التدخّل في الصراع السوري عبر تزويد المعارضة بالسلاح والإغارة بطائراتها على اهداف في سوريا والعراق. كما سبقتها دول أخرى الى ارسال جنود للقتال (وفي مقدمها ايران). من هنا تشديد الديبلوماسية الروسية على ضرورة ضرب الإرهاب قبل الحل السياسي للازمة السورية.
رابعاً، ان الإنزال العسكري الروسي يندرج في إطار الصراع الجيوسياسي مع الولايات المتحدة. منذ سقوط الاتحاد السوفياتي تحاول واشنطن ومعها الاتحاد الأوروبي تطويق روسيا عبر نسج علاقات وتحالفات عسكرية وسياسية مع دول أوروبا الشرقية ودول البلطيق المحاذية لروسيا. من هنا كان ضمّ عدد كبير منها الى الاتحاد الاوروبي في عامي 2004 و2007، ونشر الصواريخ في بولونيا وجورجيا. وآخر محاولات تطويق روسيا كانت أحداث اوكرانيا التي اعتبرتها موسكو تهديداً مباشراً لأمنها القومي. فكان ردّها الصاعق بضم جزيرة القرم، قافزة بذلك فوق الحاجز الجغرافي الذي أقامته واشنطن. وها هي اليوم تقوم بـ «قفزة» أخرى لتصل الى البحر المتوسط. وهدفها كسر الطوق وإجبار أميركا والاتحاد الأوروبي على رفع العقوبات الاقتصادية عنها.
خامساً، إن السيطرة على الساحل السوري تجعل روسيا في موقع متقدّم في الصراع على الطاقة ليس فقط في الشرق الأوسط وإنما في العالم. معلوم أن جزءاً من الصراع في سوريا هو لتأمين خطوط النفط والغاز من الخليج نحو البحر المتوسط على الساحل السوري. فطهران كانت قد وقّعت اتفاقاً مع دمشق في العام 2010 لمد أنبوب غاز عبر العراق الى بانياس. كما تسعى المملكة السعودية ودولة قطر الى تصدير نفطها وغازها ايضاً عبر الاراضي السورية، ما يقصّر المسافة بينها والدول المستوردة، ويحرّرها نسبياً من عبور بواخرها مضيق هرمز الذي تسيطر عليه ايران. انطلاقاً من اليوم، روسيا هي اللاعب الأقوى في هذا الصراع ليس فقط في وجه ايران ودول الخليج العربي، إنما ايضاً ضد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اللذين يسعيان الى الالتفاف على اعتماد أوروبا الشرقية على الغاز والنفط الروسي عبر تأمين مصادر أخرى، ابرزها في دول الخليج (السعودية وقطر وإيران). هذا إضافة الى كميات النفط والغاز المحتملة مقابل الشاطئ السوري والتي يمكن ان تشكّل بدورها مصادر لتزويد اوروبا.
سادساً، ثمة متغير جيوسياسي يهمّ فرنسا أكثر من اي دولة أخرى، وهو سيطرة روسيا على واحدة من بوابات الشرق الأوسط الأساسية. منذ القرن التاسع عشر شكّل الساحلان السوري واللبناني مدخلاً للامبراطورية الفرنسية الى الشرق الأوسط، وقد أصبح شبه مغلقٍ اليوم. سوريا ساحة صراعات إقليمية ودولية متعدّدة لم تستطع باريس أن تجد لها موقعاً متقدّماً فيها. المعارضة الاولى التي احتضنتها منذ بداياتها لم تعد موجودة عملياً اليوم. وقد فشلت محاولاتها تزويد «الجيش السوري الحر» بالسلاح لحسم الصراع وقلب النظام قبل منتصف العام 2012، كما كانت تسوّق أوساط قصر الاليزيه في ذاك الوقت، ويكاد هذا الجيش أن يزول عن خريطة الصراع. من هذا المنظار تجب قراءة اندفاعة باريس الى عقد لقاء ضم الدول الداعمة للمعارضة لتنسيق المواقف و «عدم ترك الساحة لروسيا لتحدّد كيفية رسم مسار العملية الانتقالية في سوريا»، على حد تعبير ديبلوماسي أوروبي في مجلس الأمن.
إن هذه المتغيّرات الجيوسياسية التي أحدثها وسيحدثها «الإنزال» العسكري الروسي في سوريا لا تعني اقتراب نهاية الصراع كما توحي الاتصالات واللقاءات الديبلوماسية. فهي زادت الأزمة السورية تعقيداً. ولا شك في أنها ستطيل عمر الصراع لسنوات، ليس فقط في سوريا، إنما في المنطقة بكاملها.