on
Archived: باسل العودات: سورية وسياسة “الغموض”
باسل العودات: المدن
يبدو أن مصير السوريين، لسوء حظهم، ارتبط بالغموض، فأزمتهم التي تعصف بالإقليم لفّها الغموض أكثر من أي أزمة إقليمية ودولية أخرى، فغالبية الأطراف ذات الصلة بالأزمة والتي تحمل مفاتيح الحل طرحت مبادرات وخططاً وأفكاراً غامضة، بدأت غامضة وانتهت بالفشل نتيجة غموضها، ما يطرح كثيراً من التساؤلات حول تعمّد هذه الأطراف اعتماد سياسة الغموض في كل ما تقوم به.
لفّ (الغموض) تأسيس وآليات وزعامات ومستقبل تنظيم الجبهة الإسلامية وجبهة النصرة، تلك التنظيمات المُصنّفة إرهابية بنظر الكثير من دول العالم، فلا أبو محمد الجولاني معروفة انتماءاته ومرجعياته ، ولا أبو بكر البغدادي معروف حتى وجهه، ورغم إعلانهما الجهاد ضد النظام، إلا أنهما كانا عملياً التهديد الأكبر الثاني للسوريين بعد النظام، ويبدوا أن هذا الغموض متعمد لتُمرر مرجعياتهما وليسهل على النظام السوري تلميع نفسه أمام الغرب بحجة محاربتهما.
المبعوثان الأمميان كوفي أنان والأخضر الإبراهيمي قدّما خطتين لإنهاء الأزمة السورية في عام 2012 و2013، ورغم أنهما كانا واثقين بأن المشكلة هي في النظام السوري وحلّه الحربي وعنفه، إلا أنهما فضّلا أن لا تزعجه خطتهما فأبقيا مصير الرئيس غامضاً، ولم يشر أي منهما لضرورة تنحيه عن السلطة أو ضرورة الضغط عليه لوقف عسفه، ولا حتى لضرورة تغيير النظام فوراً أو تدريجياً بسبب الدماء الغزيرة التي تسبب بإسالتها.
اتفاق جنيف بين الدول الكبرى والذي حدّد أسساً عامة لحل الأزمة السورية، تعتمد على وقف القتال والعنف بإشراف دولي، وإقامة هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات واسعة، أبقى (ربما عن عمد) مصير الأسد ورموز نظامه غامضاً، وكان هذا الغموض سبباً في فشل اجتماع جنيف 2 نتيجة التناقض الواسع بالتفسير. (الغموض) لف أيضاً إعلان الولايات المتحدة ودول أوربية عديدة في أيلول/ سبتمبر 2013 وقرارهم ضرب النظام السوري، لكن سرعان ما تم إلغاء كل شيء، بين ليلة وضحاها، بشكل غامض، وتراجع الجميع عن كل تهديداتهم، ويبدوا أن هذا الغموض كان متعمداً لتمرير قرار سحب السلاح الكيماوي الذي استخدمه النظام واعتبره الغرب خطاً احمر ككثير من خطوطه الحمراء الواهية.
الولايات المتحدة بدورها أعلنت قبل عام ونيّف عن خطة (غامضة) لتدريب المعارضة السورية (المعتدلة)، ولم تُعلن عن آليات الاختيار ولا الآليات الواضحة لقتالهم فيما بعد، وإثر مماطلة طويلة أعلنت فشل هذه الخطة وذهبت أدراج الريح، ويبدوا أن الغموض كان وسيلة للمماطلة ولتسهيل إلغاء العملية كلها.
كذلك فإن العمليات العسكرية للتحالف الدولي والتي بدأت قبل ثلاثة عشر شهراً لم تخل من الغموض، فبعد سنة ونيّف على بدء الهجمات الجوية للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سورية، لم يعرف السوريون ما هي الأهداف التي حققها هذا التحالف ولا حجم الخسائر التي مُني بها تنظيم الدولة الإسلامية، بل لم يعرفوا أيضاً ماذا سيحصل بعد تلك الضربات. في كانون الثاني/ يناير الماضي عقدت موسكو لقاءً تشاورياً (غامضاً) بين وفد من النظام وبعض المعارضة السورية، كان فاشلاً بكل المقاييس، ورغم ذلك أتبعته في نيسان/ أبريل من نفس العام بلقاء تشاوري ثان، كان أسوأ من الأول في إعداده واختيار مدعويه وآلياته ونتائجه، فموسكو التي دأبت على دعم النظام تركته غامضاً في أهدافه ومعاييره بهدف تمرير تشريع إلغاء بيان جنيف الذي يستند إلى تشكيل حكومة انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة في سورية.
المبعوث الأممي (الأجدد) لسورية ستيفان دي مستورا، طرح مبادرتين (غامضتين) لحل الأزمة، أولاها تجميد القتال في حلب تحديداً، باءت بالفشل الذريع لأنه لا بداية ولا نهاية لها، وثانيهما مبادرة لتشكيل لجان مشاورة و(دردشة) تجمع النظام والمعارضة، دون قواعد مُلزمة، وهو يعرف أنه من شبه المستحيل أن يتوصل الطرفان لتوافق من اي نوع على أي شيء.
يلفّ الغموض العلاقة بين الولايات المتحدة وفصيل كردي (ديكتاتوري) يعبث في شمال سورية بشكل خطير يؤثر على وحدة سورية رضاً وشعباً، على الرغم من تصنيف تركيا له كفصيل إرهابي، ويشمل الغموض مصير عشرات الأطنان من الأسلحة التي تم إلقاؤها جواً في مناطق نفوذ قوات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري وهو الفصيل المعني. في التسوية التي يُقال أن موسكو تطرحها حالياً على القوى الإقليمية والدولية لحل الأزمة لسورية يُصرّ الروس على أن يبقى مصير الأسد غامضاً، ولم يحددوا وضعه بعد المرحلة الانتقالية الطويلة المقترحة، ولم يُعلنوا أن لا مستقبل له في سورية، ولم يطالبوه بأي شيء سوى أن يبقى شاهداً على مرحلة مقبلة يكون مؤثراً فيها بنسبة أو أخرى، وهذا الغموض لن يمر على السوريين هذه المرة بعد أن باتوا خبراء في حل طلاسم الغموض والألغاز التي تستهدف أهداف ثورتهم.
عشرات المواقف (الغامضة) التي مرت بها الأزمة السورية خلال أربع سنوات ونصف، أسرار تلتها أسرار، وألغاز قادت لألغاز، ويبدوا أن (المؤامرة) التي طالما تحدث عنها النظام السوري هي أمر حقيقي، لكنه عكسي، فالمؤامرة والأسرار والغموض والألغاز لم تكن يوماً ضد النظام، بل ضد الشعب الذي تجرأ وطالب بالحرية والكرامة والعدالة.
اقرأ:
باسل العودات: أي دبِّ أتى إلى سورية؟