Archived: علي العبدالله: فيينا2.. بيان بلا بيان

علي العبدالله: المدن

لم تستطع اللغة والمواقف الايجابية التي وردت في بيان فيينا اخفاء الخلافات العميقة والعقبات الكثيرة والكبيرة التي تعترض طريق الدول التي اجتمعت للاتفاق على حل سياسي للصراع في سوريا وعليها.

وقد عكس غياب خريطة طريق واضحة وجدول زمني محدد ذلك بوضوح. فالاتفاق على منطلقات عامة للحل لا تعني الوصول الى حل بقدر ما تعكس توجه المجتمعين الى الانخراط في عملية سياسية اكثر من توجههم الى حل سياسي قريب، عملية سياسية تبدأ بالاتفاق على مبادىء عامة تليها مفاوضات طويلة لتفسير هذه المبادىء وتقنينها وتحويلها الى خطوات اجرائية، وهذه سترتبط بالتطورات الميدانية التي قد تجعلها سلسة وممكنة او تضعها في الادراج في ضوء نتائج العمليات العسكرية على الارض. وأول ما يلاحظ على البيان طابعه الايجابي، وكأن المجتمعين على مسافة بسيطة من الاتفاق، مع أن نقاط الاختلاف، والنقاط التي رُحلت الى لقاءات قادمة، اكبر من ان تخفى او يتم القفز عليها. فالحديث عن “وحدة سوريا واستقلالها وسيادة أراضيها وهويتها العلمانية، والابقاء والحفاظ على المؤسسات السورية، وحماية حقوق السوريين بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية او الدينية، واهمية تعزيز وتكثيف الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب، وضمان وصول المساعدات الانسانية الى كل المناطق وتعهد الدول المشاركة بزيادة الدعم المقدم للنازحين واللاجئين السوريين في بلادهم”، حديث لطيف ومطالب منطقية، ولكن كيف ستدخل هذه المطالب حيز التنفيذ في ضوء تعدد الدول الفاعلة في الصراع وتباين مصالحها الى حد التناقض.

وثاني الملاحظات تناقض بين مطلع البند السابع ونهايته حيث يشير المطلع الى بيان جنيف، الذي تحدث عن تشكيل هيئة حاكمة كاملة الصلاحيات، وقرار مجلس الامن 2118، الذي صدق على البيان واعطاه صفة الالزام، ونهايته التي تتحدث عن “تشكيل حكومة قادرة وفعالة وشاملة وغير طائفية”. فالكلام الرومانسي لا يحجب هذا التباين، وهو تباين سيثير خلافات اضافية لأنه يعيد العملية الى المربع الاول: طبيعة النظام السياسي في سوريا.

وثالث الملاحظات التعابير الفضفاضة والبالغة العمومية التي استخدمها البيان في وصفه للدستور الجديد وللانتخابات “بما يحقق أعلى المعايير العالمية وأعلى معايير الشفافية والتحقق، ويقود الى اجراء انتخابات حرة ونزيهة يشارك فيها كل السوريين بمن فيهم المهاجرون الذين لهم حق المشاركة”، عبارات آخاذة لكنها خيالية في ضوء الواقع المعاش في سوريا،

ورابع الملاحظات التباين الصارخ بين دعوة البيان لان تكون العملية السياسية “يقودها السوريون ويقرر الشعب السوري مستقبل سوريا” (البند الثامن) وعدم اشراك السوريين في الاجتماع، ليس هذا وحسب بل وتجاهل المجتمعين لجذر الصراع واسبابه المباشرة وتقديم مبادئ عامة للحل بمعزل عنها.

كل هذا قبل ان يصل المجتمعون الى الحديث عن خطوة عملية: وقف اطلاق النار ولكن بصيغة “استكشاف طرق لتنفيذ وقف لإطلاق النار في كافة انحاء البلاد” ما يعني انها خطوة بعيدة المنال، وخاصة بعد التدخل الروسي والتصعيد الايراني وسعيهما لتعزيز قوات النظام لكسر توازن القوى وتحقيق مكاسب ميدانية لصالح النظام وتوظيفها في العملية السياسية، ما يجعل الحديث عن وقف اطلاق النار حديثا غير واقعي.

ويختمون البيان بعبارة طريفة “وتعمل الدول المشاركة خلال الأيام المقبلةعلى تقريب وجهات النظر في القضايا الخلافية والبناء على القضايا المتفق عليها وسيجتمع وزراء خارجية الدول خلال أسبوعين لمواصلة النقاشات”. وكأن النقاط الخلافية هي نقاط قليلة او صغيرة والاتفاق عليها سهل وفي متناول اليد.

يلاحظ قارئ البيان انه ليس أكثر من عناوين عامة وكل عنوان منها يحتاج الى بحث مستفيض لتحديد طبيعته والاتفاق عليها وعلى الخطوات التنفيذية المطلوبة لتحقيقها، خاصة وان المواقف منها متباينة، تباينا يبلغ حد التناقض في بعضها مثل دور رأس النظام في المرحلة الانتقالية، من جهة ومن جهة ثانية لدورها في تحديد المنتصر والمهزوم وما يترتب على ذلك من اثر على النظام الاقليمي ودور القوى المحلية والدولية فيه.

فالمبادئ العامة التي وردت في البيان جذابة ومغرية وقابلة لان تكون نقطة ارتكاز لكن عموميتها تستدعي تقنينها وتحويلها الى بنود قابلة للتحقق في الواقع، وهذا غير ممكن دون أخذ طبيعة الصراع واسبابه في الاعتبار والانطلاق من التعاطي مع مطالب السوريين في الحرية والكرامة التي يفتح الطريق اليها تغيير عميق للنظام الراهن واقامة نظام ديمقراطي تعددي على قاعدة المواطنة والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات بغض النظر عن العرق والدين والمذهب والجنس، وهذا لا يمكن ان يتم دون تخلي روسيا وايران عن تصوراتهما للحل ولمستقبل سوريا، ودون توقف موسكو عن محاولة اختراق المعارضة وتشتيتها وخلق الخلافات بينها والعمل على اقناع بعضها بالقبول بالتصور الروسي للحل، وقبولهما بتغيير شامل في بنية النظام الدستورية والقانونية وقواعد اشتغاله والانتقال الى نظام ينطلق من سيادة القانون، كي يحقق العدالة والمساواة بين المواطنين، ويفتح الحقل السياسي أمام الجميع ويشركهم في تحديد الخيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للنظام وللبلاد كمدخل لاستعادة الوحدة الوطنية والعمل على تحقيق اندماج وطني حقيقي وفاعل.

لا يمكن انجاز تقدم على هذه المحاور دون حسم طبيعة التحرك السياسي لروسيا وهل اقترحت ما اقترحت من بنود لحل سياسي للمناورة والتغطية على الهدف الرئيس: دعم النظام وتعزيز موقفه، او لكسب الوقت علّ العمليات العسكرية تقود الى توازن قوى يميل بشدة لصالح النظام، ام انها جادة في البحث عن حل سياسي بعد ان لمست صعوبة تحقيق اختراق ميداني كبير يقلب توازن القوى في ضوء عجز قوات النظام وحلفائها عن تحقيق انجازات ميدانية مهمة رغم غارات شهر كامل بعنفها وعشوائيتها المقصودة ما يثير امكانية غرقها في مستنقع مجهول العواقب. يبقى المؤشر العملي لاكتشاف ذلك دورها في العمليات العسكرية القادمة والتي يتوقع المحللون ازدياد عنفها وشمولها للتأثير على مواقف الاطراف الاخرى على طاولة المفاوضات.

اقرأ:

علي العبدالله: روسيا تدخل عنق الزجاجة