on
Archived: المفكر سلامة كيلة حول الطائفية والعلويين والمعارضة – الجزء الاول
فادي آدم سعد: فلافس
الجزء الاول : عن التكوين الفكري للعلويين الفلاحين، ولماذا لجا العلويون والريف الى الجيش وماذا فعل الاخوان وبرهان غليون في فكر المعارضة وهل كان حافظ الاسد طائفي ؟
استاذ سلامه كيلة : عمد النظام السوري لقتل احد اهم زعماء الشبيحة في الساحل محمد الاسد، وهو ابن عم الرئيس بشار، وقيل في مقتله روايات منها ان ايران قتلته لأنه ورط حزب الله في معركة دورين – احدى قرى الساحل التي جرت فيها معركة عنيفة بين حزب الله والنظام من جهة وقوات المعارضة- مما ادى الى مقتل عدد كبير من عناصر الحزب. الى مدى تتحكم ايران بالوضع السوري بعيدا عن الحالة العسكرية. هل ابتعلت ايران بالفعل النظام وقبل ذلك العلويين عبر تشييعهم ؟
يجيب الاستاذ سلامه كيلة بالقول: الدين آخر هم ايران وتشييع العلويين غير صحيح هو ممكن شكلاً ، هم يستخدمون الشيعة لكن الهدف هو الهيمنة الايرانية فالمشروع الايراني واضح يريدون اعادة مجد الامبراطورية الفارسية.
التاريخ السياسي لنشوء العلويين:
الشيعة عمليا في الخط السائد يكفرون العلويين. قبل ذلك يجب فهم العلوية تاريخياً … العلوية كالدروز نشأت في اطار التطور الفلسفي العربي الاسلامي وجاءت في المرحلة التالية الاسماعيلية . ثلاث فرق خلطت الاديان مع الفلسفة وادخلت البوذية . اقامت توليفة متشعبة . العلوية ليست اسلامية خالصة لكنها بقيت مرتبطة بالدين ممزوجا بالفلسفة . الفلاسفة المسلمين أنشؤوا هذه التوليفة ابتداء من ابن سينا بحيث صار الدين فلسفة والفلسفة دين.
العلويين والدروز اقاموا قطيعة مع الدين لمصلحة الفلسفة فتحولوا الى حركات فلسفية . وكان هذا دروهم التاريخي لذلك تقلصت المظاهر الدينية كثيرا آنذاك.
عند انهيار الدولة العباسية جرت إعادة صياغة الفرق الدينية حيث تبلورت السنيّة في القرن 11 للميلاد وقبل ذلك كان الدين هو الدولة وكان الخليفة ولي الامر يؤم صلاة المسلمين ويمنح الشرعية، بالمقابل كان هناك حركات معارضة سياسية طبقية يأخذ بعضها شكل ديني . كل معارض للعباسيين كان يقال له من شيعة علي . بعد الانهيار العباسي تبلور كل من السنة والشيعة كطوائف . الحركات الاسماعيلية خلقت اسطورة لذاتها واعادت انتاج ذاتها وألبست نفسها الشكل الديني . الدروز ركزوا على البوذية . العلوية غير واضحة لكن بقيت اسلامية شكلاً . المرحلة التالية بدأت بإعادة كتابة ادبيات متعلقة بالدين .
مع تفكك الدولة انهار الريف ودمرت المدن فعاد الناس الى ما يشبه حالة البداوة والانهيار ادخل الخرافات الى هذه الفرق الثلاثة . مع التاكيد ان ليس لهذه الفرق الثلاثة اسس دينية كما السنة والشيعة …
فقر الفلاحين العلويين دفعهم للدخول الى الجيش:
السؤال الثاني : استاذ سلامة كيلة استكمالا لاستعراضك التاريخي لنشأة الفرق الاسلامية وبينها العلويين والشيعة والتداخل السياسي الايديولوجي ماذا لو تحدثنا عن الظرف المعاصر للعلويين من هذا المنظور عينه اي السيسولوجي والاقتصادي ؟ هل كان العلويون كما يقال مهمشون اكثر من غيرهم ام اقل من غيرهم من السوريين ؟
يجيب الاستاذ سلامه كيلة قائلا : الابرز في حالة العلويين في العصر الحديث انهم حكموا بالشكل الاقطاعي . والشكل الاقطاعي النموذجي المعروف اي اعتبار الفلاحين جزء من ملكية الارض موجود في الساحل السوري حيث يقطن العلويين، كان الاقطاعي يعتبر الفلاحين العلويين ملكا له كما الارض . هذه الحالة لم توجد في بقية الاماكن في سورية . بالتالي كان هناك افقار وتهميش لتلك المناطق لأنها مناطق جبلية وعرة لا يوجد فيها مساحات واسعة للزراعة، وهذا ما دفع العلويين الفلاحين للذهاب الى حماه للعمل في الارض … وبعضهم سافر الى فلسطين ؟؟
ولهذا السبب اي انعدام الارض وضعف الزراعة تطوع العلويون في الجيش عند تأسس الدولة السورية على يد الفرنسيين وهذا ما جعل الحجم العلوي في الجيش اكبر من نسبته في المجتمع حتى على مستوى الضباط. كان هذا قبل 63 . الامر الذي فسره خطأ بعض الدارسين كاستقطاب فرنسي للعلويين بالجيش.
في الحقيقة المدينة لا تنخرط في الجيش باستثناء كبار الضباط اما الجيش في مادته الكبرى فعناصر وجنود ياتون من الارياف من جبل العلويين وجبل الدروز وحوران الامر الذي تبلور بعد استلام البعث للسلطة.
اول تصفيه في تكتلات الجيش كانت مع ضباط مدنيين إضافة لضباط ريف دمشق وحماه وادلب وحماه الناصريين، لكن بعد ذلك حين تم ابعاد حزب البعث وسيطر الضباط مباشرة حيث حدثت تصفيه للضباط الدروز ثم الاسماعليين . وعندما وصل حافظ الاسد كان من الواضح ان كتلة ضباط علويين موجودة .
عاملي البيئة والثقة الشخصية اهم من العامل الطائفي :
كانت البيئة اهم من عامل الطائفة وكذلك الثقة بابناء المنطقة اهم، فالريف اقل تمسكا بالدين واقل تعصباً، فسليم حاطوم جمع من حوله ابناء جبل العرب لأنهم ابناء منطقته وليس لأنهم دروز وهذا ما فعله صلاح جديد الذي جمع حوله ضباط طرطوس ولما جاء حافظ الاسد جمع حوله ضباط جبله وطرد ضباط طرطوس … وهنا نجد عامل المنطقة يتغلب على عامل الطائفة .
حين قرر حافظ الاسد توريث ابنه بدأ صدام مع ضباط جبله وهذا ما ادى الى استعادة ضباط طرطوس مكانتهم، فالذين حول بشار هم من طرطوس وليس من جبله، فالاساس هو الترابط المناطقي …
وفي العموم فكبار المسؤولين في العالم العربي يعتمدون على اناس من مناطقهم كما في مؤسسات الدولة حيث تجد الموظفين في مؤسسة او وزارة هم من ابناء منطقة الوزير او بلدته … وصدام حسين لم يكن طائفيا لكنه اعتمد على مسؤولينن من تكريت مسقط رأسه واصطدم مع منطقة الانبار السنية لنها تمردت عليه.
هكذا حين ننظر الى دور الطوائف يجب ان ننظر سسيولوجيا وليس ثقافيا لأن النظر الثقافي امر مضلل، بينما السسيولوجي يمكننا من معرفة طبيعة ترابطات الكتل والمجموعات التي تتشكل …
هل كان حافظ الاسد طائفي ؟
السؤال الثالث: استاذ سلامه كيلة يعتقد الكثيرون ان حافظ الاسد استخدم الورقة الطائفية للتأثير في مجريات الامور في سورية وللقبض على السلطة اكثر فاكثر، مستخدما بذلك العلويين او قطاعا منهم في ذلك ؟
يجيب الاستاذ سلامه كيله: يجب ان نسأل هل كان حافظ الاسد طائفياً بمعنى انه مقتنع بالايديولوجيا التي تعبر عن العلويين ؟ إذا قلنا أنه لا توجد أصلاً عقيدة دينية تعبّر عن العلويين يصبح السؤال بلا معنى . لكن هذا لا يعني ان حافظ الاسد لم يستخدم مشكلات البنى الاجتماعية القائمة بمختلف تلاوينها المناطقية الطائفية العائلية العشائرية بما يخدم تكريس وإدامة سلطته، هذا منحى آخر وهذا ما ظهر في مسألة التوريث بمعنى أن يستمر آل الاسد في الحكم كعائلة، استخدم حافظ الاسد كل الاساليب لبقاء آل الاسد كعائلة حاكمة، حيث قام في السنوات الاولى لحكمه بالتسنّن … وعلى صعيد النشاط الاقتصادي لم يميز منطقة عن أخرى وبالتالي استمر وضع الريف العلوي كما كان بمعنى عام … والتطور الذي حدث في الساحل مشابه لبقية المناطق وهذا ما ابقى الساحل العلوي المنطقة الافقر حتى قيام الثورة السورية 2011
قبل وصوله الى الحكم حين كان حافظ الاسد وزيراً للدفاع عزز دخول ابناء منطقته في الجيش وهذا نتيجة استمرار فقر الساحل .. وفي السنوات الاولى لحكمه اعتمد على ضباط موثوقين من جبله إضافة لمصطفى طلاس وعدنان دباغ (وزير الداخلية آنذاك) . وحاول فتح خط مع الاخوان المسلمين كما فعل السادات في مصر حيث قدم لهم امتيازات لمواجهة المد اليساري وكان يسمح لهم ضمنياً بالتحرك خلال السبعينيات في الوقت الذي كان يقوم بعمليات اعتقال لليسار والقوميين وهؤلاء معظمهم من الاقليات والعلويين
تحول السبعينيات والسيطرة العلوية على الجيش والامن:
مع نهاية السبعينيات حدث تحوّل في السيطرة (العلوية)على الجيش والامن بعد الصراع الطائفي الذي بدأه الاخوان المسلمين ضد النظام، واصبح هناك ميل لتحكم الضباط العلويين ( منطقة جبلة) بالمفاصل الاساسية للدولة، لكن في نفس الوقت كان يعتقل اليسار (وجلّه من الاقليات والعلويين) في الثمانينات. وكان هناك علويين كثر بدى أنهم أكثر حيوية في الصراع ضد النظام بسبب الفقر والبطالة ولشعور فئات مهمشة من العلويين أن النظام متهم بأنه علوي ولسان حالهم يقول ” أفقرنا أذلنا ونحن متهمين أننا معه لأننا علويين” .
أيضاً في تلك الفترة كان حافظ يستوعب المؤسسة الدينية (السنيّة) ويمنحها كل الامكانيات كي تتوسع كما وزارة الاوقاف و مجموعات ملحقة بالسلطة بعضها متداخل مع تجار دمشق، إضافة إلى ان النظام كان ينشر الفكر الاصولي والوهابي في إطار العلاقة مع السعودية لمواجهة الفكر اليساري او الليبرالي، وهي (الوصفة السعودية) التي تمنع بواسطتها اي حركة تحررية في سورية، وهو ما كان يفعله الاسد في لبنان لاعباً بالطوائف هناك.
من هذا المنظور لا يمكن ان نقول ان حافظ الاسد كان يعبّر عن طائفة او انه كان طائفي، بل كان يعبّر عن ديكتاتور يريد حكم سورية لأمد طويل، لهذا لعب بكل ما يمكن أن يلعب به في المجتمع من طوائف وعشائر واثنيات وقبائل …
على هذا لااساس لا نستطيع القول ان النظام طائفي لأنه لا يملك ايديولوجيا بحيث يجب ان يكون مقتنع بايديولوجيا ويعمل على تطبيقها . ايديولوجيا تقوم على توحد الذات في مواجهة الآخر.
المعارضة والطائفية والثورة :
السؤال الرابع: استاذ سلامه كيلة بعد الثورة السورية بدى ان هناك جهات داخل المعارضة إضافة لجهات اقليمية تدفع بالثورة باتجاه مسار طائفي يحرفها عن اسباب انطلاقها وعن اهدافها الاصلية في الكرامه والحرية والعدالة، ما اسباب ذلك برأيك استاذ سلامه كيلة ؟
لا شك أن الصراع في السبعينيات ضد النظام السوري كان يتخذ شكل يساري، فالمعارضة على ضوء الاستقرار في السبعينيات انتقلت من الاعتبار ان الاستبداد هو الخطر الرئيسي وان الديمقراطية هي الهدف الذي يجب ان يوحد كل اطراف المعارضة للوصول الى نظام ديمقراطي. لكن يمكن ان نلمس اكثر من مسألة هنا حيث ان المكتب السياسي – الحزب الشيوعي اتخذ موقفاً ممالئاً للاخوان 1980 وكان يبدو ان هناك اتجاهات في الحزب تميل للتحالف مع الاخوان وهذا ما اوجد اشكالية داخل الحزب وفي رؤية الاحزاب الاخرى له.
برهان غليون زرع فكرة خطيرة :
لكن ايضاً سنلمس ان بعض النخب باتت تميل منذ نهاية السبعينيات للحديث عن (الوعي الشعبي) او الوعي الديني، وإذا عدنا إلى اول كتاب أصدره برهان غليون الذي اسماه “بيان من اجل الديمقراطية ” سنلمس انه زرع فكرة خطيرة أثّرت كثيراً في مسار المعارضة التالي، وخصوصاً في مسار الحزب الشيوعي – المكتب السياسي حيث ان قارئ الكتاب يصل الى نتيجة ان غليون يتحدث عن الاغلبية والاقلية بالمعنى الديني الطائفي، فهو يتحدث عن الاغلبية بمعنى السنة وعن الاقلية بمعنى الطوائف الاخرى.
هذا الجانب كان يتعزز اكثر مع الشعور في بنى الدولة (الجيش والجامعات والمؤسسات الحكومية) بميل للتمييز أكثر لمصلحة العلويين، وكان ذلك يضخّم، لهذا ظهر تصوّر راسخ لدى قطاع من المعارضة السورية بان النظام طائفي، وبأنه يمثّل العلويين وأن الاغلبية السنية مهمّشة ومضطهدة.
الصراع الطائفي تحول الى وعي عند بعض المعارضة :
ولا شك ان الصراع الطائفي الذي بدأه الاخوان أصبح يتحول هنا الى وعي لدى قطاع من المعارضة، وبالتالي بتنا نلمس دائماً فهماً للأمور ينزع نحو التفسير الطائفي . ومع الاسف ظهر ذلك واضحاً مع الثورة السورية حيث وجدنا التوحد بين الاخوان المسلمين وهذا القطاع من المعارضة ( المكتب السياسي ) نظرتها للنظام لاطبقية ولا من اساس حداثي او ليبرالي ديمقراطي لها.
اقرأ:
سلامة كيلة: جرائم النظام السوري واليسار الممانع