on
Archived: فورين أفيرز: المقاومة الإلكترونية، كيف يمكن تهميش داعش على الإنترنت
فورين أفيرز: ترجمة ديمة الغزي- السوري الجديد
تعد الدولة الإسلامية (أو داعش) أول تنظيم إرهابي يستولي على مناطق لنفسه على الأرض وعلى الإنترنت، فبالإضافة إلى المساحات الشاسعة التي يسيطر عليها في كل من العراق وسوريا، يحظى التنظيم أيضاً بوجود آمن وفعال على الشبكة العنكبوتية، لكنه لن يكون آخر تنظيم يحقق ذلك. نعم هناك بعض المجموعات الإرهابية في الساحل والمناطق النائية التي لم تنشر أعمالها العنفية على الإنترنت بعد، لكنها ليست إلا مسألة وقت حتى تقوم بذلك. بل إن المجموعة الإرهابية التي سنشهدها بعد داعش قد تركز جهودها على العمليات الإلكترونية أكثر من حرصها على السيطرة على أراضٍ فعلية.
ورغم أن المعركة العسكرية ضد داعش تحتل أولوية عظمى بلا شك، إلا أننا يجب ألا نبخس الجبهة الإلكترونية حقها من الأهمية، فالتنظيم اعتمد بشكل كبير على الإنترنت ليسوق لعقيدته المسمومة ويستقطب الإرهابيين إليه. وبحسب ما قال المركز العالمي لدراسة التطرف والعنف السياسي، فإن المنطقة التي يسيطر عليها داعش فيها أكبر عدد من المقاتلين الأجانب منذ أفغانستان الثمانينات من القرن الماضي، وتشير آخر التقديرات إلى عدد يقارب العشرين ألفاً، منهم 4 آلاف جاؤوا من دول الغرب. وقد كان الإنترنت هو الوسيلة التي مكنتهم من التواصل مع داعش، في حين لفتت حملة التنظيم انتباه آخرين لشن هجمات إرهابية دون الحاجة إلى السفر إلى الشرق الأوسط.
كذلك يوظف داعش العالم الإلكتروني لشن حربه النفسية التي تساهم بشكل مباشر في نجاحه على الأرض. فقبل أن يسيطر التنظيم على مدينة الموصل العراقية في حزيران (يونيو) 2014 مثلاً، أطلق حملة إعلامية متكاملة بنصوص وصور وأفلام يهدد فيها سكان المدينة بموت ودمار غير مسبوق. ترمي سياسة التخويف هذه إلى تسهيل السيطرة على الناس وإضعاف احتمال تمردهم ضده.
بذلك يتبين أن إحباط محاولات داعش على الإنترنت سيقلل من انتصاراته في المعارك على الأرض. إلا أن معظم الجهود في هذا الصدد حتى اليوم محدودة ولا تتعدى تكتيكات معينة مثل اتخاذ موقف يرفض الإرهاب عوض ابتكار استراتيجية شاملة. وبدلاً من اللجوء إلى طريقة وحيدة، يجب على معارضي التنظيم أن ينظروا لهذه المعركة كما ينظرون لمواجهة عسكرية، أي أن يشنوا حملة مضادة على نطاق واسع.
اعرف عدوك
لعل أول خطوة في هذه الحرب الإلكترونية هي معرفة العدو. أغلب التحليلات التي تناولت أثر داعش على الإنترنت انحصرت في وسائل التواصل الاجتماعي، ففي تقرير لمعهد بروكينجز، قدّر ج.م. برجر وجوناثان مورجان عدد حسابات تويتر التي أعلنت صراحة دعمها للتنظيم بـ 46 ألفاً في أواخر عام 2014، وارتكزت استراتيجية محاربة داعش على الإنترنت على إغلاق تلك الحسابات فقط.
لكن المشكلة أن الوجود الذي بناه التنظيم في وسائل التواصل الاجتماعي ليس إلا غيضاً من فيض. فجعبته مليئة بوسائل التسويق المختلفة من منتديات وغرف المحادثة الخاصة إلى وسائل التواصل المشفرة مثل واتس آب وكيك وويكر وزيلو وتلغرام. ومن ناحية أخرى هناك مراكز إنتاج للإعلام الإلكتروني مثل مؤسسة الفرقان ومركز الحياة الإعلامي الذي يفترض أنه ممول من قبل قيادة داعش المركزية، كلاهما ينتجان إعلانات وأفلاماً مصورة على درجة عالية من الحرفية.
ومع ذلك لا تفيد الإحاطة بوسائل التسويق التي يتبعها التنظيم دون معرفة الأيادي التي تدعمه، وإلا كان ذلك كجدوى معرفة المناطق التي يسيطر عليها مع تجاهل هوية محتليها وكيفية إبقائها تحت سيطرتهم. تتطلب المقاومة الفعالة فهماً للهرم القيادي للتنظيم، فهو أشبه بالشركات من تنظيم القاعدة الذي يتكون من تجمع عدد من الخلايا الفردية، وفي العراق وسوريا نجد أن الأشخاص في القيادة يكونون على قدر عالٍ من التعليم والمعرفة وهم من يحددون الأجندات العقائدية، أما البقية العظمى فهي تشكل قوات المقاتلين والمجندين والمصورين وزوجات الجهاديين، مع كل من يتمتع بمهارة قد يحتاجها التنظيم.
وفي قمة الهرم نجد قيادة داعش المركزية للعمليات الإلكترونية، وهي منوطة بإصدار الأوامر وتوفير الموارد لنشر المواد. ورغم قلة عدد أعضائها إلا أن عملياتها على درجة عالية من التنظيم. فبحسب ما يقول برجر مثلاً يعود أصل معظم ما ينشره التنظيم على تويتر للتسويق لنفسه إلى عدد محدود من الحسابات التي تضع ضوابط صارمة لخصوصيتها وتحظى بعدد قليل من المتابعين. وعبر نشر رسالتهم إلى عدد محدود من المتابعين بعيداً عن أعين العامة يتمكنون من التهرب من التبليغات التي قد تطالهم بسبب انتهاكهم لقوانين خدمة الموقع. والمحتوى الذي ينشرونه يصل بالنهاية إلى الدرجة الثانية من الهرم وهي عامة مقاتلي داعش على الإنترنت.
قد لا يقتصر عمل هذا النوع من المقاتلين على الإنترنت فقط، فهم وأمثالهم يديرون حسابات متصلة بالقيادة المركزية تنشر مواداً من خلال وسائل تسويقية خلاقة وفعالة. ففي حزيران (يونيو) 2014 مثلاً استغل بعض المتعاطفين مع الدولة الإسلامية الوسوم المرتبطة بكأس العالم لإغراق عشاق كرة القدم بالحملات الدعائية للتنظيم. ولأن هؤلاء متمرسون في الجبهات الإلكترونية فهم غالباً ما يحتفظون بحسابات بديلة يستخدمونها إذا ما تعرضت حساباتهم الأصلية للإغلاق بسبب خرقهم قوانين الموقع. وفي سعيهم لجعل كل حساب يبدو مؤثراً أكثر مما هو عليه في الحقيقة، تجدهم يشترون متابعين مزيفين من مؤسسات تسويقية لوسائل التواصل الاجتماعي، وبعشرة دولارات فقط يظفر الحساب بعشرات الآلاف من المتابعين.
وهناك أيضاً الأعداد الهائلة من المتطرفين المتعاطفين مع التنظيم حول العالم، وهم يشكلون القسم الثالث من مقاتلي داعش في الحرب الإلكترونية. وهم -بعكس المقاتلين الآخرين- لا ينتمون للتنظيم بشكل رسمي، ولا يأتمرون بأوامر قياداته ولا يعيشون في العراق أو سوريا. ولكن حالما يقنعهم مجندو التنظيم برسالتهم تراهم يقضون وقتهم في المساعدة بنشر رسالة التطرف وحشد الناس للقضية. هؤلاء هم من يتعرفون على مجندي المستقبل ويجذبونهم إلى براثن التنظيم على المستوى الفردي، مقيمين معهم علاقات شخصية على الإنترنت قوية كفاية بما يدفع ضحاياهم إلى السفر. ففي حزيران (يونيو) مثلاً، وثقت صحيفة نيويورك تايمز لقاء أحد الإسلاميين المتطرفين في المملكة المتحدة بشابة صغيرة في السن من جامعة واشنطن ستيت وإقناعه لها بالتفكير في السفر إلى سوريا.
قد يكون الالتحاق بداعش في سوريا والعراق مخالفاً للقانون، لكن نشر التطرف على الإنترنت ليس كذلك. وهؤلاء المقاتلين ضليعون في استغلال حقوقهم في حرية التعبير، وتكمن قوتهم في أعدادهم وفي استعدادهم لتبني فكر داعش دون تلقي أوامر مباشرة من قادته.
أما النوع الرابع من المقاتلين الإلكترونيين فهم من غير البشر، عشرات الآلاف من الحسابات المزيفة التي تعمل بشكل أوتوماتيكي على نشر فكر داعش ليطبق الآفاق. ففي تويتر مثلاً تنهال التغريدات من الحسابات الآلية لتملأ الفضاء الإلكتروني برسائل إرهابية، وهناك عدد لا يحصى من الدروس على الإنترنت التي يمكن من خلالها تعلم كيفية كتابة هذه البرامج البسيطة نسبياً. وفي بعض المواقع على فيسبوك ويوتيوب وغيرهما، نجد هذه الحسابات الآلية تحتكر الفضاء بنشرها مواداً تدعو إلى التطرف ونبذ الأصوات المعتدلة. ومهمة هذا الجيش المبرمج تتلخص في نشر المواد التي تطلقها قيادة داعش المركزية لتبلغ أكبر عدد من الشاشات.
استعادة المواقع الإلكترونية
اقتصر الجدال على كيفية محاربة داعش على الأرض على وسيلتين:
– إما احتواء التنظيم
– أو هزيمته تماماً.
لكن أفضل طريقة لمحاربته إلكترونياً تختلف عن ذلك.. فهي تعتمد على التهميش. وستكون النتيجة شبيهة بما حصل مع القوات الثورية المسلحة في كولومبيا FARC، وهي المجموعة الإرهابية التي احتلت عناوين الأخبار خلال التسعينات باختطافها لشخصيات معروفة وشنها حرب عصابات شرسة. أما اليوم فهي إما حُلّت أو هزمت تماماً، مع تخفي معظم قياداتها في الأدغال.
من هذا المنطلق سيتم تحييد داعش كخطر إلكتروني عندما يصبح وجوده شحيحاً على الإنترنت. وسيجعل استيلاء التنظيم على مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع المحادثة العامة أمراً يشكل خطراً عليه أو مستحيل تحقيقه، وتصبح المواد التي ينشرها غير مطروقة. ومع حد قدرته على حشد القوات لحربه الإلكترونية، ستصبح نسبة مقاتليه الإلكترونيين إلى نظرائهم على الأرض 1:1. وسيُجبَر على العمل فيما يسمى بالمواقع المظلمة، التي لا تنشرها محركات البحث والتي لا يصل إليها إلا بعض المستخدمين الضليعين في عالم الإنترنت.
ورغم أن دفع المنظمات الإرهابية إلى العمل في السر يجعل من كشف خططها أصعب، إلا أنه في حالة داعش ستكون هذه مقايضة مجزية. فكل يوم يصل خطاب المجموعة إلى ملايين الناس، بعضهم موالون لها أو حتى يقاتلون في سبيل قضيتها. ومنعها من السيطرة على العالم الإلكتروني سيحد من قدرتها على تعويض نقص الجنود في صفوفها، ويضعف تأثيرها على العامة، وسيقضي على أهم وسيلة اتصال تملكها.
سيتطلب ذلك تحالفاً واسعاً يضم حكومات وشركات ومنظمات غير ربحية ومنظمات عالمية. عليهم أولاً أن يفصلوا بين حسابات مواقع التواصل التي يقوم عليها أناس حقيقيون وبين تلك الآلية منها، ثم أن يكثفوا جهودهم على مراكز القيادة الإلكترونية للتنظيم ليحددوا الحسابات المسؤولة عن رسم الاستراتيجية وإصدار الأوامر ويقوموا بإغلاقها. وبعد إتمام ذلك يجب على المجتمع الإلكتروني برمته أن يزج ببقية جنود التنظيم الإلكترونيين إلى الهامش.
ولا بد من أن يتم استهداف الحسابات بدقة، فإغلاق حسابات كثيرة لخرقها قوانين الموقع لا يضمن التأثير على القيادة، بل وضحت أبحاث برجر ومورجان أن داعش تعلم حماية قادته الإلكترونيين من عمليات كهذه عبر تضييق خصوصية الحساب إلى أبعد حد.
لسنا هنا بصدد التقليل من أثر حظر المستخدمين الذين يخرقون القوانين بنشرهم لمواد إرهابية، فشركات التكنولوجيا قد أصبحت خبيرة في ذلك، وفي عام 2014 نسقت الوحدة البريطانية لمكافحة الإرهاب على الإنترنت التي تديرها شرطة لندن مع شركات كغوغل وفيسبوك وتويتر لحظر أكثر من 46 ألف منشور فيه مواد عنيفة وتحض على الكراهية. وفي العام نفسه ألغى يوتيوب حوالي 14 مليون فيديو. أما في نيسان (إبريل) 2015 فقد أعلن تويتر أنه أغلق 10 آلاف حساب مرتبط بداعش في يوم واحد. هذه الجهود تؤمن مكاناً نظيفاً لملايين مستخدمي الموقع، لكنها ستكون فعالة أكثر إن طالت حسابات القادة الذين يأمرون بنشر هذا المحتوى.
وهذا بدوره يتطلب تحديد شبكة الحسابات التابعة لداعش. ويمكن للجهات المعنية أن تصل إلى ذلك عبر اختراق شبكات التنظيم الأرضية، هذه الطريقة أبدت نجاحاً بالفعل فيما سبق. ففي نسيان (إبريل) اعتقلت قوات الـ FBI الأمريكية شابتان واتهمتهما بالتخطيط لهجمات في مدينة نيويورك بعد تحقيق دام عامين كان معتمداً بشكل كبير على نشاطهما في وسائل التواصل الاجتماعي لجمع الأدلة. يجب على القوات المختصة أن تحذو حذو الـ FBI في هذا المسعى وتركز على العالم الإلكتروني وتستهدف قادة داعش فيه، لتغلق حسابات أعضائه وتعتقلهم في بعض الحالات.
حالما يتم فصل قادة داعش على الجبهة الإلكترونية عن أتباعهم، سيصبح الأتباع أقل تنظيماً وبالتالي أقل فاعلية. والخطوة التالية يجب أن تكون الحد من نشاط المجموعة على الإنترنت ككل، ودفعها بذلك إلى هوامش المجتمع الإلكتروني. والخطر الكامن خلال هذه المرحلة هو احتمال انبثاق مجموعات أصغر من التنظيم الأساسي لكنها أكثر عنفاً وفساداً، مع إبدائها استعداداً أكبر للمجازفة قد يدفعها إلى فضح معارضي التنظيم بنشر معلوماتهم الشخصية كعنوان السكن والرقم المدني، أو مهاجمة مواقع إلكترونية مما قد يؤدي إلى إغلاقها تماماً.
للحد من هذا الخطر يجب على مقاتلي الجبهة الإلكترونية أن يوجهوا جهودهم باتجاه بعيد عن التطرف تماماً، وهنا يأتي دور الموقف المناهض للتطرف العنفي. فعلى مدى العامين الماضيين تم إطلاق عدد من المبادرات الجديرة بالاهتمام، ومنها سلسلة فيديوهات أنتجها المركز العربي للبحوث العلمية والدراسات الإنسانية ومعهد الحوار الاستراتيجي. ولضمان فاعليتها يجب أن تعكس هذه الحملات التنوع الموجود في صفوف التنظيم، فهناك الجهاديون المحترفون.. والجنود السابقون من العراق.. ورجال الدين.. والشباب الذين يبحثون عن المغامرة.. والسكان المحليون الذين انضموا خوفاً أو طمعاً. قد تنجح التذكرة بالاعتدال الديني في إقناع المجاهد التقي بالعدول عن الانضمام، لكنها لن تفلح مع المراهق البريطاني الذي يشعر بالعزلة وتلقى الوعود بالانتماء في سوريا وبالحور العين. لعل ما تقدمه الجهات المعنية بمنع الانتحار ووقف التسلط أكثر نفعاً له.
لتحقيق الاستفادة القصوى يجب أن تحدد هذه الحملات هدفها بعناية، فالفيديو الذي يشاهده 50 ألفَ متفرج تنطبق عليهم المواصفات المطلوبة سيكون تأثيره أكبر من فيديو آخر يشاهده 50 مليون شخص لا على التعيين. لننظر إلى المسلسل الكارتوني “عبد الله x” مثلاً، وهو مسلسل تم تسويقه على يوتيوب في حملة مولها الاتحاد الأوروبي، كانت دعاية الحلقة الأولى منه موجهة إلى أولئك الذين أبدوا اهتماماً في الإسلام المتطرف. عثر عليها 80% من المشاهدين من خلال الإعلانات المستهدفة وليس من خلال البحث على الموقع عن أمور غير مرتبطة بالموضوع.
ولكن مع تنوع أتباع داعش يكون الاعتماد على تبني موقف مضاد له فقط مجازفة كبيرة، فمواجهة المتطرفين المريدين تقضي بأن يستهدف التحالف قابليتهم للعمل في العلن. فتنظيم القاعدة اليوم يحرص على التكتم على عملياته الإلكترونية عبر استخدام التشفير وكلمات السر وضوابط خصوصية صارمة، مما جعل مراقبته مهمة صعبة جداً، لكنه أيضاً قلص من وجوده الإلكتروني بشكل كبير. يجب إذاً إجبار داعش على اللجوء إلى مثل هذه التدابير والاحتياطات.
يستلزم الوصول إلى ذلك بعضاً من الأفكار المبتكرة. على الحكومات مثلاً أن تفكر بالعمل مع وسائل الإعلام لتسلط الضوء على الاعتقالات التي تحصل بعد عمليات سرية لاختراق شبكة التنظيم على الإنترنت، فإن شعر المجندون بالتوجس من محادثة أشخاص جدد خوفاً من أن يكونوا مخبرين متخفين، سيصبح استقطاب المجاهدين الجدد أمراً بالغ الصعوبة. ويمكن لقوات الشرطة أن تصمم تقارير مرئية تبين فيها كيف توقع تحقيقاتها بالمجندين الإلكترونيين وبكامل الشبكة الاجتماعية التي ينتمون إليها.
قد تتوفر تقنيات جديدة خلال الأعوام القادمة تتيح للحكومات تهميش المجندين الإرهابيين على الإنترنت، ومنها ما يعرف باسم تعليم الآلة (يستخدم فيها الكمبيوتر تحليلاً حسابياً لدراسة بيانات معينة وتقديم التنبؤات عنها)، يستهدف عبرها المعلنون على الإنترنت أشخاصاً باهتمامات معينة، يمكن كذلك للشرطة أن توظف التحليل الحسابي في التعرف على حسابات الأشخاص الداعمين للتنظيم وإيقافها. وبمساعدة تقنية تعليم الآلة هذه يمكن للحملات أن تكون دقيقة وناجحة بشكل غير مسبوق ولا يمكن تحقيقه بجهود الأفراد.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن المقاومة الإلكترونية -شأنها شأن المقاومة على الأرض- تكون أكثر نجاحاً عندما يساهم فيها أفراد المجتمع المحلي. كل المنابر على الإنترنت التي يستخدمها داعش يشرف عليها أشخاص يكونون بمثابة الشيوخ ورؤوس العشائر، وشركات التكنولوجيا التي تملك هذه المنابر لا ترغب برؤيتها تفيض بالحسابات الوهمية والرسائل التي تحض على العنف، لذا عليها أن تزود مشرفيها بالأدوات والتدريب اللازم لضمان خلو مواقعها من الرسائل المتطرفة. هنا قد تساعد تقنية تعليم الآلة مرة أخرى يوماً ما، عبر التعرف على الرسائل المتطرفة وإبلاغ المراقبين عنها أو حجبها بشكل تلقائي.
يبدو للوهلة الأولى أن داعش يسيطر على الساحة الإلكترونية بشكل ميؤوس منه، إذ يملك جيشاً لا يفتأ ينشر رسالة التنظيم ودعايته بلا كلل. لكن الواقع يقول أن التنظيم لا يحظى بالأعداد والموارد الكافية، فالأغلبية العظمى من مستخدمي الإنترنت تعارض رسالته، والمنابر التي يستخدمها جنوده تعود إلى شركات تعارض عقيدته.
ما من شك أن شن حملة مقاومة إلكترونية هو أمر غير مسبوق، لكن تبعات الهزيمة فيها غير مكلفة، إذ أن المقاتلين لا يواجهون خطر الموت أو الإصابة بعكس المقاتلين في المعارك على الأرض، وهذا عامل آخر لا يصب في مصلحة عمل داعش على الإنترنت، إذ يمكن لمعارضيه أن يبدلوا ويبتكروا طرقاً جديدة لمحاربة الإرهاب بشكل سريع لصقل استراتيجيتهم.
تهميش داعش إلكترونياً يحمل معه إيجابيات مضاعفة، فعدا عن توفير فرص حياة أفضل لملايين المستخدمين بسبب تقليل احتمال تعريضهم لدعاية التنظيم، سيجعل كذلك هزيمة التنظيم على الأرض قادمة لا محالة. ومع صعوبة التواصل بين مجنديه سيواجه التنظيم صعوبات أكبر في تنسيق هجماته على الأرض وتجنيد المزيد من المقاتلين، أما أولئك الذين يحاربون التنظيم على الإنترنت فسيكتسبون خبرات قيمة يستفيدون منها في محاربة التنظيمات الإرهابية المستقبلية التي قد تحاول السيطرة على الإنترنت.
اقرأ:
فورين أفيرز: لم لا يستغل أوباما تلاقي مصالح بشار الأسد والروس والمعارضة في وقف تقدم الجهاديين؟