Archived: ابراهيم العريس: (الضروري في السياسة) لابن رشد.. أفلاطون في السياسة الإسلامية

ابراهيم العريس: الحياة

في العام 1998 وفي وقت واحد، تقريباً، صدر في بيروت كتابان لهما الموضوع ذاته المؤلف ذاته، وهما كتابان مترجمان الى لغة الضاد مع أن أصلهما، كما سوف نرى بعد قليل، عربي. وسنقول في السطور التالية على أية حال، لماذا كان الاضطرار الى سلوك سبيل الترجمة من أجل استعادة نص فلسفي/سياسي كان من المفترض ان يكون له دور شديد المركزية في تاريخ الفكر العربي. المهم أنه بالنسبة الى الترجمتين أن أولاهما كانت عن العبرية مباشرة، أما الثانية فبالواسطة عن واحدة من ترجمات انكليزية عدة حُقّقت أصلاً إنطلاقاً من الأصل العبري ذاته. يومها حمل الكتاب الأول عنوان «الضروري في السياسة» (وصدر عن «مركز دراسات الوحدة العربية») – ضمن المشروع الذي أنجزه المفكر العربي المغربي الراحل محمد عابد الجابري متضمناً إصدار وإعادة إصدار مؤلفات ابن رشد إضافة الى كتب عدة صدرت عنه -، فيما حمل الثاني عنوان «تلخيص السياسة» (وصدر عن «دار الطليعة»). ومن الواضح ان مناسبة صدور الترجمتين – كما مناسبة اشتغال الجابري على مشروعه الشامل -، كانت الاحتفال بمرور ثمانية قرون على رحيل المؤلف، الفيلسوف القرطبي ابن رشد. ولئن كان في امكان بعضهم ان يرى نوعاً من الإفراط في القول إن ابن رشد هو مؤلف هذا الكتاب المزدوج الترجمة، بالنظر الى ان الكتاب ليس في الأصل سوى اختصار وترجمة لكتاب افلاطون الشهير «الجمهورية»، الذي يعتبر من أهم أعمال الفيلسوف الإغريقي الكبير، فإن في ثنايا الكتاب وتفاصيله وظروف «تأليفه»، وما نتج منها، ما يؤكد اننا حقاً امام ما يبدو أقرب الى التأليف. وهذا على الأقل ما يقوله الباحث الراحل الدكتور محمد عابد الجابري، في تقديمه وتعليقه على «الضروري في السياسة» الذي كان هو من أشرف على إصداره، في ترجمة الدكتور أحمد شحلان مباشرة عن العبرية، حيث ان ابن رشد، في معرض تلخيصه واستعراضه لكتاب «الجمهورية» (الذي عرف ايضاً بـ «السياسي»)، عرف كيف يؤقلم الأفكار الأفلاطونية، الى حدّ كبير، مع البيئة الإندلسية التي تم العمل ضمن اطارها، بل البيئة السياسية الإسلامية العربية ككل. بل اكثر من هذا، اذ لا بد من ان نشير هنا، الى ان الجابري نفسه، وفي كتاب أصدره قبل ثلاث سنوات من «الضروري في السياسة»، وهو «المثقفون في الحضارة العربية»، كان قد «وجّه أصابع الاتهام» الى اشتغال ابن رشد على كتاب «الجمهورية» وتدخلاته فيه، باعتباره – اي هذا الاشتغال – مسؤولاً عن النكبة التي حلّت بفيلسوف قرطبة وبالفلسفة هناك في شكل عام، انطلاقاً ليس فقط مما يقوله الكتاب عن الدولة الاستبدادية واضمحلال الممالك، بل بخاصة عن فرضية تقول ان «الشخص» المجهول الذي يهدي اليه ابن رشد هذه الترجمة – غير البريئة – انما كان ابو يحيى شقيق الخليفة المنصور الذي يبدو انه كان يتآمر ضد هذا الأخير، فشكّك الخليفة في أن ابن رشد كان واحداً من أشياعه. والحقيقة ان هذه الفرضية، التي جاء بها الجابري قبل وجود ترجمة تلخيص «الجمهورية» في العربية، تبدو منطقية وتفسر لغزاً كبيراً ظل يحيط بحياة ابن رشد ونكبته منذ مئات السنين. ومع هذا، ليس هذا ما يهمنا هنا. ما يهمنا طبعاً هو الكتاب ذاته الذي عُدّ منذ صدوره في العربية – وإن بترجمتين متناقضتين بعض الشيء -، اضافة جديدة الى التراث الرشدي. بل اضافة ذات اهمية مزدوجة وفائقة. فمن ناحية كان الكتاب مفقوداً لا وجود له في العربية بحيث كان من المنطقي ترجمته عن ترجمة عبرية، او انكليزية او ما شابه. ومن ناحية ثانية كان لانزياح ابن رشد نحو الفكر السياسي الأفلاطوني في هذا الكتاب، إشارة الى تنويع في اهتماماته الأرسطية المعهودة. بل اكثر من هذا، إذ نجد في ذلك ربطاً لبعض افكاره في السياسة بأفكار سلفه الكبير الفارابي، الذي طويلاً ما كان اشتغل على الجمع بين رأيي ارسطو وأفلاطون. فما هو «الضروري في السياسة» بعد هذا؟

> هو استخلاص جوهر ما تتناوله «الجمهورية» حول الحكم والسياسة والمدن الفاضلة، بعد ان ازاح ابن رشد جانباً، فصولاً في كتاب افلاطون تتناول غير هذه الأمور، ولا سيما الفصل، او الكتاب، العاشر، ما جعل الكتاب، رشدياً خالصاً، إذ حصر صاحب «تهافت التهافت» اهتمامه بالقضايا التي يبدو انها كانت جلّ ما يهمه في ذلك الحين، خارج اطار الميتافيزيقا، بل حتى بعيداً من الإمعان في قضايا الشعر والأدب والخرافات والصفحات غير العلمية التي يمكن العثور عليها في «الجمهورية» بنصّه الإغريقي. في كلمات أخرى: استحوذ ابن رشد أفكار أفلاطون في أنظمة الحكم (التي راح يعددها وقد سماها «أنواع السياسات»: سياسة الكرامة، وسياسة الخسة، والسياسة الجماعية، او مدينة الحرية) ومن الواضح أن ابن رشد لم يلجأ هنا الى الاستعراض البريء لهذه السياسات، بل حدد موقفه منها. فهو اذ يتحدث عن السياسة الفاضلة يقول لنا مثلاً كيف ان سياسة التسلط تتناقض مع السياسة الفاضلة. ثم يروي لنا كيف تتحول المدينة الفاضلة الى «المدينة الكرامية»، ثم تتحول هذه الى مدينة حكم القلة، وكيف يتحول الملك الكرامي (الذي تقوم سياسته على الإقدام والشجاعة) الى جامع للمال ما يخلق مدينة القلة (الأوليغاركية) التي تتحول من مدينة الأغنياء الى المدينة الجماعية التي سرعان ما تتحول بدورها الى وحدانية التسلط، ليخلص الى ان «لا أسعد من الملك الفاضل… ولا أشرّ من وجدان التسلط».

> ولكن من هو الملك؟ في المقالة الثانية يفيدنا أفلاطون، بلسان ابن رشــــد هنا، بأن رئيس المدينة الفاضلة يجب ان يكون فيلسوفاً، وبالتالي يجب ان يتمتع بـ «خصال لا بد منها…» لافتاً الى انه، مع هذا، «يندر اجتماعها في شخص». وهذه الخصال هي: ان يكون بالفطرة مســــتعداً لتحصيل العلوم النظرية – ان يكون قوي الحافظة لا ينسى – ان يكون محباً للتعلم مؤثراً له – محباً للصدق كارهاً للكذب – مُعْرضاً عن اللذات الحسية – غير محبّ للمال لأن المال شهوة – ان يكون كبير النفس – شجاعاً – مســتعداً دائماً تُحرّكه نفسه لكل ما يراه خيّراً وجميلاً – وأن يكون اضافة الى هذا خطيباً فصيحاً يترجم عنه لسانه ما يمر بخاطره اذا تأمل … ولافت هنا ان ابن رشد يختم هذه الفقرة قائلاً «من الذي اجتمعت فيه هذه الشروط من صغره، واتفق له مع ذلك ان نشأ على نحو تلك النشأة (…) فهو الذي ينبغي ان يحكم هذه المدينة. ولهذا كله يندر وجود مثل هؤلاء القوم، ولهذا يصعب وجود هذه المدينة».

> غير ان ابن رشد لا يفوته بعد ذلك ان يقول، وهذا ما يظهر كَلُبّ القصيد في خطابه كله: «فإن قال قائل: اذا كان وجود هذه المدينة انما يكون ممكناً بوجود مثل هؤلاء القوم – اي الفلاسفة الذين يمكنهم تولي رئاسة المدينة الفاضلة -، وبتلك الصفات التي نشأوا عليها في هذه المدينة، فلا سبيل اذن الى وجود هذه المدينة، وصار ما كنا نعتقده مما اقترضناه في قولنا ممتنع الوجود؟ والجواب هو انه يمكن ان نربي اناساً بهذه الصفات الطبيعية التي وصفناهم بها، ومع ذلك ينشأون وقد اختاروا الناموس العام المشترك الذي لا مناص لأمة من هذه الأمم من اختياره، وتكون مع ذلك شريعتهم الخاصة بهم غير مخالفة للشرائع الإنسانية، وتكون الفلسفة قد بلغت في عهدهم غايتها. وذلك كما هو عليه الحال في زماننا هذا وفي ملتنا هذه، فإذا ما اتفق لمثل هؤلاء ان يكونوا اصحاب حكومته، وذلك في زمن لا ينقطع، صار ممكناً ان توجد هذه المدينة».

وعلى مثل هذا النحو، اذاً، يتجول ابن رشد في «جمهورية» أفلاطون، ذلك التجوال الذي مكنه من ان يضع اسساً نظرية للحكم الفاضل، كان يرى انها لا تتناقض مع ملته، لكنها، من طرف خفي، تتناقض مع الأهواء البشرية وصغائرها، ما كلفه غالياً كما يبدو.