on
Archived: خير الله خير الله: (غزوة باريس)…. والنظام السوري حاضنة (داعش)
خير الله خير الله: الراي ميديا
«داعش» في كلّ مكان. فكر «داعش» وارهابه في كلّ مكان. ضرب التنظيم الإرهابي في سيناء. قبل ايّام، استهدف «داعش» الطائرة الروسية التي كانت تقل سيّاحا من شرم الشيخ الى موسكو ثم ضرب في الضاحية الجنوبية لبيروت وفي باريس يومي الخميس والجمعة الماضيين.
هناك رابط بين الجرائم الثلاث. يتمثّل هذا الرابط في وجود حواضن لـ«داعش» الذي في اساسه النظام السوري. هذا النظام الذي يقف وراء خلق هذا الوحش معتقدا انّه يستطيع استخدامه لتبرير وجوده.
وهذا يفسّر مسارعة بشّار الأسد الى تعزية فرنسا، بعد ساعات من «غزوة باريس» والكلام في سياق التعزية عن سياساتها والسياسات «الخاطئة» للغرب عموما تجاهه وتجاه نظامه.
نعم، هناك سياسات «خاطئة» مارسها من لم يدعم وجهة النظر الفرنسية الحازمة من النظام السوري. في اساس هذه السياسات «الخاطئة» التغاضي عن جرائم نظام أقلّوي عاش نصف قرن على الإستفادة من الإرهاب والإستثمار فيه تحت شعاري «الممانعة» و«المقاومة».
مرّة أخرى، يكشف النظام السوري ارتباطه بـ«داعش» ورهانه عليه من اجل اعادة تأهيله. لم يدرك بشّار ان لا شيء يمكن ان يعيد تأهيله وتأهيل نظامه لأن مشكلته ليست اساسا مع فرنسا والغرب او ادارة اوباما، التي تفعل كلّ شيء من اجل التمديد لبقائه، بمقدار ما انّها مع الشعب السوري اوّلا واخيرا.
قبل كلّ شيء، ان «داعش» لم يهبط من السماء. «داعش» في سورية والعراق اوّلا قبل تمدده بعد ذلك في كلّ الإتجاهات وصولا الى باريس، وما بعد باريس. كانت لـ«داعش»، ولا تزال لديه، محطات ارهابية في لبنان ومصر وليبيا وتونس واليمن والكويت والمملكة العربية السعودية… ولا شكّ انّ الآتي اعظم.
كانت نقطة التحوّل في نمو «داعش» القرار الذي اتخذه باراك اوباما بالإبقاء على النظام السوري، او على الأصح استنزاف سورية وتفتيتها. حصل ذلك في اغسطس من العام 2013، عندما استخدم بشّار الأسد السلاح الكيماوي في حربه على السوريين.
كان قبول اوباما بنصيحة فلاديمير بوتين، القائمة على الإكتفاء بتسليم النظام لمخزونه الكيماوي، بمثابة نقطة انطلاق لـ«داعش». استفاد «داعش» اوّل ما استفاد من رغبة النظام في تصوير نفسه بانّه يخوض حربا على «الإرهاب» وليس على الشعب السوري. فجأة صار «داعش» في الواجهة. بات «داعش» يسيطر، بقدرة قادر، على قسم كبير من الأراضي السورية. شنّ هجمات على المعارضة المعتدلة، خصوصا «الجيش الحر». لم يستهدف في ايّ وقت القوات التابعة لبشّار والميليشيات المذهبية اللبنانية والعراقية التي تساندها. كان النظام يجد طريقة لشراء النفط الذي تنتجه المناطق التي تحت سيطرة «داعش»!
كان «داعش» في كلّ وقت خير حليف للنظام السوري وللميليشيات المذهبية التي تقاتل الى جانبه. ولذلك ليس غريبا ردّ فعل رئيس النظام على جريمة باريس، التي جاءت عشية لقاء فيينا المخصّص لسورية. ما زال بشّار يعتقد، هو والذين يقفون خلفه، ان ما شهدته باريس كفيل بجعل الغرب يغيّر موقفه من نظامه!
للمرّة الألف، كلما طال عمر النظام السوري، كلّما ازدهر «داعش» ومن على شاكلة «داعش». ما يعيق الحرب على «داعش» غياب الرغبة الجدّية في التصدي له، لا في سورية ولا في العراق. جاء التدخّل العسكري الروسي ليعطي دفعا لهذا التنظيم الإرهابي. معظم الضربات الجوّية الروسية استهدفت «الجيش الحر» ومجموعات اخرى تقاتل قوات بشّار والميليشيات المذهبية الداعمة لها. مثل هذا التصرّف الروسي، الذي لا يأخذ في الاعتبار ضرورة التخلّص من بشّار الأسد اوّلا، يصبّ في خدمة «داعش» لا اكثر ولا اقل.
لا يكفي التذرع بشنّ حرب على الإرهاب ممثلا بـ«داعش» كي يكون الوجود العسكري الروسي في سورية فعّالا في هذه الحرب. لهذا الوجود نتائج عكسية، بل سلبية، لا لشيء سوى لأنّه يزيد من النقمة على النظام ويعزز الشعور باليأس وصعود الغرائز المذهبية لدى معظم السوريين، تماما مثل الشعور الناجم عن انغماس «حزب الله» في الحرب السورية بحجة مواجهة «التكفيريين» في عقر دارهم.
تصعب مواجهة «داعش» من دون معالجة الحواضن التي تؤمّن تمدّد هذه الظاهرة المرضية التي تقتات قبل كلّ شيء من الغرائز المذهبية، كما الحال في العراق. من كان يتصوّر ان «داعش» سيتمكن من احتلال مدينة عراقية مثل الموصل التي يبلغ عدد سكانها مليوني نسمة… بواسطة ثلاثة آلاف مقاتل!
المؤسف ان «داعش» سينمو اكثر وستزداد خطورته لسببين على الأقل. الأول غياب حملة عسكرية جدّية عليه. ما يؤكّد ذلك انّ الأكراد شنّوا حملة جدّية على «داعش» في سنجار بدعم اميركي. كان النجاح حليفهم، في حين كلّ ما تفعله الحكومة العراقية برئاسة الدكتور حيدر العبادي يصبّ في خدمة «داعش» وذلك بغض النظر عن النيات الطيّبة او غير الطيّبة للعبادي.
من دون مقاربة شاملة، تغطي غير منطقة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، تأخذ في الإعتبار ضرورة التخلّص من النظام السوري اوّلا، لا مجال لنجاح في الحرب على «داعش».
عندما يمنع «الحشد الشعبي» الذي ليس سوى مجموعات ميليشيات مذهبية تابعة لإيران اهل تكريت من العودة الى بيوتهم، يتبيّن ان هناك رغبة في دعم «داعش» وابقائه في الواجهة. لا يمكن لمثل هذا الشعور بالعجز والقهر والإذلال لدى السنّة العرب، ان في سورية او في العراق، اي في بلدين عاشا سنوات طويلة في ظل ديكتاتوريات، سوى ان يولّد مجتمعات مريضة مستعدة لإحتضان «داعش».
كان الملك عبدالله الثاني الذي اعطى الإشارة الأولى لخطورة المشروع التوسّعي الإيراني في المنطقة في العام 2004، عبر كلامه عن «الهلال الشيعي»، وهو كلام سياسي لا علاقة له بالمذهبية من قريب او بعيد، دليلا على وجود من يستوعب دخول الشرق الأوسط مرحلة جديدة. الآن، يترافق صعود «داعش» مع كلام العاهل الأردني عن «حرب عالمية ثالثة» وتأكيده انّ على «كل دول العالم ان تخوض معا» الحرب على «داعش» و«بوكو حرام» و«حركة الشباب» والحركات المتطرّفة في ليبيا ومناطق اخرى.
مثلما غيرت احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 اميركا، ستغيّر احداث الثالث عشر من نوفمبر 2015 فرنسا. ما لن يتغيّر هو السياسة الواضحة لباريس التي تعرف قبل غيرها ما هو «داعش» ومدى ارتباطه بالنظام السوري وحلفائه. تعرف باريس ايضا ان لا بديل من المقاربة الشاملة في سياق «الحرب العالمية» الثالثة التي يخوضها العالم. هناك ما سيتغيّر ايضا، بما في ذلك للأسف الشديد نظرة اوروبا الى المسلمين التي ستترافق مع صعود اليمين المتطرّف في كلّ مكان. سنشهد ذلك في فرنسا خصوصا حيث لم يعد مستبعدا ان تخلف مارين لوبن فرنسوا هولاند.
ما لن يتغيّر، بكلّ تأكيد، هو القناعة الفرنسية التي لن يزحزحها بشّار الأسد وحلفاؤه. تقوم هذه القناعة على ان «داعش» والنظام السوري وجهان لعملة واحدة… ولكن هل في العالم من يريد التخلّص من «داعش»، ام المطلوب التخلّص من سورية كما يرغب بذلك بنيامين نتنياهو الذي كشف حقيقة الموقف الإسرائيلي خلال زيارته الأخيرة لواشنطن عندما تحدث عن متعة التفرّج على استمرار الحرب الداخلية في هذا البلد في ظلّ النظام القائم…
اقرأ:
خير الله خير الله: مستقبل بشّار يفسّر توتّر نصرالله