Archived: عبد العزيز التويجري: من التسوية السياسية إلى التحرير من الاحتلال

عبد العزيز التويجري: الحياة 

انكشفت خيوط اللعبة وتوضحت خطوط المؤامرة التي تستهدف سورية في سلامة أراضيها وفي وحدة شعبها، وظهرت الحقيقة واضحة، وتأكد بصورة قاطعة أن روسيا قد احتلت سورية احتلالاً عسكرياً كامل الأركان، كما احتلت من قبل إقليم القرم واغتصبته من أوكرانيا بالقوة. وبذلك عاد الاستعمار إلى المنطقة في الوقت الذي كنا نحسب أن عهد الاستعمار قد مضى إلا في فلسطين وبعض الجيوب المحدودة في مناطق قليلة من العالم. فقد تغير الوضع في سورية إلى الأسوأ، بعد التدخل العسكري المباشر لروسيا، بدءاً من إقامة قواعد جوية وبحرية وبرية وإرسال طائرات وقطع بحرية وآلاف الجنود والخبراء للحرب ضد الشعب السوري، تحت شعار مزيف (محاربة داعش)، وانتهاءً بغارات الطائرات الروسية، التي أدّت خلال شهر واحد إلى مقتل المئات من المواطنين السوريين، غالبيتهم من المدنيين في سبع محافظات لا يشك في أنها خالية تماماً من عناصر التنظيم الإرهابي «داعش». فأصبحت سورية تحت السيطرة الكاملة لروسيا، مما تسبب في خلافات بينها وبين إيران التي وجدت نفسها فقدت نفوذها على نظام بشار الأسد، وباتت تتحسب للمرحلة المقبلة حيث ستخرج خاسرة ويجهض حلمها وتعود من حيث أتت.

لقد تحدت روسيا العالم أجمع، وفرضت الأمر الواقع على الدول العظمى، وخدعت الجميع وخدرتهم باجتماعات تعقد في «فيينا -1» و»فيينا -2» لا جدوى منها ولا أثر لها على الأرض. وهي تمضي في استكمال مخططها الاستعماري الذي يقوم على بقاء نظام بشار الأسد، ولكن بلا سلطة له وتحت سيطرتها المباشرة، فتكون هي النظام الاستعماري الجديد في هذه الدولة العربية المنكوبة. وهذا التحدي الروسي للعالم يتجلى في انتهاك القوانين الدولية، فالعمليات العسكرية الروسية في سورية تخالف الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة في عدم استعمال القوة في العلاقات الدولية. كما تخالف المادة الرابعة والعشرين التي توجب على روسيا الحفاظ على السلم والأمن الدوليين باعتبارها دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن. وكما جاء في المذكرة التي قدمها الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية إلى مفوضة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، فإن العدوان الروسي على الشعب السوري يخالف المادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة التي أجازت للدول استخدام القوة في الدفاع عن النفس، ولا يوجد أي حدود بين روسيا وسورية، ولا توجد حالة اعتداء من السوريين على روسيا. ولا يحق لروسيا التذرع بأن بشار الأسد هو من طلب التدخل في سورية، لأنه رئيس غير شرعي، قتل ثلث المليون من الشعب السوري، وخرّب سورية وهدّمها وعاث فساداً في الأرض، واستعمل السلاح الكيماوي ضد الشعب وقصَفه بالبراميل المتفجرة، وتسبّب في تهجير أكثر من عشرة ملايين من المواطنين السوريين من وطنهم. فهذا مجرم حرب ينبغي أن يلاحق أمام القضاء الدولي، بما ارتكبه من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. فكيف تستند روسيا إلى طلبه منها التدخل، وهي تعلم قبل غيرها أنه فاقد للشرعية؟

لقد دخلت الأزمة السورية طوراً متقدماً من التفاقم والانفجار، فلم تعد ثورة شعب ضد نظام فاسد فحسب، بل أضحت ثورة شعب ضد احتلال أجنبي متواطئ مع النظام الفاسد. وما دام التوصيف القانوني للوضع الحالي في سورية يؤكد الاحتلال الروسي بصورة قاطعة لهذا البلد، فإننا اليوم أمام هذا الواقع المستجد، ملزمون بالعمل من أجل تحرير سورية من الاستعمار واللجوء إلى المنتظم الدولي بهذه الصفة، لا بالصفة المائعة التي تتمثل في البحث عن تسوية سياسية للأزمة السورية. فلا مدلول عملياً للتسوية السياسية والحال أن هذا البلد وقع تحت الاحتلال الروسي والإيراني. فهذه المرة الأولى في التاريخ المعاصر التي تحتل دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن دولة أخرى ذات سيادة وعضواً في الأمم المتحدة تساندها دولة أخرى في المنطقة من منطلق طائفي. فهذه حالة غير مسبوقة تمثل تحدياً للشرعية الدولية المتمثلة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، والمحكمة الجنائية الدولية. وهو تحدٍّ للدول العظمى التي لا تفتأ تصدع رؤوسنا بالحديث المكرر والممجوج عن الديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان وتقرير الشعوب لمصيرها، بينما هي تكيل بمكيالين، وتغلب مصالحها على مصالح الشعوب المضطهدة المعتدى عليها المحرومة من سيادتها وحريتها، مثل الشعب الفلسطيني المحتل منذ أكثر من ستة عقود، والشعب السوري الذي دخل في العهد الاستعماري الجديد، بعد أن كان قد تحرر من الاستعمار الفرنسي في منتصف الأربعينات من القرن الماضي.

إن خطورة الوضع في سورية التي بلغت أقصى درجاتها، تهدد المنطقة بأسرها، وستكون لها مضاعفات أشدّ في المستقبل القريب، وهو الأمر الذي يُلزمنا بالتحرك أمام المحافل الدولية لمواجهة الاحتلال الروسي – الإيراني للدولة السورية، وللتعامل مع الواقع الجديد الذي تعدى إطار المفاوضات حول التسوية السياسية للأزمة ليصبح مطالبة قويّة وفوريّة لتحرير سورية من الاحتلال الأجنبي.

* أكاديمي سعودي