on
Archived: د. حبيب حداد: نداء العقل وصحوة الضمير
د. حبيب حداد: كلنا شركاء
السوريون اليوم يواجهون منعطفا استثنائيا وحاسما في مسار قضيتهم الوطنية ,ونعني بذلك طبعا التوافق الدولي حول الاطار العام للحل السياسي للمسألة السورية الذي وضعته لقاءات فيينا في الفترة الأخيرة . ومن وجهة نظرنا فان انقاذ وطننا من المأساة الوجودية التي يعيشها حاليا وفتح الآفاق لمواصلة مسيرة شعبنا من اجل تحقيق اهداف ثورته في بناء النظام الديمقراطي العلماني المنشود انما يتوقفان الى حد بعيد على مدى وعي اطراف المعارضة الوطنية ووحدة رؤيتها والأسلوب الذي ستستخدمه في التعامل مع معطيات الواقع الراهن سواء منها المحلية أم الاقليمية أم الدولية .
صحيح ان حل المسألة السورية اصبح منذ سنوات بيد القوى الدولية الضالعة والمؤثرة في الشأن السوري منذ ان تمت عسكرة الانتفاضة ومن ثم حرفها عن مسارها الطبيعي, ومنذ ان ارتهنت معظم اطراف المعارضات السورية لأجندات الدول الاقليمية ,ومنذ ان غيبت ارادة الشعب السوري الحرة , لكن اي حل مقترح الأن , أو قد يطرح مستقبلا , لا يمكن ان ينجح ويرى طريقه الى التنفيذ اذا لم يحظ بموافقة الشعب السوري وممثليه الحقيقيين في هذه المرحلة الانتقالية وذلك بغض النظر عن مضمون وطبيعة هذا الحل سواء اكان ملبيا لكل تطلعات هذا الشعب الذي بذل في سبيلها اغلى التضحيات ’ أو كان خطوة هامة وانتقالية توفر الظروف الموضوعية الضرورية لاستكمال عملية التغيير والتحرر المطلوب .
الأمر المؤسف ان معظم اطراف المعارضات الوطنية السورية الخارجية واجهت نتائج لقائي فيينا الدوليين الأخيرين بنفس الخطاب والأسلوب الذي اعتمدته طوال السنوات الماضية منطلقة في ذلك من ان لغة الشجب والاستنكار والادانة والمزاودة قد تمنح لها كما تتخيل رصيدا أعلى من الوطنية أو توفر لها فرصة مناسبة لاستعادة ثقة الشعب المفقودة بها . وعلى الرغم من استمرار تدهور الأوضاع المأساوية في بلدنا وفي المنطقة عموما ’,وعلى الرغم من تقارب مواقف اطراف المجتمع الدولي , وعلى رأسها روسيا والولايات المتحدة الأمريكية, من خلال تقاطع استراتيجياتهما ومصالحهما في دمج مهمة مواجهة الاستبداد والارهاب ,وتقاطع ذلك مع مصالح شعبنا مرحليا فقد واصلت تلك المعارضات مواقف الرفض من اجل الرفض وتنفيذا لمواقف الدول الاقليمية التي ارتبطت بها .
وعلى سبيل المثال فان المجموعات المتنافرة الموجودة في اطار الإئتلاف واصلت اجترار مواقفها المعهودة في الادعاء بأنه أي الإئتلاف الممثل الشرعي والوحيد للثورة وللشعب السوري ,كما واصلت مواقفها الملتوية في تغطية العديد من المجموعات الارهابية المسلحة والاعترض على تصنيفها كمجموعات ارهابية استجابة لطلب الدول الاقليمية التي تقف وراء تلك المجموعات . ولعل اخطر من ذلك كله ان مواقف العديد من مكونات الإئتلاف التي تكشفت مؤخرا, واظهرت حقيقة وجوهر غاياتها , من كل الجوانب الايجابية التي تمخضت عنها لقاءات فيينا .فقد رأى بعضهم في تأكيد المجتمع الدولي على أهمية وحدة سورية كيانا ودولة ومجتمعا ,وعلى ان سورية المستقبل ينبغي ان تكون دولة ديمقراطية علمانية يتمتع جميع مواطنيها بالمساواة التامة , رأى بعض هؤلاء ان التأكيد على هذه الأسس والمبادئ , التي تجسد تطلعات الشعب السوري , يعتبرانتهاكا سافرا لسيادة الشعب السوري وتآمرا فاضحا على حقوقه ؟؟؟ كما رأى البعض الآخر ان التأكيد على مستقبل سورية كدولة ديمقراطية علمانية لا يتفق مع التيار الغالب في الشعب السوري الذي يريدها دولة ديمقراطية فحسب ,وهذا ما يعري بكل جلاء مقاصد تلك الأطراف في ركوب الموجة الشعبوية ويكشف في الوقت نفسه مدى ايمانها والتزامها بمقومات عملية البناء الديمقراطي اذ ليست هناك أية ديمقراطية حقيقية دون ان تكون قيم العلمانية والعقلانية ونسبية الحقيقة ركائزها الأساسية ؟؟؟
اننا نرى في مخرجات ونتائج لقاءات فيينا فرصة جادة في وضع الأزمة السورية على سكة الحل حيث انها الفرصة الأولى التي حققت توافق المجتمع الدولي تجاه مسؤولياته المحددة الآجال ,و التي لا بد ان يتم الالتزام بها لاحقا والاشراف على تنفيذها من خلال مجلس الالمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الخاص الى سورية . قد يكون الطريق امام هذا الحل صعبا وقد تعترضه العديد من العقبات والمفاجآت غير المتوقعة,ولكنه الطريق الوحيد الذي يوقف هذه الحرب العبثية الكارثية المدمرةالتي تكاد تأتي على ماتبقى من كيان وطننا ,انه الحل السياسي الوطني الذي يوقف مأساة السوريين التي تنتشر فصولها ومراراتها كل يوم على امتداد قارات العالم الخمس .
ان المرحلة الحالية بما تحمله من تحديات مصيرية لوطننا هي مرحلة حاسمة بلاشك , وهي تستدعي من كل قوى شعبنا الحية توحيد رؤيتها وجهودها وتحمل مسؤولياتها المشتركة بكل وعي وكفاءة واقتدار .القوى الدولية تتوافق اليوم على مخطط عام لتنسيق فعالياتها في اعطاء الأولوية لمواجهة خطر الارهاب ,والنظام يستفيد من كل الظروف المستجدة لأنه الطرف الموحد الموقف والأداء ,وتظل المشكلة الأساس التي باتت تربك الجميع وتنعكس سلبا في تغييب ارادة شعبنا والتعبيرعن طموحاته المشروعة ,هي استمرار اوضاع المعارضات السورية داخليا وخارجيا المتشظية وغير الموحدة في رؤيتها وبرنامج عملها ازاء توافقات فيينا وضرورة تجسيرها مع وثيقة جنيف1 التي ما تزال كل الأطراف المعنية تعتبرها ولو نظريا القاعدة الأساسس للحل السياسي التفاوضي المطروح للأزمة السورية .اليس من المعيب عندما يجري الحديث عمن يمثل المعارضات السورية في عملية المفاوضات المقترحة ,تحت اشراف الأمم المتحدة ان يظل التركيز الأساس والتسابق المحموم على تعيين اسماء وعدد من يشارك في هذه المفاوضات بدل ان يلتقي كل المواطنين القادرين من ابناء سورية في مؤتمر وطني عام تحت اشراف الأمين العام للأمم المتحدة يتوافقون فيه على خريطة موحدة تستجيب لارادة شعبهم في التعامل الواعي مع معطيات المرحلة والالتزام المخلص بعدم التفريط بتضحيات شعبهم وضمان السير الجاد من كافة الأطراف المعنية في مهمات المرحلة الانتقالية لاستكمال المشروع الديمقراطي التحرري الشامل .
نعم وبرغم هذا الواقع السوداوي يحق لنا ان نتسلح بقدر موضوعي من التفاؤل والأمل بأننا لا بد سائرون لطي آخر صفحات حاضر مأساوي وصنع غد افضل اذا ما استجابت قوى شعبنا الحية ونخبه الفكرية والسياسية لنداء العقل , واذا ما كان دافعها ورائدها في هذا المسار صحوة الضمير الوطني التي ينبغي ان لا تخمد .
اقرأ:
د. حبيب حداد: المسألة السورية في منظار المجتمع الدولي والمعارضات السورية