on
Archived: حسين العودات: الحق باختيار المتفاوضين السوريين
حسين العودات: السفير
لعل أكثر ما يثير الأسى والأسف، وبسبب الإحباط للمواطنين وللسياسيين وأعضاء النخبة السورية خاصة، هو حرمان خمسة وعشرين مليون سوري من تقرير مصيرهم بأنفسهم، واختيار نظامهم السياسي، وميثاقهم الوطني الذي يريدون، ورسم ملامح مستقبلهم وتفويض آخرين غير سوريين، أشقاء وجيراناً وأجانب قريبين أو بعيدين (وتفويضهم) باتخاذ قرارات مصيرية تجاه هذه القضايا. وكأن الشعب السوري قاصر، أو بدائي الثقافة، أو ساذج، أو شديد التخلف لا يستطيع اتخاذ قرارات صائبة تخص حاضره ومستقبله، ويحتاج بالتالي لخبراء غير سوريين ومستشارين أجانب، تدعمهم في الحالتين قوى عسكرية أو مالية أو عمليات تسليح أو استغلال أحمق لغرائز بدائية يستغلها أجانب كالطائفية أو الإثنية أو غيرهما كما هو واقع الحال الآن. وما يدمي الفؤاد هو أن السوريين موالين ومعارضين ومن مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية والتنظيمات السياسية يقفون متفرجين على الصراعات حول بلادهم وينتظرون الآخرين الأشقاء والأصدقاء والأعداء، أن ينهوا صراعاتهم بتسوية تأخذ مصالح هذه القوى، التي لا يهمها الوصول للتسوية اليوم أو بعد مئة يوم، وحتى مئة شهر بانتظار أن تؤمن مصالحها. وليدمر السوريون خلال هذه المدة بلدهم أو ما تبقى منها، سواء كان تدميراً مادياً للمساكن والبنية التحتية، أم اجتماعياً وسياسياً لروابط المواطنة والمساواة والديموقراطية وبناء الدولة الحديثة، أم إنسانياً كالحفاظ على التمسك بقيم التسامح والمحبة والتوادد والتعاون، وقيم الخير والصدق وغيرها. وقد عادت سوريا والمجتمع السوري نتيجة هذا التدمير مئات السنين إلى الوراء، أي إلى مرحلة الانحطاط العمراني والاجتماعي والاقتصادي، والاستعاضة عن القانون بتبني رأس الحربة وحد السيف، وإلى السذاجة والعفوية في إدارة المجتمع، بل للغرائز والرؤى الفردية ورغبة الحاكم، وطي صفحة التقدم المتعدد الأطراف الذي تحقق في المئة عام الأخيرة.
لقد تجاهل المجتمع الدولي، دولاً وشعوباً، ما يجري في سوريا، وأغمض العين عن مآسي الشعب السوري فسكت عن العنف الذي كان ضحاياه بالمئات فصاروا بمئات الألوف، وعن التدمير الذي يتجاوز حجمه كل خيال، والانهيار الاقتصادي بكل مفرداته ومنها تجاوز نسبة من هم تحت خط الفقر نصف السكان، وعدد العاطلين عن العمل ثلثيهم، وبلغ الانهيار الاقتصادي حدوداً لم تشهدها حتى بلدان شديدة الفقر، وصار نصف الشعب مشرد بين نازح في داخل البلاد ولاجئ إلى بلاد العالم جميعها، يموت الآلاف منه بسبب الجوع مباشرة أو غير مباشرة، وأحياناً من العطش والبرد وما يشبه ذلك. هذا إضافة إلى القمع الذي لا شبيه له في عالمنا، واعتقال عشرات الألوف، وتفشي أمراض كانت نوى صغيرة لا تُرى قبل أن تتم تغذيتها وتنميتها بعد بدء الصراع، وسكوت العالم دائماً عن التدخل السياسي والعسكري في شؤون سوريا، حتى وصل التمادي بالدول القوية أن أعطت لنفسها الحق بتجاهل ما يجري، وبالمجتمع الإنساني أن يغمض العين عن مآسٍ إنسانية تحدث أمام عينيه، بل صارت كل دولة أو جهة تنتظر تحقيق مصالحها أولاً، وبعد ذلك تتدخل لتفكك الأزمة السورية، بل أحياناً تماطل وتخلق خلافات بين بعضها والبعض الآخر، رغبة في إطالة المدة بانتظار شروط مناسبة لها لتحقيق مزيد من المكتسبات. ولا يهتم أحد جدياً بشلال الدم السوري الذي يجري، أو بالمآسي التي يعيش فيها الشعب السوري، وهذا ما ظهر في الأسبوع الأخير قبيل بدء المفاوضات بين السلطة السورية ومعارضيها، حيث كان الخلاف بين الدول ذات النفوذ يشتد ويزداد بهدف إضافة عضو للوفد المفاوض أو إبعاد عضو، وكأن أعضاء الوفد المفاوض هم الذين سيحلون المشكلة ويزيلون الغمة. وهذه الدول تعرف أكثر من أي آخر أن ليس للمفاوضين والتفاوض أي وزن جدي في إقرار التسوية المنشودة، ويتصرفون وكأن هذه التسوية تتعلق بفصاحة المفاوضين، وقدرتهم الخطابية، أو قوتهم الإقناعية.
كيف يمكن للشعب السوري قبول أن يختار الآخرون أعضاء الوفد المفاوض؟ هذا يؤكد أن الصراع لم يعد بين السوريين وإنما غدا صراع الآخرين على أرضهم، فما معنى أن تصر الديبلوماسية الروسية على اختيار أعضاء تقول إنهم معارضون ولهم الحق بمفاوضة السلطة على مستقبل سوريا والوصول إلى تسوية معها؟ وما معنى أن يصر الأميركيون على اختيار مفاوضين آخرين، هذا إضافة إلى رغبات الدول الإقليمية، مما أدى في النهاية إلى اختيار معظم المفاوضين ممن لا علاقة لهم بالسياسة ولا بالمفاوضات ولا يعرفون ما يكفي عن حاجات الشعب السوري، ولم يسمعوا بعد بمعايير الدولة الحديثة، فضلاً عن جهلهم بتاريخ سوريا وتاريخ المنطقة، ومصالح دولها وصراعات هذه الدول، وخلو أذهانهم من مصالحها في سوريا، وصراعاتها الإقليمية وغير ذلك.
صحيح أن لا علاقة للوفد المفاوض بالتسوية وشروطها ومتطلباتها ومضمونها، فذلك يعود للدول المؤثرة التي عندما تتفق على تسوية تعطيها للمتفاوضين لإعلانها، ولكنه يجري بشكل إهانة للشعب السوري الذي يُحرم بهذا من اختيار ممثليه لعملية تفاوض حتى لو كان المتفاوضون مجرد شهود زور.