on
Archived: نيويورك تايمز: إسبانيا بالأمس, واليوم سوريا
نيويورك تايمز: ترجمة مركز الشرق العربي
ما بين أعوام 1963 و1939, تكثفت الحرب الأهلية الإسبانية إلى دراما فظيعة في الثلاثينات لتتحول إلى صراع واحد. كانت إسبانيا قريبة من أوهام اليسار حينما كانت الستالينية على وشك الموت, وحيث كان هتلر يستعد للحرب الخاطفة, وحيث كان قصف المدنيين من الجو والتطهير العرقي المدفوع سياسيا أمورا عادية في ذلك الوقت. لقد كانت حربا بالوكالة عن القوى الشمولية, ومغناطيسا جاذبا للمتطوعين من جميع أنحاء العالم الغربي, ودرس موضوعي في عجز الديمقراطيات الغربية اليبيرالية.
ما حصل في إسبانيا في الماضي, يحدث الآن في سوريا. مرة أخرى لدينا دولة مقسمة تنزف بسبب حرب أيدلوجية بالوكالة – ولكن هذه المرة بين السلفية المدعومة من قبل دول الخليج والإثنا عشرية الشيعية التابعة للنظام الإيراني, مع وجود قوى إقليمية ودولية أخرى موجودة في خلفية المشهد. مرة أخرى لدينا فظاعات متصاعدة – حرب كيماوية ومذابح واضطهاد ديني وعودة إلى قطع الرؤوس والعبودية والصلب. مرة أخرى لدينا متطوعين مدفوعين دينيا يقدمون من بعيد بصورة واسعة؛ ومرة أخرى لدينا قوى ليبرالية يبدو أنها تقف عاجزة لوضع حد للصراع.
ولكن مع ذلك هناك فرق بين الحدثين. انتهت الحرب الأهلية بصورة سريعة نسبيا, بعد أقل من ثلاث سنوات من من القتال انتصر فرانكو. أما الصراع السوري فقد دخل عامه الخامس وهو مستمر, ونتائجه النهائية ليست أوضح الآن مما كانت عليه أعوام 2012 أو 2014.
في الواقع, هذه الخلاف يمثل نوعا من الأخبار القاتمة من النوع الجيد – ليس بالنسبة لسوريا, ولكن بالنسبة للعالم. أحد أسباب نهاية الحرب الإسبانية بصورة سريعة هو الكم الهائل والفعال من المساعدات العسكرية التي أرسلتها دول المحور إلى القضية الوطنية. أثبتت إسبانيا (أو بدا أنها كذلك) فعالية الحرب الشاملة كأداة لفن الحكم الذي تحركه دوافع أيدلوجية: تم سحق اليسار, وتم إنشاء نظام فرانكو, ومن بعيد كان ينظر أدولف هتلر وكان بوسعه أن يرسم رسما واضحا لطموحاته الخاصة المرعبة.
في سوريا, الدروس المستفادة مختلفة جدا. ليس هناك أي أفق لنهاية الحرب, والفصائل بالكاد تملك صورة موحدة, وليس هناك أي من القوى الأيدلوجية المنخرطة في الصراع قادرة على الانتصار فيه. ملالي إيران يساعدون الرئيس بشار الأسد على البقاء, ولكن ليس على التقدم. كما فقدت دول الخليج السيطرة على وكلائهم السنة, وهم يواجهون الدولة الإسلامية حاليا التي تفرض تهديدا عليهم أيضا.
وهذا يعني أنه لا طهران ولا الرياض يمكن أن تنظر إلى سوريا وأن ترى فيها أي مجال للتوسع الإقليمي أو تحقيق انتصار أيدلوجي كبير. وبالتالي, هذا يجعل وجود نسخة شرق أوسطية من الصراع الكبير الذي أعقب الحرب الأهلية الإسبانية أمرا غير وارد نسبيا. في جميع طموحاتهم وعداواتهم, لا الإيرانيون ولا الخليجيون (الذين يحضرون مرتزقة من كولومبيا لخوض حرب الوكالة الأخرى التي يخوضونها في اليمن) لديهم القدرة الكافية ليبدأوا بمثل هذه المرحلة.
كما أنه ليس هناك أي قوة منخرطة في سوريا قوية بما يكفي لتخوض حرب أوسع, وفي نفس الوقت – روسيا والولايات المتحدة وفرنسا وتركيا- لا يملكون أي تصور واضح لما يريدونه من هذه الحرب. بالكاد يستطيع الغرب تحديد أي فصيل سوري يجب أن نقصفه. سياسة حافة الهاوية الروسية مع تركيا تظهر متانة وقوة ولكن دون تحديد أي هدف استراتيجي واضح.
ولكن على خلاف أوكرانيا, حيث يأمل بوتين في السيطرة على أراض, فإنه لا يبدو أن أحدا من القوى الخارجية يريد تحمل مسئولية أي شئ في سوريا. وطالما أنه ليس هناك أراض مستعدون للقتال لاحتلالها, فإن خطر وجود صراع مستدام بين القوى الكبرى يبدو أمرا مستبعدا.
وهي أخبار سعيدة نسبيا حيث وصلت الأمور في أوروبا مع الحرب الأهلية الإسبانية إلى مثل هذا الطور عندما شارفت على الانتهاء. ولكن إن لم تبشر سوريا بحرب عالمية ثالثة شاملة, فإنها تبشر بنوع آخر من الشر من طراز انهيار المؤسسات وحالة من الفوضى الدائمة وعدم قدرة المؤسسات العالمية على حل المشاكل التي يفترض أنها موجودة لحلها.
إذا أظهرت الحرب في إسبانيا عصر توسع الأنظمة الشمولية, فإن الحرب في سوريا تكشف عن خواء ما يسمى الدولة القطرية, وسهولة اندلاع الغضب الديني والعرقي عندما تتصدع هذه الدول.
إذا وضعت الحرب في إسبانيا أرضية للحرب الشاملة على الطراز الشرقي, فإن الحرب في سوريا شكلت أرضية لتدريب الإرهابيين على شن هجمات على طراز هجمات باريس.
إذا بشرت الحرب في إسبانيا بوجود عقد من الجيوش التي تخوض الحرب ,فإن الحرب في سوريا أوجدت مشكلة المدنيين وحركة اللاجئين كأزمة جيوسياسية.
إذا أظهرت الحرب في إسبانيا أن هتلر وستالين كانوا سعداء في التدخل عندما فشل الوسط الليبرالي في السيطرة على الأمور, فإن الحرب في سوريا تظهر أن حالة باكس أمريكانا تحطمت وليس هناك أي قوة أو تحالف على استعداد للتدخل وأن تحل مكانه.
إذا كانت الحرب الإسبانية تمثل بروفة للحرب العالمية الثانية, فإن الحقيقة حول سوريا هي أنها ربما لن تكون بروفة لأي أمر. إنها حدث رئيسي بحد ذاتها, وليس هناك أي جهة تستطسع التنبؤ بنهايتها.
اقرأ:
نيويورك تايمز: إسقاط المقاتلة الروسية يعقد الأزمة السورية