on
Archived: باسل العودات: سورية.. عقبات دولة المؤسسات
باسل العودات: المدن
لطالما شدد المؤثرون في الأزمة السورية واللاعبون فيها على ضرورة إيجاد حل سياسي يضمن (الحفاظ على مؤسسات الدولة)، وتمسّك السوريين ـ موالاة ومعارضة ـ بهذه الفكرة، مُذكّرين بالفوضى التي عمّت العراق حين حُلّت مؤسسات الجيش والأمن وسادت الفوضى في مؤسسات الدولة بعد استلام (معارضين) زمام أمورها.
يبدو هذا الكلام من حيث المبدأ عقلانياً وضرورياً، فالمؤسسات عماد الدولة وأسس وجودها، والدولة مُلك للشعب، لكن من الخطورة بمكان الموافقة المُطلقة على هذا المبدأ في سورية، لأنه يحمل (بخبث) في طياته كل مقومات وأسس بقاء النظام السوري واستمراره.
لملامسة جوهر المشكلة، يمكن مقارنة ما جاء ببيان جنيف 2012 الذي بات مرجعاً لحل الأزمة السورية، وما جاء بإعلان فيينا الذي يُترجم الخطوات التنفيذية لبيان جنيف، وما جاء بتسريبات بعض الدوائر المقربة من النظام وحلفائه.
دعا بيان جنيف الذي وضعته الدول الكبرى بشكل واضح للحفاظ على استمرار المؤسسات الحكومية والموظفين “من ذوي الكفاءات”، على أن يشمل ذلك قوات الجيش ودوائر الأمن، وهنا أشار ضمناً إلى ضرورة (تنظيف) مؤسسات الدولة ثم الحفاظ عليها.
أما بيان فيينا فقد أشار بصيغة الأمر بمادته الثانية إلى أن “مؤسسات الدولة ستظل قائمة”، وتم بناء بقية البنود السبعة التالية تراكمياً على هذه الجملة، أي أن تُنجز الحكومة الانتقالية والدستور والانتخابات في ظل مؤسسات الدولة القائمة، وهذا يعني في ظل المؤسسات الأمنية وبقية مؤسسات الدولة المنخورة حتى العظم.
في هذا السياق تسرّب وسائل إعلام مقربة من النظام أن الطائفة العلوية “عبّرت للروس عن استعدادها للتخلي عن الأسد مقابل ضمانات بعدم تعرض أنصارها للقتل والمحاسبة، وأن لا يتم طردهم من الوظائف وانتزاع أملاكهم، أو صياغة قوانين مستقبلية تجردهم من حقوقهم السياسية والمدنية”، وهي تسريبات فيها من المغالطات ما يصعب وصفه.
يريد أنصار النظام أن يضمنوا بقاء مؤسسات الدولة الأمنية والمدنية كما هي، ليضمنوا بقاءهم وبقاء جيش من أتباعهم الذين اختارهم النظام بعناية من الأكثر طائفية وفساداً، وأن يضمنوا عدم طرد أي منهم لا الآن ولا في المستقبل، ويتماهى إعلان فيينا بشكل أو بآخر مع هذه الرغبة، وكان بيان جنيف وحده هو الأكثر ملامسة بشكل معقول لهذه القضية الحساسة حيث شدد على ضرورة تغيير الشخوص وإبعاد كل من هو غير مؤهل وخلق توازن بين مكونات المجتمع، ما يعني طرد عدد كبير جداً من القائمين على مؤسسات الدولة قبل أي خطوة لبناء سورية الجديدة.
خبر السوريون (مؤسسات الدولة) وعرفوها قبل الثورة وخلالها، وأدركوا أنها جزء من خطوط الدفاع عن مصالح النظام ورجاله، ووسائل لقوننة فسادهم وسرقاتهم، وأدوات لتعميم الفائدة على شرائح وطوائف بعينها، وشددوا على أنها جزء لا يتجزأ من المنظومة التي قاموا بثوريتهم ليغيّروها.
عندما استلم الأسد الأب السلطة بانقلاب عسكري عام 1970، أجرى تغييرات جذرية بجهاز الحكم خلال نحو أربعة عقود من حكمه، فأبعد ضباط الأكثرية السنّية من المواقع الحساسة في الجيش والأمن واستبدلتهم بضباط من طائفته، هيمنوا على أجهزة الأمن والاستخبارات وقيادات الجيش والدولة، وتحول حزب البعث والحكومة لأدوات بيد ضباط أمن علويين، وصارت المناصب الكبرى من نصيبهم، وطيّفوا الوزارات والإدارات العامة والمناصب، وحتى المنح الدراسية الجامعية صارت لهم، واستحوذ رجال أعمالهم وضباطهم على معظم الصفقات التجارية والسياحية ومناقصات الدولة بالقوة، وتراكمت الثروات بأيديهم، ووزعت الدولة الأراضي والسيارات والمزارع على المرضي عنهم من الطائفة، وعندما استلم الابن السلطة سار بنفس السياسة وضاعفها عدة مرات خلال عقد واحد فقط.
يعمّ الفساد في كل مؤسسات الدولة السورية، بدءاً من الوزارات وصولاً لأصغر مكتب مختار في أبعد قرية، وتجذرت فيها خلال خمسة عقود الطائفية والمحسوبيات والمصالح، ونخرت البيروقراطية كل الجسد الإداري السوري، وبات الهم العام آخر مشاغل المسؤولين مهما صغرت مسؤوليتهم، وتم تطييف 90% من الوظائف العليا المؤثرة بالدولة، في الجيش والأمن والاستخبارات، وفي وزارات مفصلية، كالتعليم والإعلام والمالية والعدل والاتصالات، فضلاً عن غالبية المؤسسات الإنتاجية والخدمية التي لا تحتاج مهارات خاصة، فصار في الدولة السورية جيش من المسؤولين والموظفين غير الأكفاء الطائفيين وغير المؤهلين لشيء ولا عمل لهم أساساً.
ثار السوريون ضد النظام السياسي في بلدهم، ضد التغوّل الأمني والفساد والتطييف، وكانت مؤسسات الدولة هي الواجهة التي يصطدمون فيها يومياً بهذا التغوّل والفساد، ولم يثوروا لسبب ديني أو طائفي فقط، طلبوا العدالة والإصلاح، على عكس النظام الذي يعرف أنه ارتكب كل هذه الموبقات وحاول الإيحاء بأن ما يجري حرب بين أكثرية سنّية وأقلية علوية.
لاشك أن إسقاط النظام السياسي السوري وحده لا يكفي، ولن يُغيّر كثيراً من واقع السوريين، بل يجب استئصال النظام العسكري الطائفي مرة واحدة وإلى الأبد، وأن يشمل ذلك استعادة مؤسسات الدولة من رجال النظام عبر عملية (غربلة) واسعة النطاق، تشمل غير المؤهلين مهما كانت انتماءاتهم، وكل من تسلّق بسبب المحسوبيات والانتماء والطائفة، ومن بعدها يمكن الحديث عن الحفاظ على مؤسسات الدولة السورية.
اقرأ:
باسل العودات: وفد المعارضة المفاوض