Archived: زكي الدروبي: حول مشروع اتفاق الهدنة في الوعر

زكي الدروبي-

بداية أعلم علم اليقين أن البعض سينتقد ويقول لي أحمل بندقيتك وانزل للداخل ثم انتقد، والبعض الآخر سيقول لي أن كلامي لن يطعم جائعاً في حي الوعر ربطة خبز، وسيقول آخرون أهل الداخل لهم الحق دون غيرهم بالكلام. هذا الكلام الذي يحقق للنظام مبتغه في تقسيمنا وتفريقنا لداخل وخارج ومعارضة خمس نجوم ومعارضة ثلاث نجوم و… ، ويمكن النظام المجرم من التحكم برقابنا، يردده البعض دون وعي أو فهم لأبعاده.

سأعود بعد هذه المقدمة الطويلة للاتفاقية 

لابد أولا من تسجيل الاعجاب بصمود المفاوضين على مبدأ عدم خروج الثوار من الحي، هذا الصمود في المفاوضات تحقق بعد أن صمد الاهالي على القصف والجوع، وبعد أن صمد الثوار مدافعين عن الحي ضد عصابات الاجرام القذرة، لا يفوتنا طبعاً أن نذكر ببعض الفساد والجرائم التي ترتكب باسم الثورة من بعض هؤلاء الثوار أنفسهم، وأنا أنكرها عليهم ولا أبررها مطلقاً، لكن في مثل هذه الظروف التي  يعيشونها يجب أن ننظر للكأس كله، فنرى ونتحدث عن الجيد والسيئ .

هذا الانجاز بالاتفاقية والناجم عن صمود الأهالي ينبغي أن ندركه جيداً، ونفهم أسبابه ونعي ما سيترتب عليه، فهذا الصمود يرتب علينا أن نوحد البندقية الثورية، ونشكل لجنة من الاهالي تكون البندقية تحت اشرافها، وليس عبئاً عليها وعلى الاهالي، لقد سمعت الكثير من الشتائم الموجهة للبندقية الثورية من المدنيين ممن لازال في الوعر، بسبب الاستخدام السيئ للسلطة الثورية،  وبسبب التنازع بين البنادق الثورية، وبسبب محاولة فرض الايديولوجيات التي تتبناها هذه البنادق – بحسن أو سوء نية – على الناس الكارهين لأي ايديولوجيا بسبب ما عانوه خلال السنوات الماضية من تسلط ايديولوجية البعث ومحور المقاومة والممانعة و…الخ.

 لكن ما يخيفني في هذا الاتفاق هو توقيته، فالجميع مدرك أن روسيا لن تستطيع الاستمرار بالتدخل العسكري ولا تريد تكرر أخطاء الاتحاد السوفيتي السابق، لهذا تسعى لحل سياسي يرضي مصالحها، وهو ما بدأته في عملية فيينا، وفي بدايته سيكون هناك وقف اطلاق النار عام وشامل في كل سورية، هذا يعني أن النظام حين قبل ما سبق وأن رفضه سابقاً – بقاء الثوار في الحي – فهو يحاول الحصول على شيئ قبل أن يفرض عليه شيئ آخر، لهذا قد يكون الاتفاق متسرع بعض الشيئ، والنصر صبر ساعة.

الامر الآخر الذي يخيفني بهذا الاتفاق هو الاستفراد بمنطقة دون أخرى، فمن خلال هذه الاتفاقات المحلية تستطيع عصابة النظام التهدئة بمكان لتصعد في مكان آخر، ورأينا الحملة الشرسة التي تشنها قوات هذه العصابة على منطقة الحولة خلال الأيام الماضية، كما أنها تريح حاضنتها الشعبية – رغم عدم موافقتي على قصف المدنيين أياً ما كان الطرف الذي ينتمون إليه – في مدينة حمص من القذائف التي تتساقط عليها من حي الوعر، وبنفس الوقت تحقق هذه العصابة أهدافاً سياسية بأن لا داعي للحلول السياسية الشاملة وأن الحل يكون عبر هدن محلية.

الملاحظ في هذا الاتفاق عدم وجود جهة واحدة تمثل النظام، إنما عدة جهات (مديرية المخابرات العامة ” أمن الدولة ” ومحافظة حمص واللجنة الامنية وشرطة حمص)، وقد يسهل هذا الامر على هذه العصابة لتقديم قراءات مختلفة للاتفاق والانسحاب من تنفيذ بعض البنود التي لا تناسبه أو قلب الطاولة والغاء الاتفاق نهائياً.

أيضاً يلاحظ وضع بذور الفتنة والانقسام منذ الآن في الطرف الثوري، فقد قسم لجنة التفاوض للجنة حاملي السلاح ولجنة تمثل الأهالي، وكأن الثوار حاملي السلاح ليسوا من الاهالي ؟!، ثم ماذا تعني كلمة (تمثيل الاهالي) ومن يقرر ممثلي أهالي الحي؟ وكيف سيختار أهالي الحي لجنتهم حسب الاتفاق؟ وهل سيسمح النظام بانتخابات داخل الحي ليختار الاهالي من يمثلهم؟ وكيف سيفرض المدنيين رأيهم على العسكريين؟ وهل من قوة يمتلكها هؤلاء المدنيين على العسكريين لفرض الرأي؟ وهل في هذه الجملة حيلة قذرة جديدة من حيل النظام؟.

أيضاً يطلب الاتفاق من اللجنة التي ستدير الحي أن تنسق مع أجهزة الدولة التي في الطرف المقابل، وهي كما ذكرنا عدة أجهزة، وهذا يدفع للتضارب بين هذه القنوات المتعددة.

من الامور الجيدة في الاتفاق فتح الحي لدخول وخروج المدنييين، وايقاف القصف وادخال المواد الغذائية وايقاف الاعتقال، ومن عليه شيئ لا يتم اعتقاله على الحاجز، إنما يعود للحي أو يقوم بالتسوية، وهذا شيء مهم، كما يمنح الاتفاق مهلة تأجيل للمتخلفين عن الجيش من سكان الحي وهذا يعطيهم فرصة للنجاة من الخدمة بقوات عصابة النظام.

يتعهد النظام بإطلاق سراح المعتقلين والمخطوفين عدا المحكومين والمحالين للقضاء في المرحلة الثانية من مراحل تنفيذ الاتفاق، لكن من ذا الذي يستطيع أن يقدم ضمانات من أن النظام القذر لن يكذب ويتهرب من تحقيق هذا البند، ولماذا لا يطلق سراح جميع المعتقلين على ذمة الثورة، سواء أكانوا محكومين أو غير محكومين؟ والجميع يعلم كذب قضاءه وتحيزه.

على كل فأهم ما حصلنا عليه في الاتفاقية ابقاء سيادة النظام على الحي سيادة رمزية غير حقيقية وبقاء السيادة الحقيقية للثوار المتواجددين بأسلحتهم، لكن في المقابل حصل النظام على عدة نقاط من خلال التلاعب بصياغة البنود قد تطيح بكل ما وصلت إليه لجنة التفاوض.