Archived: حوار مع كبير مسؤولي السياسات في الشرق الأوسط: نجاح إدارة أوباما سيكتبه التاريخ

فورين بوليسى : التقرير

 منذ نزع الأسلحة الكيميائية من العراق والخطوط الحمراء لحرب روسيا في سوريا،  يتمحور حديثنا مع روبرت مالي، كبير مسؤولي السياسات في الشرق الأوسط…

لاؤلئك المسؤولين عن السياسة الخارجية للولايات المتحدة، يكون الشرح والدفاع عنها، في كثير من الأحيان، واحدة من أصعب التحديات التي تواجه الحكومة، ويكون الهدف المثالي دائما في بيع هذه السياسة، هو أن نكون صادقين فكريا وأن نتحلى بالاحترام، والاستجابة  في حين تأكدنا من عدم الابتعاد عن نقاط الحوار المعتمدة.

وهذا ليس دائما توازنا يسهل الحفاظ عليه، ففي عام 1989، بينما كنت أعمل في وزارة الخارجية في عهد الوزير جيمس بيكر، ألقيت محاضرة في ديترويت، أمام جمهور كبير، معظمه من اليهود في المقام الأول، وكنت أبذل قصارى جهدي لإقناع هذا الحشد من  المتشككين -بوضوح أحيانا وبعدائية أحيانا أخرى- ذلك الحشد الذي في الواقع يدعمه الرئيس جورج بوش.

وكان بوش وبيكر يسنون السياسات، التي كانت تؤيد إسرائيل بقوة، وجاء السؤال الأخير من رجل مسن يجلس في الصف الخلفي. فشكرني أولا، بأدب جم، وبعد ذلك، طرح سؤالا بكوميديا بالغة، وسأل: “إذا كانت الأمور على ما يرام، فلماذا أشعر بالسوء إلى هذا الحد؟”

في هذه الأيام، الدفاع عن سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ليست مسألة سهلة، وليس هناك الكثير الذي من الممكن أن  تشعر نحوه  بالرضا. فأمام أوباما  أقل من ستة أشهر ليترك ساعته الرئاسية، وبواجه احتمالا شبه مؤكد بمغادرته للشرق الأوسط أسوأ بشكل كبير مما كان عليه، عندما دخل مكتبه لأول مرة.

ومع ذلك، فإن وجود شخص نزيه يعترف أنه بغض النظر عن تجاوزات إدارة أوباما في الشرق الأوسط، فإن هذه الفوضي في المقام الأول ليست من صنع هذا الرئيس. وبدلا من ذلك، هي نتيجة لأن تلك المنطقة مكسورة وغاضبة، وغير فعالة إلى حد كبير، في اضطرابات يميزها فشل الدول والقادة والمؤسسات في توفير هذا النوع من الإصلاحات اللازمة لتصحيحها: مثل اختيار الصواب، والحكم الشمولي؛ والمساءلة؛ والشفافية؛ واحترام حقوق الإنسان؛ والمساواة بين الجنسين.

لكن في نظر منتقدي الإدارة، فإن هذه الطريقة من التفكير لا تكاد تخفف ما يعتبرونه غيابا للقيادة، وتنصلا من المسؤولية، والسياسات الخارجية، واسترضاء العدو. فانطلاقا من صفقة إيران وعلاقات الولايات المتحدة مع إسرائيل والسعودية، إلى مستوى التحدي لتنظيم الدولة المشار إليها من قبل الإدارة باسم داعش)، مرورا برد أوباما بالنفور من المخاطرة في سوريا، والكثير مما قامت به الإدارة (أو فشلت في تحقيقه) جعل عددا كبيرا من الناس غير سعداء تماما، في كل من الولايات المتحدة والمنطقة بأسرها.

وفي الشهر الماضي، جلست مع روبرت مالي، وهو مساعد خاص لرئيس مجلس الأمن القومي (NSC)، وهو مستشار رفيع المستوى للرئيس في حملة مكافحة داعش، ومنسق البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومنطقة الخليج العربي. وبعد أن عمل في مجلس الأمن القومي تحت إدارة بيل كلينتون -الذي كان تركيزه في المقام الأول ينصب على القضايا العربية الإسرائيلية- وفي أواخر عام 1999، عاد  مالي مع المجموعة، التي تغطي المنطقة ككل، إلى التركيز بصفة خاصة على تنظيم الدولة، وسوريا، ودول الخليج.

وبسبب اتصال هذه الحكومة بالشرق الأوسط، اخترقت مساراتنا مرات عديدة على مدى العقدين الماضيين. (الكشف الكامل: إنه زميل سابق وصديق حميم. على حد سواء ) وخلال أواخرعام 1990، عملنا معا بشكل وثيق في السنوات الأخيرة لإدارة كلينتون، وقمنا بجهود ضائعة لتعزيز المفاوضات والتوصل إلى صفقات بين إسرائيل وسوريا، و الفلسطينيين. ومهما كانت خلافاتنا حول سياسة الشرق الأوسط وإيران، حيث أشعر بالقلق أكثر منه، من أن إيران خرجت هذه الأيام بصفقة أفضل بكثير بشأن القضية النووية، ونحن نتفق على أمرين: أن الشرق الأوسط في الماضي كان صفقة جيدة وأقل تعقيدا، وأن الولايات المتحدة عالقة في المنطقة لا يمكنها إصلاحها ولا يمكنها أن تتركها وشأنها.

وعلى مدى سلسلة من المبادلات، التي أجريت شخصيا أو على الهاتف، سألت مالي عددا من الأسئلة حول سياسات الإدارة في الشرق الأوسط. وضغطت عليه ليعلن انتقاده للرئيس بشأن القضايا الرئيسية مثل سوريا وتنظيم الدولة، وضغطت عليه لشرح ما لا نراه إلا نادرا: مثل التفكير وتحليل كيف تنظر إدارة أوباما في الخيارات والعمليات، التي من ثم تصبح سياسة فعلية. وفي أقل من ستة أشهر قبل أن يتولي الرئيس المقبل منصبه، وتفتح ردود مالي نافذة قيمة للتفكير فى المنطقة، التي لا تزال أكبر مشكلة تواجهه في السياسة الخارجية منذ توليه الرئاسة. ما يلي هو حديثنا.

ملاحظة المحرر: الحوار التالي هو تجميع تحرير عدد من الحوارات وتبادل البريد الإلكتروني، التي جرت على مدى أسبوعين.

أرون ديفيد ميلر: هناك احتمالات أن الشرق الأوسط سيبدو أكثر سوءا، عندما يغادر باراك أوباما منصبه، مما كان عليه عندما وصل.. إلي أي مدى يعتبر هذا خطأه؟

روبرت مالي: المراقبون مثلك والمؤرخون في المستقبل سيكونون مجهزين بشكل أفضل لتقييم مدى تحقق نجاح الإدارة. وأنا واثق أن هناك أشياء فعلتها الإدارة بشكل مختلف أو أفضل، مثلما أنا واثق من أن الكثير مما فعلناه سيقيم ليكون مؤثرا ويتسم بالحكمة في أنٍ.

لكن أود أن أطرح عدة نقاط: أولا، أولويات الرئيس -يجب أن تكون للدفاع عن أمن أمريكا وسلامة ورفاهية مواطنينا- ويجب أن تكون هذه النقطة أولوية لأي رئيس. وعندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، فان هذا يعني على وجه الخصوص منع حيازة أو استخدام أسلحة الدمار الشامل من قبل الجهات الحكومية أو غير الحكومية، والتصدي للجماعات الإرهابية، التي تهدد الولايات المتحدة، وتجنب الأعمال التي تعرضنا- عن غير قصد منا- لتهديدات أكبر . وينبغي للحكم على أداء الادارة وضع  تلك المعايير في عين الاعتبار.

ولا ينبغي لأحد أن ينسى أنه عندما تولى أوباما منصبه، كان ما يقرب من 150 ألف جندي من الولايات المتحدة في العراق، وكان هناك نظام التخصيص غير المستدام للموارد البشرية والمادية، الذي كان يضر بالوضع الأمني العالمي. وكانت أيضا إيران تتقدم بثبات نحو برنامجها النووي، وتهدد بخطر الوقوع  في مواجهة عسكرية خطيرة. وفي هذه النقطة ناحيتين مهمتين، فقد ضمنت أن اختيارات الرئيس -من وجهة نظر المصالح الأمريكية- ستكون أكثر سهولة مما كانت عليه، أو يمكن أن تكون عليه في المنطقة.

ثانيا، والأهم من ذلك، على الرغم من أن الولايات المتحدة لديها بشكل واضح دور محوري ومسؤولية في المنطقة، فإننا يجب ألا نبالغ في المدى الذي يمكن أن تشكل به مصير المنطقة. وسعت القوى الخارجية منذ فترة طويلة للتأثير على الشرق الأوسط، للأفضل و(في كثير من الأحيان) للأسوأ. لكن في نهاية المطاف، فإن للسياسة المحلية والديناميات الإقليمية الكلمة الأخيرة.

لذلك، نعم، يعلم التاريخ أنه عندما وضعنا عقولنا باتجاه أهداف واضحة وملموسة، تخدم مصالحنا الوطنية وهي تتسق بتناغم  كاف مع الواقع المحلي -تم تعزيز السلام بين إسرائيل ومصر، وطرد القوات العراقية من الكويت في عام 1991، والتوصل إلى اتفاق مع إيران، الذي من شأنه أن يمنعها من الحصول على سلاح نووي- ونحن نستطيع تحقيق إنجازات دبلوماسية وعسكرية كبيرة.

لكنه يعلمنا دروسا مهمة حول حدود القوة، لا سيما عندما يتعلق الأمر بتحديد مسار أو مصير دول الشرق الأوسط والمجتمعات. وكنت كتبت عن إحباط القوى العظمى من القبائل الصغيرة، لأنهم يعرفون التضاريس بشكل أفضل، ولأن وجودهم ليس عابرا بل دائما ، ولأنهم غالبا ما يهتمون أكثر وعلى استعداد أكثر للتضحية.

ودعونا لا ننسى أن أحد الدوافع الرئيسية للانتفاضات العربية، كان التطلع الشعبي للحكم الذاتي، والكرامة، والأصالة. فمن الصعب أن نرى عندما يحدث تدخل أجنبي -مهما كانت النوايا حسنة- لا يمكن أن يلقى استجابة طيبة أبدا .و يجب أن يكون لأي مسعى عسكري أو دبلوماسي جذور في أرض الواقع، أو في أحسن الأحوال سيكون عابرا. وفي الأسوأ سيثير رد فعل عنيف. وهناك سوابق بما يكفي للتدخلات الغربية المشؤومة في الشرق الأوسط، على مدى مئات السنين الماضية تملأ مجلدات.

أرون ديفيد ميلر: اعتقد الانتقال إلى السؤال التالي سيكون جيدا.. ماذا يمكن للولايات المتحدة القيام به لحماية فعالة لمصالحها؟

جواب: نحن بحاجة إلى أن نبدأ بلمحة عامة عن المنطقة اليوم.. فعلى مدى السنوات الخمس الماضية، عانت منطقة الشرق الأوسط من الصراعات المتعددة: مثل الصراعات التي تدور بين السكان المحليين -الغضب بسبب الفساد المستشري، وعدم وجود تمثيل حقيقي لهم ، والتوزيع غير العادل للثروة، وتمركز السلطة في أيدي عدد قليل، والشعور بسرقة الكرامة والسخط علي حكامهم-والصراع بين مختلف الجماعات غير الوطنية، المصنفة من حيث العرق والطائفية والجغرافيا، أو الأيديولوجية. والصراعات الغارقة في التوتر الشديد بين القوى الإقليمية، وأبرزها المملكة العربية السعودية وإيران.

وما يأتي مع هذه الصراعات، هو الفوضى المنتشرة على نطاق واسع في العديد من البلدان، والتوسع في الأراضي غير الخاضعة للسلطة، والاستقطاب الطائفي، والحروب الإقليمية. وغذّت مثل هذه  الاشياء- وهذا بدوره قد يغذيها أيضا- صعود الجماعات الإرهابية، التي  تعتبر داعش هي أبلغ مثال لها. والصراعات العرقية، التي تغنى عنها الطائفية الإقليمية وتؤدي إلى إخضاع العديد من الدول، لما يجب أن يكون الأولوية الأساسية، كهزيمة الجماعات الإرهابية، بدلا من السعي لتحقيق أجندات أخرى.

وهذه هي الخلفية، ونقطة البداية. والنتيجة الطبيعية هي أنه يتعين على الولايات المتحدة، وسط هذا الاضطراب وعدم اليقين، أن تكون واقعية في التفكير بشأن تحديد أهداف السياسة، التي تخدم المصالح الأساسية لدينا، دون تكليفنا رسوم الدخول في الصراعات ذات النهايات المفتوحة والمكلفة دون قصد، التي حتما ستكون لها عواقب غير متوقعة، وتصرفنا عن الأهداف الأساسية لدينا، وتثير ردود فعل غاضبة، بين الممثلين المحليين، ما يجعل الأمور أكثر سوءا.

وهكذا، نحن (الولايات المتحدة) نعمل على منع انتشار أسلحة الدمار الشامل واستخدامها، والجماعات الإرهابية المضادة التي تهددنا، ومحاولة معالجة الصراعات والاستقطاب الطائفي، والإدارات السيئة  التي  تعمل على زعزعة الاستقرار في المنطقة، وتزيد التهديدات لأمننا، لذلك يجب أن ننخرط بشكل مستمر في تحقيق التوازن.

ولمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل واستخدامها، ركز أوباما على ضمان ألا تكون إيران في وضع يمكنها من تطوير أي سلاح نووي، وتخليص سوريا من الترسانة الهائلة من الأسلحة الكيميائية. وتحققت كل هذه الأمور من خلال الدبلوماسية الصعبة والمتعددة الأطراف، مع إدراك أن القوة قد تكون ضرورية، لكن بالقدر الذي لا يورط الولايات المتحدة في مغامرات عسكرية قد تجعل الأمور أسوأ.

ارون ديفيد ميلر: لكن لمَ الصفقة مع إيران أدت إلى توتر العلاقات مع الحلفاء التقليديين لدينا، مثل إسرائيل والمملكة العربية السعودية، كذلك أدت إلى الرأي القائل إن واشنطن لا تتحدى طهران في المنطقة، خوفا من إثارة غضب الإيرانيين بشأن القضية النووية؟

جواب: إنها نقطة عادلة أتت من  خلال تحدي الحكمة التقليدية بشأن كيفية التعامل مع إيران، وأثارت حتما القلق والأسئلة بين بعض شركائنا. وينبغي علينا ألا نهون المخاوف الإسرائيلية أو السعودية. لكننا أيضا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار السيناريو البديل: بأن إيران، التي كان يمكن أن تكون على وشك تطوير سلاح نووي. ومن الصعب أن نرى كيف ستتصرف إسرائيل والخليج، أو أننا لا يمكن أن نكون أكثر أمنا في ظل هذه الظروف.

وهناك تحدٍ آخر، وهو العثور على طريقة لمعالجة الأسباب الأساسية، التي تخلق التهديدات التي نواجهها. وهذا يحدث من خلال معالجة البيئة التي تزدهر فيها المنظمات الإرهابية: كالحرب في سوريا واليمن وليبيا، والأراضي لا تسيطر عليها الحكومة. والعسكرة والطائفية و الحرب الإيرانية  السعودية. أو انتشار الفقر والحكم الذي لا يمثل الشعب؛ وانعدام المساءلة وانتهاكات حقوق الإنسان. وكما قلت سابقا، هناك الكثير يمكن للولايات المتحدة القيام به في هذا الصدد. لكن هذا هو السبب في أننا دخلنا في عمليات السلام في سوريا واليمن وليبيا، ولماذا نحاول تهيئة الظروف الضرورية لاستئناف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، الموثوقة التي لها مغزى. ولماذا نسعى جاهدين لتهدئة التوترات بين إيران وجيرانها العرب.

ارون ديفيد ميلر: كل هذا شيء جيد.. لكن أحد الانتقادات الرئيسية ضد هذه الإدارة هو أنها كانت كارهة جدا للمخاطرة، خصوصا فيما يتعلق بالقوة العسكرية. ويرى البعض أن مفتاح استعادة نفوذ أمريكا هو تطبيق أكثر للقوة المتعمدة.

 روبرت مالي: صحيح. ويعيدنا هذا إلى حجتك بشأن إحباط القوى العظمى من القبائل الصغيرة، وتعليقي حول ضرورة أن تكون متواضعة حول ما يمكن وما لا يمكن القيام به. وخيّم على النقاش محاولة استخدام القوة العسكرية من أسطورة تلو أسطورة، أولها أن إدارة أوباما كانت تخجل من اللجوء إليها. ولم تتردد هذه الإدارة في اتخاذ الضربات التي تستهدف الجماعات الإرهابية، وحيثما يعتقد الرئيس أن المصالح الأمنية القومية الأساسية لدينا أصبحت على المحك. لكن هناك مجموعة كاملة من الأساطير الأخرى: أنه يتم قياس قوة الولايات المتحدة من خلال وتيرة وشدة عملياتها العسكرية. وأن النصر العسكري يترجم دائما إلى نجاح سياسي دائم. وأنه بعد التدخل، يمكننا أن تقرر بحرية متى وكيف ننسحب. ولا يحتاج المرء إلى الذهاب بعيدا في التاريخ -فالعراق يتبادر إلى الذهن بسهولة- لمعرفة ما هو الخطأ أو المضلل في هذه الافتراضات.

وعلى نطاق أوسع، فهناك هذا الاعتقاد الخاطئ لدى البعض، الذي يقول إن نفوذ الولايات المتحدة، الذي يأتي من اتخاذ القرارات المحلية، يرتبط بحجم وجودنا العسكري. وأن هذا الاعتقاد ينم بطريقة أو بأخرى عن عقود من الخبرة تختلف من بلد إلى أخر. وفي بعض الأحيان، يعمل هذا الارتباط بالضبط في الاتجاه المعاكس: فالتدخل العسكري الأمريكي يشوه العلاقة، ويجعل الحزب المتدخل أكثر اعتمادا علي مزاعمه بأنه يساعد الحزب الأخر . وفي الواقع، إن الإخفاقات السياسية من جانب الحزب المتدخل، ترغمه علي التدخل  العسكري الفوري على الحزب الأخر، من أجل إنقاذ الاستثمار الذي قام به بالفعل من قبل.

وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل من المهم جدا للرئيس انتشال الولايات المتحدة من وجودها في مستنقع القتال العنيف في العراق -وكان هذا التواجد مكلفا جدا من حيث الموارد البشرية والمادية، الذي في النهاية لم يحقق النتائج السياسية المرجوة، وكان يثبّط السعي لتحقيق الأولويات الإقليمية والدولية الأخرى، وعلاقاتنا مع القادة العراقيين، التي بالكاد استطاعت الولايات المتحدة الاستفادة منها.

بالمناسبة، إذا لم تكن  (هي) حريصة، هذا هو الدرس الذي قد تتعلمه روسيا قريبا في سوريا.

أرون ديفيد ميلر: سوريا هي بالضبط موضع النقد الموجه الأكثر إشارة، حيث يرى المنتقدون أن الولايات المتحدة يجب أن تتدخل عسكريا. ماذا تقول لهم؟ وماذا تقول لأولئك الذين يدفعونك للثقة العمياء في الروس الآن؟

روبرت مالي: افترضت منذ البداية، أولا، أن لا أحد يمكنه أن يكون راضيا عن الوضع في سوريا، وثانيا، أن لا أحد -وبالتأكيد ليس أنا- يمكنه القول بأي مستوى من الثقة، ما كان يمكن أو يجب القيام به لمنع هذه المأساة.

والحقيقة هي أننا لا يمكن أن نكون متأكدين ما إذا كان التدخل العسكري في سوريا من شأنه أن يؤدي إلى نتائج أفضل أو أسوأ، وما إذا كان من الممكن أن يساعد أو يعرقل مكافحة الإرهاب. وما يمكنني القيام به هو وضع تفكير للإدارة، وما هي الأهداف، وكيف نأمل في تحقيقها.

وأهدافنا الرئيسية في هذه المرحلة هي إسقاط مستويات العنف بين النظام والمعارضة، وعلى وجه الخصوص ضد المدنيين، وهزيمة داعش وجبهة النصرة (التابعة لتنظيم القاعدة في سوريا*. ودفع عجلة التحول السياسي الحقيقي، بعيدا عن الرئيس السوري بشار الأسد. وسيستمر التشابك بشكل وثيق، طالما استمر العنف من النظام و المعارضة، وطالما استمر النظام في هجماته العشوائية ضد المدنيين، فإنه سيكون من الصعب للغاية حشد القدرة المحلية الضرورية أو التركيز على محاربة الإرهابيين. وبالمثل، دون عملية سياسية ذات مصداقية، التي تتحرك نحو حكومة أكثر شمولية وتمثيلية، فإنه سيكون من الصعب للغاية الحفاظ على أي منع للعنف أو إضعاف جاذبية الجماعات الجهادية. واستهدفت جهودنا الدبلوماسية مع روسيا تحقيق هذه الأهداف.

أرون ديفيد ميلر: لذلك كنت تعول على الروس؟

روبرت مالي: لا، لا أعول عليهم بل اختبارهم.. والاختبار من خلال الدبلوماسية الشديدة والصعبة، فيما إذا كنا نستطيع المضي قدما نحو تسوية النزاع، الذي يلبي بعض الاحتياجات الأساسية: مثل إنهاء العنف ضد الشعب السوري، وتحقيق التحول الذي يحافظ على مؤسسات الدولة، وتجنب الفوضى، وهزيمة الجماعات الإرهابية.

وكما تعلمون، وصلت الإدارة إلى تفاهم مع روسيا في فبراير على وقف الأعمال العدائية. و أدى هذا الاتفاق -لفترة من الوقت- إلى انخفاض مستويات العنف في أجزاء كثيرة من البلاد إلى حد كبير، ما أدى إلى زيادة كبيرة في وصول المساعدات الإنسانية إلى السوريين المحتاجين. لكنها توترت وعادت إلى النقطة التي كانت عليها، على الرغم من أن البلاد  كانت أكثر هدوءا بكثير ما كانت عليه، قبل وقف الهجمات، وأصبح هناك قدر أكبر من المساعدات الإنسانية التي تصل للسوريين عن ذي قبل، في العديد من المحافظات – حلب، اللاذقية، ريف دمشق – وقد عاد الوضع إلى ما كان عليه.

وهناك سببان رئيسيان لذلك: أولا، لا يزال النظام يبذل جهوده  للحصول على مزيد من الأراضي ودعم موقفه، بانتهاك الوقف واستخدام سلاحه الجوي وإسقاط قنابل البراميل، الذي يكون في كثير من الاحيان بدعم من روسيا. ثانيا، لا تزال جبهة  النصرة أيضا تعمل على تقويض وقف العنف، من خلال ما تشنه من هجمات، وبالاشتراك مع جماعات المعارضة أحيانا.

وهذا هو جوهر التفاهم الذي نناقشه مع الروس: إعادة إنشاء وقف العنف، لكن على أساس أكثر حزما وأكثر مصداقية، مع قيود واضحة على استخدام القوة الجوية. وتكثيف الجهود ضد داعش وجبهة النصرة؛ وتجميع العملية السياسية على أساس الأفكار، التي كنا نتوقع سماعها من مبعوث الأمم المتحدة، ستيفان دي مستورا.

وقال الروس إنهم لا يعارضون عملية الانتقال السياسي (في سوريا)، لكن نريد تجنب الوضع الذي يؤدي بمؤسسات الدولة للانهيار، أو انهيار هذا البلد، أو تولي الجهاديين المسؤولية. وأكدوا أيضا أنهم يريدون وقف يحترم، لكن لا نريد لجبهة النصرة الاستفادة منه. ونحن نتفق على كل نقطة. حتى إذا كانوا يعنون ما يقولون، فلا تزال هناك فرصة نتمكن من خلالها من إيجاد طريقة أفضل للمضي إلى الأمام من خلال تشجيع تحقيق كل أهدافنا في وقت واحد . أو بعبارة أخرى، أن ما نحاول تحقيقه مع روسيا يصب في مصلحتنا بشكل واضح ومباشر وكامل: لوضع حد للغارات السورية ضد المدنيين والمعارضة، وتكثيف مكافحة داعش والنصرة، والمضي قدما نحو الانتقال السياسي. وإذا نجح الأمر مع روسيا فهل نستطيع أن نفعل ذلك، لم لا؟

بالطبع، هناك أكثر من سبب كاف لنكون متشككين. وكانت روسيا إما غير راغبة أو غير قادرة على الحصول من النظام على الامتثال الكامل لوقف العنف، وهو السبب رقم واحد للشك. لكن دعونا نكون واضحين: إذا لم تكن روسيا تعني ما [تقول]، أو إذا [كانت] لا يمكنها الحصول من النظام على ما يجب عليه القيام به، فنحن لم نضح بأي شيء. وسيستمر الدعم للمعارضة في المضي قدما، ولن يسيطر النظام كما في السابق. وهذا أبعد ما يكون عن النتيجة المثالية، التي نرغب فيها لنا أو للشعب السوري، وستستمر الحرب. لكنها لن تكون ذات نتيجة مثالية بالنسبة لروسيا، التي يمكن أن تنجر إلى التوسع في الحرب، في ظل عدم وجود نقص في السلاح أو الدعم للمعارضة، وتقريبا أي أمل في انتهائها قريبا. كلما طال أمد الحرب، سيتم تورط روسيا أكثر وسيكون من الصعب عليها الخروج. ومرة أخرى، هذا هو الدرس الذي تعلمناه بأنفسنا بطريقة صعبة.

ونحن أيضا يجب أن نختبر هذا الخيار، غير كامل كما هو، ضد أي من البدائل المتاحة. وفي هذا الصدد، ينبغي لنا التشكيك في فكرة أننا نحقق أفضل ألاهداف الأساسية لدينا، أو التخفيف من معاناة الشعب السوري، من خلال التدخل العسكري المباشر، بالتالي الدخول في ديناميكية تصعيدية مع النظام، المدعوم من روسيا وإيران، والحصول على تشارك بشكل مباشر في حرب بالوكالة الإقليمية.

أما بالنسبة لفكرة تزويد المعارضة بمزيد من الدعم الكمي والنوعي، فالتاريخ يقدم تحذيرا واقعيا. وبطبيعة الحال، فإن سوريا والعالم سيكونون أفضل بكثير من دون الأسد. لكن هذا لا يعني أنه سيكون أفضل بكثير بوجود بعض الجماعات الجهادية الأكثر تطرفا، التي توسع انتشارها والسيطرة. ولايستغرق ذلك سوى معرفة سطحية بتاريخ المنطقة، من قدرة الجماعات الأكثر تطرفا وعنفا، التي ليس بالضرورة أن تكون أكثر شعبية.. لكنها لا ترحم- لتكون لها اليد العليا في الحروب المدنية والمضي قدما فيها، وتقدير المخاطر التي تنطوي عليها.

أرون ديفيد ميلر: مسألة سوريا تثير أيضا مسألة خطابية للإدارة الأمريكية.. هل من العدل القول إن الإدارة في كثير من الأحيان تسمح بكلمات (الأسد يجب أن يذهب – الشعب السوري “خط أحمر” – يجب تجميد شامل للاستيطان) تفوق قدرتها على تحقيق تلك الأهداف؟

روبرت مالي: إنها مسألة عادلة وبعيدة عن أن ندعي أننا نحقق دائما التوازن الصحيح بين الأقوال والأفعال. وأنا من أشد المؤمنين بفضائل الصمت، والنشر بحكمة. لكن إذا أخذنا هذا الاقتراح على محمل الجد، فإننا نأوي طموحات لا يمكننا تحقيقها في المستقبل المنظور، ولا ينبغي لنا التعبير عنها، وأنه إذا كان يجب علينا التعبير عنها، فيجب أن نتحرك دائما لتحقيقها؟ ذلك لأننا لا يمكننا أن نتوقف عن انتهاكات حقوق الإنسان، ولا ينبغي لنا أن نتكلم ضدها؟ لأننا لسنا على استعداد للذهاب في حرب للإطاحة بالدكتاتور، محمد سياد بري، فيتعين ألا نؤيد دعوات شعبية للإطاحة به؟

وكلمة حول “الخط الأحمر” تراجع لحظة سياسية إلى الخلف، حول ما إذا كان أو لم يكن ينبغي القيام به، وبالتركيز على النتيجة: أعلن النظام السوري إزالة مخزونه من الأسلحة الكيميائية، ما يجعله أقل خطورة على شعبه، وعلى المنطقة، وبالنسبة لنا. اسألوا المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين كيف يشعرون حيال ذلك. وأنهم سيكونون أول من يعترفون بأن هذا الإنجاز تجاوز توقعاتهم الأكثر تفاؤلا. ولكم أن تتخيلوا ما قد تبدو عليه سوريا اليوم، إذا حصل داعش أو تنظيم القاعدة على عقد من مخزون الأسلحة الكيميائية الواسعة. والحقيقة ليس هناك أي ضربة عسكرية يمكنها أن تحقق ما قد تحققه الإدارة، وخلاصة القول إن الولايات المتحدة عليها الوفاء بالغرض المعلن من الخط الأحمر، وتفعل ذلك دون الشروع في العمل العسكري، مع عدم وجود نقطة نهاية واضحة أو أساس قانوني دولي واضح.

أرون ديفيد ميلر: هناك نقد آخر للإدارة، وهو أنها لم تكن موالية بما فيه الكفاية لحلفائها التقليديين.

روبرت مالي: إنه نقد آخر يرتكز على افتراضات مشكوك فيها. ووفرت إدارة قوية -في بعض النواحي غير المسبوقة- المساعدة الأمنية للشركاء والحلفاء، موضحة أننا ستعمل على حمايتهم من خطر أي هجوم أجنبي. وهذا صحيح في حالة إسرائيل والخليج. لكن الدعم لا يعني شيكا على بياض أو اقتناعا أعمى بإجراءات نعتقد أنها تتعارض مع مصالحنا، ويمكن أن تكون لها عواقب سلبية.

وتم تقديم الدعم الواسع من الإدارة إلى حلفائها في الخليج، ولدينا من خلال عملية كامب ديفيد تعزيز لثقتهم، وتحقق ذلك من خلال أنشطة إيران لزعزعة الاستقرار. وليس المقصود التمكين لصراع مفتوح العضوية مع طهران، ناهيك عن جر الولايات المتحدة إلى مواجهة بين السنة والشيعة أو بين العرب والفرس، الذي سيكون تطرفا وطائفية وستكون جماعات العنف المستفيدة الوحيدة.

وسعت الإدارة إلى تقديم دعم قوي لإسرائيل، لا يمتد إلى السياسات التي تجعل حل الدولتين من الصعب التفكير فيه. وعندما يتحسر بعض من يقول بعدم وجود قيادة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، على ما يبدو، فغالبا لأن الولايات المتحدة لا تنحاز تلقائيا مع كل سياسة يتبعها شركائنا. لذلك نحن سندافع عن المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى، إذا وقعت سلامة أراضيها تحت التهديد، وسندافع عن إسرائيل. لكن هذا لا يعني أننا يجب أن نمتنع عن التعبير عن قلقنا بشأن الحرب في اليمن وكيف تم شنها؛ والإجراءات البحرينية ضد سكانها الشيعة. أو النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية، غير المتوافق مع مصلحتنا في حل الدولتين، كذلك مع تطلعات الفلسطينيين الأساسية.

أرون ديفيد ميلر: الحكم يكون حول الاختيار.. مع تبقي ستة أشهر في فترة حكم أوباما، كيف تكون أولويات أهداف الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط؟

روبرت مالي: إن الأولوية الأولى، كما ذكرت، هي حماية الولايات المتحدة ومواطنينا من الهجمات الإرهابية. الهدف الثاني ، هو التأكد من أن داعش يسير على طريق الهزيمة الدائمة، والعمل مع الحكومة العراقية ومع القوات المحلية، بينما تتحرك حملة للموصل ولسوريا، نحو معقل  داعش في الرقة، وفي بلدان أخرى -وعلى الأخص ليبيا- حيث سعى داعش لتوسيع انتشاره. لكنه لا يفعل ذلك بذكاء، مع التركيز على تجنب الحالة، التي سقط فيها، أو الخلافة التي ستخرج من رماده.

ثالثا، نحن بحاجة إلى حماية صفقة إيران، وهو ما يعني أن نكون متيقظين تماما من حيث امتثال إيران لالتزاماتها ونزاهتها، من حيث الامتثال لعاداتنا وتقاليدنا. وأخيرا، فإننا سنعمل على مواصلة الجهود التي وصفت، لدفع التسويات السياسية، لا سيما في سوريا، و أيضا في اليمن وليبيا.

ولم أذكر الصراع الإسرائيلي الفلسطيني في نفس الوقت، ليس لأنه هامشيا أو بسبب أن جهودنا ستتوقف. لكن لأنه – كما أوضح أوباما- لا ينبغي أن نكون ممن يبيعون الأوهام حول حل النزاع في غضون الأشهر القليلة المقبلة، ونحن يجب أن لا ننفق من الطاقة التي لدينا، في محاولة لاستئناف المحادثات التي ليس من شأنها سوى تقويض مصداقية الدبلوماسية دون جدوى، بما في ذلك منطقتنا.

وتحتاج جهودنا لتكون مختلفة، لكن لا يوجد نوع أقل وضوحا. وأن تتجه نحو إعادة التفكير في الوسائل والمنهجية، التي نستخدمها لخلق الظروف التي يمكن للأطراف الدخول من خلالها في مفاوضات ذات مغزى – والمفاوضات التي يعتقد بها الشعبين حقا- وليس الزائفة من المحادثات الكثيرة، التي شاهدتها في الماضي.

أرون ديفيد ميلر: ماهو الإرث الذي تريد تركه للحكومة المقبلة؟

روبرت مالي: ستة أشهر وقتا طويلا، وأنا لا أعتقد أننا يجب أن نتحدث من حيث الإرث، خصوصا عندما لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين علينا القيام به. لكن أعتقد أنه من الإنصاف القول إنه كحد أدنى نريد إرساء أسس أكثر صلابة للإدارة المقبلة يمكنها أن تبني، إذا ما اختارت ذلك، من حيث الحفاظ على أمن الأمريكيين، وهزيمة الجماعات الإرهابية، وضمان الالتزام الاتفاق النووي مع إيران، (ويجب أن يختار قادة إيران مسارا مختلفا، وفتح الباب لعلاقة ثنائية مختلفة)، وإحراز تقدم نحو حل النزاعات الإقليمية.

بمعنى أوسع، أعتقد أن ما يجري يمهد الطريق لعلاقة أكثر واقعية وأكثر صدقا وأكثر صحة، في نهاية المطاف مع كل حلفائنا الإقليميين والخصوم الإقليميين أيضا – وسحب الجزء الأكبر من القوة القتالية لدينا من العراق. وتجنب التشابكات العسكرية المفتوحة جديدا؛ والابتعاد عن الحرب بالوكالة الطائفية، التي لا تزال في مهدها. ونزع فتيل التوترات الكارثية المحتملة، بسبب برنامج إيران النووي. وأن تقود جهودا دبلوماسية متعددة الأطراف؛ وفوق ذلك كله، تعمل على تعزيز مصالحنا الجوهرية، والولاء لشركائنا، لكن أيضا تكن صادقة لقيمنا. وهذا لن يكون سيئا بالنسبة لنا، ولن يكون سيئا للفريق القادم للبدء.