Archived: فورين بوليسي: الأطباء.. الضحايا الذين لا يبكيهم أحد في سوريا

فورين بوليسي: ترجمة صحيفة التقرير

لا يزال نظام الأسد، حتى بعد مرور خمس سنوات على بداية الحرب السورية، يستهدف كل العاملين في المجال الطبي، في الأراضي التي تسيطر عليها المعارضة، وننقل فيما يلي جزءًا من قصة كفاحهم اليائسة، من أجل البقاء على قيد الحياة، وإنقاذ الأرواح في آنٍ.

بعد انتهاء دوامه، وبعد التأكد من خلو السماء من الطائرات الحربية الروسية والسورية في حماة، خرج حسن الأعرج، في 13 أبريل الماضي من المستشفى، وكان متأهباً لفقدان الحياة في كل لحظة يخطوها في تلك المدينة، فهو بالنسبة لشعبها آخر طبيب متخصص في جراحة القلب، على قيد الحياة. وكما توقع، فارق الحياة جراء انفجار صاروخ قرب سيارته أثناء عودته.

أفاد الصيدلي والمساعد الطبي، أحمد الباديس، بأن “هذه المنطقة مستهدفة، لأن النظام يعلم أنها تحتوي على مستشفى وتضم طاقمًا طبيًا يتحرك هناك.”

2015: لا تزال هذه المستشفيات صامدة

من الداخل، هو مستشفى، يحتوي على أسرة ومعدات تعقيم وأرضية من السيراميك، لكن من الخارج، سقفه يحكي حكاية صمود مدينة حماة، من خلال الثغرات والصخور المتعرجة. أطلق عليه الطبيب الأعرج اسم “الكهف المركزي”، فتح في 2015، عندما تم قصف جزئه العلوي في هجوم الطائرات. لجأ الأعرج مع زملائه وكل المرضى إلى مستشفى على عمق 55 قدمًا تحت الأرض، متقبلين في ذلك الأوساخ والأتربة ومحتمين من القصف، لأن المكان قد يهتز بفعل القذائف، لكنه يتحمل ولن ينهار.. وهذا بالفعل ما يطمح إليه الطاقم الطبي في سوريا لمقاومة هجمات النظام وروسيا.

واجه الأطباء تحديات مالية على إثر هذه المستشفيات التحتية، لأنه ليس من السهل توجيه المال في سوريا إلى مكان واحد، في مثل هذه الأوضاع الصعبة.. تكلف “الكهف المركزي” نحو نصف مليون دولار لبنائه، ودعمتهم في ذلك منظمات إغاثة، على غرار منظمة “سيما” واتحاد الرعاية الطبية ومنظمات الإغاثة ووحدة تنسيق المساعدة والذراع الإنسانية للائتلاف الوطني السوري. وعلى الرغم من خضوعها لسيطرة المعارضة، ساهمت مديرية الصحة ببعض الأموال، التي تلقتها من الحكومة البريطانية لدعم المشروع.

لم يستسلم الطاقم الطبي في مدينة حماة، فقد تقدموا بهذه المبادرة، التي أصبحت قادرةً اليوم على استقبال ما يربو عن 1500 مريض شهريا من حماة وإدلب، وتتم معالجة معظمهم مجانا. و على الرغم من المداخيل المحدودة، يحتوي المستشفى، الذي يقع في منطقة جبلية، غرف عمليات جراحية ووحدة عناية مركزة وصيدلية ومختبر وجناح طبي ومرافق الأشعة السينية.

أصبحت الحاجة إلى حماية المستشفيات في جميع أنحاء سوريا ملحة للغاية. فقد ساهم قرار موسكو عام 2015 في تصعيد الخطر، ما دعا منظمة أطباء بلا حدود إلى إعلان عام 2015، السنة الأكثر دموية بالنسبة لقطاع الصحة في سوريا، بعد أن تم تسجيل 12 هجوما على المرافق الطبية.

لا يعد “الكهف المركزي” المثال الوحيد، الذي يظهر تحرك المعارضة تحت الأرض، فالعديد من المستشفيات تحتوي الآن أماكن تحت الأرض، آمنة تُخبأ فيها الوحدات الأكثر حساسية، مثل غرف العمليات الجراحية والطوارئ، التي توجد معظمها في عمق يصل إلى ألف قدم.

أفاد أبوزيد، ممثل اتحاد الأطباء السوريين الأحرار، بأن “استراتيجية الأطباء، كانت تهدف لتحديد منطقة نائية، لذلك خيرنا البقاء بعيدًا عن المباني الحكومية”. وتتم عملية نقل المرضى إلى هذه المستشفيات، إما عن طريق سيارة إسعاف، أو السفر في بعض الأحيان، من خلال الأنفاق التي تربط  بين المرافق.

كما أفاد أبوزيد بأن “الأطباء أصبحوا في مأمن أكثر من أي وقت مضى، فإذا تم قصف قسم من المستشفى، تظل بقية الأقسام في مأمن، لذلك يتم إرسال المرضى إليها.”

وأصبح مجال الطب، في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، متطورًا على نحو متزايد، وذلك نتيجةً لتقدمه على حساب التحديات والمصاعب التي واجهها الأطباء. وعلاوة على ذلك، تعمل المستشفيات على علاج الأمراض الروتينية بالمجان، وتتكفل المنظمات الخيرية بتسديد الرواتب.

يعلم الأطباء الحالة التي يعيشها المواطن السوري، لذلك تجد الأطباء يتنازلون على حقهم في الراتب وفي التكاليف الطبية، كماعمد الأطباء، بعد تجربة خمس سنوات من الحرب، إلى اعتماد منهجية في التعامل مع المرضى والضحايا والوافدين على المستشفيات، خصوصا في حالة القصف العشوائي، حيث يوضع الضحايا على حدة، وينقل المرضى فورًا إلى غرف العمليات أو مستشفيات حلب وتركيا.

وفي إشارة إلى الصعوبات الإضافية، التي يتعرض لها الطاقم الطبي في سوريا، يتذمر بعض الأطباء من نقص اللقاحات والمطهرات والمضادات الحيوية، خصةوصا في المناطق المحاصرة، التي قطعت طرق الإمداد إليها منذ 2013.

في العادة يتم توصيل المستلزمات الطبية عن طريق تركيا، لكن تعاني المناطق المحاصرة من نقص حاد، لذلك ابتكر الأطباء طرقاً بديلة، مبادرة منهم لتوفير هذه المستلزمات ولتجنب التهريب عبر خطوط النظام وتكلفتها العالية، علاوة على مخاطرها الكبيرة. إضافة إلى ذلك، عمد الأطباء إلى الاعتماد على المبادرات الداخلية، لذلك بدأت مجموعة منهم في تكوين مصانع صغيرة منذ 2014 لإنتاج مواد طبية، صعب توريدها من خارج المناطق المحاصرة.

وساهم النقص في تحفيز الأطباء والعاملين في المجال الطبي على الابتكار. من جهته، بدأ المخدر “زاهر” بإنتاج مخدر طبي، من مكونات سهلة ومتاحة، منخفض التكلفة، كالمستحضرات المنزلية، وذلك لاستعماله في العمليات القيصرية.

ومكنت هذه المصانع الصغيرة المدنيين من اكتساب مهارات في مجال التمريض، وساهمت في استقطاب أعداد كبيرة من المتطوعين من خارج سوريا ومن الولايات المتحدة، ويكون الاتصال بمعظمهم عن طريق التطبيقات، التي ترسل الصور والفيديوهات صوتًا وصورة للعملية ولحالة المريض.

2016: “أين يكمن الخطأ وماذا سيكون مآلنا”

تمكن الأطباء في سوريا من التغلب على العراقيل، التي وضعها نظام الأسد أمامهم، وإنقاذ العديد من الأرواح، لكن حياتهم وسلامتهم تبقى مهددة نتيجة الغارات الجوية القادمة.

أفاد أبوزيد، من اتحاد الأطباء السوريين الأحرار، بأن “عدم ظهور الطائرات أصبح ينبئ بوجود خطب ما أو خطر قادم من المجهول.” ومع ذلك، هم يقاومون حتى مع نقص عددهم. ويرى البعض منهم أن الرحيل الآن، بات مستحيلًا أو قرارًا متأخرًا كثيرًا، ويؤمنون بأن بالمستقبل سيكون خيط الأمل، الذي سيتشبثون به، كما يؤكد البعض أن ظلم النظام السوري يزيد من عزيمتهم على البقاء.

فكر العديد من الأطباء في سوريا في الرحيل، لكنهم لم يتجرؤوا على ذلك ويتركوا الشعب تحت القصف، يتخبط في دمه ويموت دون منقذ، حتى لو كلفهم هذا العمل حياتهم. لذلك نجد أن الأطباء نجحوا في إيجاد طرق عديدة للاستمرار، على الرغم من التطورات والقرارات السياسية والدبلوماسية والعسكرية، التي تقف كل يوم أمام الشعب السوري، لكن العمل تحت الأرض في المستشفيات لن يكون دائماً آمناً بالنسبة لهم.

يذكر بعض الأطباء أن الحرب السورية والظروف الصعبة جعلت من الروابط الخاصة بينهم أقوى وعززت الأخوة، فأصبحوا يتأسفون ويتأثرون لموت أحد الأطباء، كما لو كان أحد أقربائهم. وذكرت زوجة الطبيب حسن الأعرج وأبناؤه، أنهم ما زالوا يعيشون في تركيا، فقد تعذر عليهم عبور الحدود للعودة إلى سوريا. إضافة إلى ذلك، لم يتمكنوا من حضور جنازة حسن أو زيارة قبره.

اقرأ:

فورين بوليسي: ما هي آثار الحرب السورية على حزب الله؟